الحصاد المر في الانتخابات الفلسطينية

حجم الخط
0

ما من انتخابات محلية في العالم تعكس منعرجات الخريطة السياسية العامة للبلاد وتشعباتها الاقليمية والدولية كالانتخابات البلدية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي من المنتظر أن ترى النور في شهر أكتوبر المقبل، بعد موافقة طرفي حالة الانقسام الفلسطينية الرئيسيين على إجرائها بعد انتظار طويل ومرير.
ويمكن وصفها، بلا تردد، بأنها «بروفة» للانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية المنتظرة في شهر يناير المقبل، وأنها مرآة تعكس ملامح المرحلة السياسية الراهنة التي تمر بها القضية الفلسطينية، لما فيها من مكامن مفصلية يمكن من خلالها قراءة المشهد السياسي الفلسطيني بصورة أقرب إلى الواقع، مثلما يمكن تلمس طبيعة ما آلت إليه توازنات القوى الفلسطينية والاقليمية والدولية الضالعة في الصراع العربي الاسرائيلي، لا سيما أن الأطراف الرئيسية المشاركة في هذه الانتخابات لا تزال على عهدها لجهة الارتباطات التي تجمعها بمحاور إقليمية ودولية لم تعد خافية على أحد، الأمر الذي لطالما ألقى بظلاله على أي حراك سياسي فلسطيني في المستويين الداخلي والخارجي، أو في محاولة ضبط العلاقة البنيوية الناشئة ما بين متطلبات النظام السياسي الفلسطيني استنادا إلى المنظور التحرري الذي قامت على أساسه الثورة الفلسطينية المعاصرة، بوصفها حركة تحرر وطني ترمي إلى تحرير وطن مغتصب من محتل جائر من جهة، وبين التزامات مختلف القوى السياسية والمدنية الفلسطينية اتجاه الاحتياجات اليومية للمواطن الفلسطيني في المناطق التي تتمتع هذه القوى بنفوذ فيها.
هكذا، يبدو منطقيا أن تتجه سائر الأسئلة نحو السياقات التي أفضت إلى اتخاذ قرار اجراء الانتخابات المحلية في مناطق مثقلة بملفات لا يبدو أن أحدا من تلك الأطراف المحلية أو الاقليمية أو الدولية مهتما بمعالجتها، وعلى رأسها النتائج الكارثية لاتفاق أوسلو، الذي ولد ميتا، والفشل الذريع الذي أحاق به، والنتائج الكارثية لحالة الانقسام الفلسطينية المستعصية على الحل، فضلا عن حالة الغموض والضبابية الناجمة عن ذلك، التي باتت تلف المشروع الوطني التحرري الفلسطيني بركائزه الثلاث المتمثلة في حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وحق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وهي سياقات تزداد غموضا كلما توغلنا أكثر في محاولة البحث عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء قرار كبير من هذا النوع يتطلب الكثير من المقدمات الكبرى بعيدة المنال في الجبهة الداخلية الفلسطينية، وفي علاقة هذه الجبهة مع المشروع الاستعماري الصهيوني ومع محيطها الاقليمي ونظيره الدولي، بحيث يمكن النظر إلى الأسباب المحتملة للإقدام على خطوة معزولة من هذا النوع في مستويين اثنين:
الأول يتعلق بالحالة الفلسطينية الداخلية الساكنة ظاهريا، التي لم تشهد أي تغيير يذكر يستدعي أو يرقى إلى مستوى معالجة الملفات الفلسطينية الداخلية، بعد فشل العديد من محاولات رأب الصدع الفلسطيني، التي تتكسر في كل مرة على صخرة النظرة الحزبية الضيقة لكل من الفصيلين المسيطرين على الأوضاع في الضفة الغربية وغزة، تلك النظرة التي تمعن في التعامل مع الشأن العام كورقة سياسية للمساومة والابتزاز وتتعامل مع هذا الحيز كمقياس لمدى اتساع نفوذها وتحقيق مصالحها الحزبية والأيديولوجية الضيقة على حساب الهموم الوطنية والحياتية للمواطن الفلسطيني أينما وجد.
أما المستوى الثاني وربما هو الأهم في هذه الحالة لما ينطوي عليه من دينامية تحركها قوى إقليمية ودولية فاعلة كبرى، فإنه يتعلق بارتباطات ركيزتي النظام السياسي الفلسطيني الحاليتين بالمنظومة السياسية الاقليمية اللاحقة لثورات الربيع العربي أو لمفاعيل الثورات المضادة التي انقلبت على محاولات التغيير السياسي في المشرق والمغرب العربيين، ودكت قلاعها وأخمدت نيرانها ولو إلى حين، فضلا عن أن طبيعة هذه الهجمة المضادة للحراك الديمقراطي المشرقي تتعارض مع المنظور التحرري للقضية الفلسطينية من حيث المبدأ والمآل وتتساوق، في الوقت نفسه، مع المشاريع العابرة للقارات التي تستهدف المنطقة، الأمر الذي ربما يفسر أحد ملامح حمى الانتخابات الفلسطينية بمستوياتها الثلاثة ويضيء على البعد الاقليمي والدولي لها في ظل غياب أي بديل فلسطيني يمكن أن يشكل معادلا لكلا ركيزتي النظام السياسي الفلسطيني أو إحداهما، بل ان هذا الغياب الثقيل والقاتل هو ما يرجح أو يؤكد أن المنظومة السياسية الفلسطينية بصدد إعادة تكريس نفسها لحقبة مديدة مقبلة مع إعادة تموضع قواها التقليدية وعودة قوى وشخصيات «مغضوب عليها» إلى هذه الساحة لشغر أحد أهم مناصبها السياسية السيادية، بعد أن عملت جاهدة من خارج الصندوق الفلسطيني من منصات عربية ودولية مختلفة، تحضيرا للعودة المنشودة التي يمكن أن ترى النور، بداية، من الانتخابات الفلسطينية المقبلة.
في سياق كهذا تبدو الانتخابات المحلية الفلسطينية أبعد ما تكون عن عامودي شعار قائمة حركة مثل حركة فتح في هذه الانتخابات (التحرر والبناء)، مثلما تبدو رهانات حركة مثل حركة حماس على الخروج من تحت عباءة معسكر «المقاومة والممانعة» أوهاما، فالأولى ستبقى رهينة حاضنتها الاحتلالية بينما ستبقى الثانية تتنفس من رئة إحدى القوى الاقليمية الناشئة، ما يبعد كليهما خطوة اضافية عن المشروع الوطني الفلسطيني المعبر عن طموحات أبناء الشعب الفلسطيني المنكوب في الداخل والخارج، ويجعل من انتخابات أكتوبر وما سيليها من انتخابات تشريعية ورئاسية جسرا لتمادي قوى خارجية معادية لمصالح الشعب الفلسطيني ويبقي أدوات الحالة الفلسطينية الداخلية معطلة حتى في مستوى النقاش الدائر حول المأزق الذي تعيشه هذه الحالة، وسبل الخروج منه، إلى درجة أن بعض المراقبين الفلسطينيين يدقون، في اللحظة الراهنة، ناقوس خطر دق المسمار الأخير في نعش الموروث الوطني الفلسطيني، بعد أن أصبحت الفرصة مؤاتية لذلك، من خلال تيئيس الشارع ودفع أبناء الشعب الفلسطيني إلى حافة الانهيار، وجعل حلمهم يقتصر على تأمين أبسط احتياجاتهم اليومية، خاصة في قطاع غزة، ما يجعل الغائب الأكبر في هذه الانتخابات يتمثل في غياب استحقاق المواءمة بين روح القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطــني من جهة والحركة المطلبية للفلسطينيين في مختلف أماكن عيشهم.
أما الخطر الداهم والواقعي الذي تتمظهر ملامحه من خلال الانتخابات المحلية الفلسطينية، ضمن هذه المعطيات، فإنه يتمثل في التمهيد لإشراك الدولة العبرية في ايجاد حل للقضية الفلسطينية بوصفها عضوا في المنظومة السياسية الاقليمية في المشرق العربي، وليس بوصفها طرفا في الصراع العربي- الاسرائيلي، تزامنا مع تنامي مشروع إعادة ترتيب الخريطة الجيوسياسية الاقليمية وإحداث عدد من التغييرات على هذا الصعيد، وهذا يتطلب اجراء الانتخابات البلدية في الضفة وغزة للايحاء بأن ملف المصالحة يمضي قدما، فضلا عن تهيئة الرأي العام واستطلاع طبيعة الاستقطابات والتجاذبات بين الفصائل الفلسطينية في ظل تأخر ظهور قوى جديدة فاعلة من شأنها أن تحدث تصدعا في جدار حالة استقطاب فلسطينية كاسحة ومستحكمة بالنظام السياسي الفلسطيني منذ مرحلة ما بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982.

٭ كاتب فلسطيني

الحصاد المر في الانتخابات الفلسطينية

باسل أبو حمدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية