الحفاوة «المضللة» بالقرار الأممي حول الاستيطان!!

حجم الخط
0

لن تطول كثيراً ضجّة «الحفاوة» بقرار مجلس الأمن الدوليّ، الذي صدر مؤخراً، حول وقف الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ سرعان ما ستنقشع تلك الأجواء ليجدّ الفلسطينيون والعرب أنفسهم خاليّ الوفاض بلا آلية أممّية إلزامية لتنفيذه فعلياً، بينما يمضيّ الاحتلال الإسرائيلي في مقارعته المضّادة بالمخططات الاستيطانية الجديدة.
ولن يطول الوقت، أيضاً، حتى يدخل القرار الأممّي في مرحلة حرّجة من مصيره، إزاء ضيق الخيارات المتاحة، راهناً، أمام القيادة الفلسطينية، وتحللّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي من أسِّر أي ضغوط قد تجبّرها على تقديم تنازلات في العملية السياسية، في ظل الانحياز الأمريكي المفتوح لها، وضعف الدعم العربي الإسلامي للقضية الفلسطينية، بما يجعل مستقبل «حل الدولتين» في غياهبّ المجهول.
بيدّ أن «قتامّة» المشهد الإقليمي العربيّ، وتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وسط انشغال دول المنطقة بقضاياها الداخلية، يجعل من بصِّيص ضياء في نفق معتمّ وكأنه انفراجة حقيقية. فهذا القرار الأممّي الأخير ليس جديداً، من حيث جهة الصدور وطبيعة المضمون وماهية التطبيق، فأجندة هيئة الأمم المتحدة حافلة بالقرارات الدولية المشابهة، التي تزيد عن 40 ـ 60 قراراً، والصادرة، منذ العام 1967 تحديداً، عن مختلف أجهزة الأمم المتحدة، بدءاً بالجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي و«اليونسكو» ومجلس الأمن حتى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، والتي تتبنى موقفاً ثابتاً من الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس، باعتبارها محتلة، والإقرار بعدم مشروعية ولا قانونية الاستيطان فيها.
وإذا كان القرار الأممّي الأخير يماثل، في أهميته، القرار رقم 465 عام 1980 الذي يناقش قضية الاستيطان بالتفصيل والتركيز المعتبرّين، غير أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتفت يوماً إلى قرارات الشرعية الدولية، التي اعتبرها (أول رئيس وزراء إسرائيلي) ديفيد بن غوريون «حبّراً ورقياً» حيث ما يزال يمضّي في نمط عدوانه الثابت ضدّ الشعب الفلسطيني، ما أدى إلى ارتفاع عدد المستوطنين إلى زهاء 680 ألف مستعمر في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، ضمن 185 مستوطنة و220 بؤرة استيطانية عشوائية قيدّ التحول إلى مستوطنة قريباً.
وتستعد سلطات الاحتلال لمواصلة تنفيذ مخططها الاستيطاني الخطير بإقامة 58 ألف وحدة استيطانية في القدس المحتلة، حتى العام 2020، والتي لم يبق من مساحتها سوى 13٪ فقط بيدّ الفلسطينيين، بعدما استولت على زهاء 87٪ من المدينة المحتلة.
في حين تتغلغل المستوطنات في عمّق أراضي الضفة الغربية بين أوصال المساحة المخصصّة لإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة ضمنها، بما يجعل إمكانية ترميمّ «الكانتونات» المقطعة وغير المتصلة أمراً مستحيلاً، غير أن ذلك لا يمنع، في المنظور الإسرائيلي، من إقامة حكم ذاتي، تحت مسمى دولة، معنيّ بالشؤون الحياتية للسكان، خلا السيادة والأمن الموكلتين للاحتلال.
ويزيد من ذلك غياب ضغطيّ الالتزام بالقرار وفرض العقوبات على الطرف المخالف إزاء صدوره بموجب الفصل السادس من ميثاق هيئة الأمم المتحدة، حيث تعدّ القرارات الصادرة بموجبه غير ملزمة، خلافاً للقرارات الصادرة طبقاً لمقتضيات الفصل السابع، والتي تعتبر إلزامية على كافة الدول، بما يجعل القرار الأممّي رهين تقارير دورية يقدمها الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن لرصدّ واقع التوسع الاستيطاني في الأراضي المحتلة، وبالتالي لن يكتسب بعداً آخر.
وستتوفرّ الأجواء المواتية لتنفيذ المخططات الاستيطانية الإسرائيلية، بعيداً عن الرسالة السياسية الوازنة التي يبعثها القرار الأممّي لسلطات الاحتلال، لدى صدوره بأغلبية 14 عضواً من أعضاء مجلس الأمن، مقابل امتناع الولايات المتحدة، بما يؤكد الاجماع الدوليّ حول وقف الاستيطان.
ولا يعدّ امتناع الولايات المتحدة عن استخدام «الفيتو» ضدّ القرار بالأمر غير المسبوق؛ حيث مرّرت، منذ العام 1967، قرارات متعلقة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، بنحو 47 مرّة، ولكنه الأول من نوعه في عهد الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، حيث كان آخر تصويت في مجلس الأمن الدوليّ على قرار يتعلق بالاستيطان في العام 2011، والذي اصطدم تمريره «بالفيتو» الأمريكي بتوجيه الرئيس أوباما.
ويبدو أن الرئيس أوباما أراد من ذلك الموقف تسجيل بصمّة، قبيل مغادرته البيت الأبيض، تعدّ اليتيمة في مسار سنوات ولايته الرئاسية العِجاف، وكأنه أدرك متأخراً أن الاستيطان يشكل عقبة أمام تحقيق «حل الدولتين» بعدما خالف، بنفسه، ما يعلنه جهاراً، وعاكسّ رؤية الولايات المتحدة لحل العملية السلميّة، باعتبارها الأمثل لمصلحتها الاستراتيجية في المنطقة، والتي قامت بطرحها ابتداء، من قبل الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش «الإبن» وجرى تضمينها، لاحقا، في خطة خريطة الطريق، التي تلاشت مع الأيام بنودها موضع الانتقاد الفلسطيني.
في المقابل وبالرغم من إدراك الاحتلال الإسرائيلي جيداً أن القرار الأممّي الأخير لن يغير الحقائق الاستيطانية القائمة في الأراضي المحتلة، كما لن يلتزم بتنفيذه فعلياً، أسوّة بموقفه غير المكترث بقرارات الشرعية الدولية، إلا أن حالة الاستنكار والتنديد الشديدة للقرار، والتي أعقبها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بسلسلة إجراءات «عقابية» للدول الراعية والمؤيدة له، لا تخرج عن مجّرد «ضجّة» مفتعلة، ولكنها تنمّ عن طبيعة الكيان الإسرائيلي الاستعماري العنصريّ الذي لا يريد للفلسطينيين تحقيق أي انتصار، حتى لو كان معنوياً ودبلوماسياً رمزياً.
ويستقيم ذلك الحال مع ترجيح مسؤولين فلسطينيين بتأجيل خطوة طرح ملف الاستيطان أمام المحكمة الجنائية الدولية إلى وقت غير محدد. وإذا صحّ هذا النبأ، فإن ذلك يعدّ خسارة كبيرة، بعد إعداد الملف من قِبل طواقم فنية محلية خبيرة بالتعاون مع فريق من خبراء القانون الدولي، غداة إيداع الإعلان الأول حول قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق بدءاً من تاريخ 13 حزيران (يونيو) 2014، والذي يضمّ المعلومات والبيانات والوثائق والخرائط والصور الجويّة والمخططات الهيكلية والأوامر العسكرية الصادرة حول المستوطنات، ومعلومات عن سنة تأسيسها ومساحة الأراضي الفلسطينية المصادرة لأغراض التوسع الاستيطاني. كما يتضمن البيانات التي تفيد ببدء سريان المخطط، فيما تقدم الصور الجوية الاستعانة الكاملة للمقارنة بين المستوطنات خلال السنوات الأخيرة، ومنسّوب الزيادات التي طرأت على حجمها وأعداد المستوطنين ضمنها، فضلاً عن الوثائق الخاصة بالإعلانات الصادرة عن الإدارة المدنية الإسرائيلية أو ما يسمى بلدية الاحتلال في القدس، والتي تكشف عن قرارات إقامة وحدات استيطانية جديدة، أو توسيع القائم منها، أو طرح عطاءات استيطانية.
وفي المحصلة سيصّطف قرار مجلس الأمن إلى جانب أقرانه في سجّل الأمم المتحدة الحافل بقرارات مشابهة غير منفذة، وبالتالي لن يجبّر هذا القرار غير الملزم سلطات الاحتلال على وقف الأنشطة الاستيطانية، أو الاحتكام إلى ما يعاكس حقائق سياستها الاستيطانية المغايرة، بينما ستعود القيادة الفلسطينية مجدداً إلى مربع الصفرّ حيال المطالبة المتواترّة بوقف الاستيطان، رغم التأييد الدوليّ الجارف لموقفها.

الحفاوة «المضللة» بالقرار الأممي حول الاستيطان!!

د. نادية سعد الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية