الحقيقة العارية

حجم الخط
0

في المؤتمر الصحافي مع بنيامين نتنياهو قال الرئيس دونالد ترامب كل أنواع الأقوال. فهو مع صفقة كبيرة بمشاركة دول أخرى. وهو لا يصر على صيغة الدولتين: دولتان، واحدة ـ المهم أن يكون الطرفان راضيين.
اقتراحات عديدة لـ «حلول اقليمية» طافت في العقود الأخيرة. بعضها جيد لاسرائيل، وبعضها سيىء جدا. لا أدري أيا منها يقصد ترامب. فإذا كان يؤيد الخطة التي تقول ان لا حاجة لدولة فلسطينية أخرى غربي النهر، كونه يوجد منذ الآن مثل هذه الدولة في الأردن وأخرى في غزة، وهو يريد أن يشرك المصريين (قبل نحو سنة ونصف اقترح السيسي إضافة أرض في شمالي سيناء، أكبر بأربعة أضعاف من كل قطاع غزة للفلسطينيين) أو الأردنيين («الأردن هو فلسطين وفلسطين هي الأردن، وكل من يقول خلاف ذلك خائن»، قال الملك حسين رحمه الله) لأجل تجسيد هذا الحل الاقليمي ـ فلتكن البركة عليه. اما إذا كان يقصد ان يسوق للطرفين المبادرة السعودية ـ فلا تأتي البركة. ولكن الجديد الرائع في اقوال ترامب، الذي تعرض للنقد من دوائر اليسار وبغضب من العرب، كان تحطيم اسطورة قدسية خطة الدولتين.
تروي الأسطورة عن أبينا ابراهيم، الذي سخر من أرباب أبيه وبعد ذلك حطمها بمطرقة كبيرة وضعها في يد التمثال الأكبر. وعندما عاد أبوه روى له ابراهيم بان التمثال الاكبر هو الذي حطم التماثيل الصغيرة بعد أن تنازعت فيما بينها… وحكم نمرود على مدنس الهيكل بالموت حرقا بالنار التي نجاه الرب منها. منذ القدم تعاطى عبدة الأصنام بخطورة مع من يسخر من آلهتهم ويحطمها. فإذا لم يكن بوسع الآلهة ان تحمي حتى نفسها فهذا دليل على أن ليس فيها أي قوة.
ان الهوس لتقسيم بلاد اسرائيل الغربية إلى دولتين لم يعد منذ زمن بعيد خطة سياسية عقلانية. فمنذ التقسيم في 1922، عبر 29 تشرين الثاني 1947 وحتى اوسلو وجنيف ـ عادت لتتحطم، وفي كل تحطم كهذا كان يسقط العديد من الضحايا. ولا يزال الكثيرون يؤمنون بها. مثلما في عبادة الأصنام. ويضحون لها لشدة الفظاعة ضحايا إنسانية تسمى «ضحايا السلام». ولا يمكن الجدال مع المؤمنين في المنطق الذي في ايمانهم أو في أعرافهم. ودين السلام بين اليهود والعرب يعتقد بانه لا يوجد سوى حل واحد للنزاع: تقسيم البلاد. دولتان. وكل من يدعي خلاف ذلك كافر بالأساس.
لقد أيد زعماء الولايات المتحدة في العقود الأخيرة حل الدولتين. وتحت اعلانات التأييد الأمريكية للخطة تنازل زعماء اسرائيل عن خططهم واستسلموا للضغط. وهم ايضا تبنوا، غصبا أو ابتهاجا، الخطة. والآن قام رئيس الولايات المتحدة، وبجرة يد، بشبه هزء، الغى الخطة: دولتان، واحدة، ما تريدون. لا قدسية. تحطيم هالة القداسة او الخطة هو خطوة مباركة على الطريق للإعلان عن موتها والبحث في ترتيبات الجنازة. ان الغاء الاحتكار على الحقيقة سيؤدي بالضرورة إلى البحث عن خطط بديلة. استخدام العقل السليم بدلا من الايمان الأعمى.
لقد قال ألبرت آينشتاين انه جنون تكرار العمل ذاته المرة تلو الأخرى والتوقع أن في المرة التالية ستكون النتيجة مختلفة. الهوس هو الآخر اضطراب نفسي. والمؤمنون بحل الدولتين، حتى عندما يكونون واعين لاخفاقات الماضي، مستعدون لان يجربوه المرة تلو الأخرى، مع ثقة غير عقلانية بأن في المرة التالية ستكون النتيجة مختلفة. جاء ترامب وعرض هذا الهوس بعريه. يتبقى الأمل بألا يقنعه نتنياهو وليبرمان بالانضمام إلى دائرة الراقصين حول هذا العجل.

معاريف 21/2/2017

الحقيقة العارية

آريه الداد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية