«السكوت العام ما هو إلا موافقة عامة على الاستبداد… كل قانون لم يصادق عليه الشعب هو بحكم اللاغي، وما هو بقانون، فالشعب الذي يمارس حيرته عندما ينتخب أعضاء البرلمان فحسب، فإذا ما فرغ من انتخابهم عاد عبدا، ولا شيء غير ذلك».
ما هو الشعب؟ وما الذي يريده؟ هل يسعى إلى بناء العقد الاجتماعي بواسطة الحرية والمساواة؟ أم أنه يتمتع بنشوة العبودية؟ وهل يفكر الشعب العربي في عقل الأنوار؟ أم أنه سيظل شعبا تائها في الظلام والانحطاط؟ وما المسافة التي تفصله عن عصرالتنوير؟
يقول روسو: «لقد عاش البشر أحراراً، وأصحاء وصالحين، وسعداء طالما قنعوا بكوخهم البسيط، واكتفوا بلبس الجلود ثيابا.. وبالريش والأصداف زينة.. وإلى تشذيب الأشجار بالأحجار القاطعة لصنع زوارق الصيد.. أي طالما لم ينشغلوا إلا بأعمال في مقدور فرد واحد أن يقوم بها، وبفنون لا تستوجب مشاركة كثرة من الأيدي.. لكن ما أن أدرك الفرد الواحد فوائد جمع المؤن لاثنين، حتى اختفت المساواة، وظهرت الملكية؛ وغدا العمل ضروريا، وتحولت الغابات الشاسعة إلى حقول خصيبة كان على الإنسان أن يرويها بعرقه، وسرعان ما نبتت فيها العبودية والشقاء والبؤس جنبا إلى جنب مع المحاصيل الزراعية» . هكذا ولدت العبودية مع ظهور الملكية، باعتبارها انهيارا للجنس البشري: «وكم من جرائم، وحروب، واغتيالات، ومصائب، وفظائع كان سيوفرها على الجنس البشري ذاك الذي كان سينزع الأوتاد أو ردم الهوة الفاصلة بين أرض وأخرى، صارخا في وجه أقرانه بقول: «حذار من الإصغاء إلى هذا المحتال، فلسوف يكون مآلكم إلى هلاك إن نسيتم أن الثمار للجميع وأن الأرض ليست لأحد».
والحال أن ملكية الأرض تولد اللامساواة، وصراع المصالح والعبودية والشقاء، لأنها التربة التي نبتت فيها السياسة الفاسدة، وغدا المجتمع الجديد مسرحا لحرب ضارية، لأن النظام السياسي البدائي بدأ مشوبا بالنواقص، يشكو من عدم الاستقرار، إذ كان من صنع المصادفة، ويقوم على قوانين تقتصر على بعض المصادفة، ويقوم على قوانين تقتصر على بعض الضوابط والمعايير الملزمة للأفراد، وكان المجتمع بكامله يحترمها، وتم إضفاء صفة القدسية على الملكية وادعائها بالحق الالهي، لكن الإنسانية وجدت نفسها في قلب الصراعات والحروب الأهلية، ويعتاد الحكام على اعتبار أنفسهم مالكين للدولة واندادا للآلهة، والنظر باحتقار إلى المواطنين وكأنهم رقيق، والحقيقة تقول أن الشعوب قد نصبت عليها قادة ليدافعوا عن حريتها، لا ليستعبدوها، فالاستبداد تحريف للعقد الاجتماعي، فما هو إذن هذا العقد الاجتماعي الذي دافع عنه روسو؟ وهل يشكل بالفعل حلا لجدلية العبد والسيد؟ وهل نستطيع أن نحرر بواسطته مجمعنا من العبودية؟
من المؤسف أن نظرية العقد الاجتماعي لا يمكن أن تستقر في مجتمع بدائي، لأنها لا تتمخض في أي رسو، عن تكوين المجتمع كتنظيم سياسي فحسب، بل إن العقد الاجتماعي يحدد أيضا العلاقات المتبادلة بين الشعب وبين الذين انتخبهم لكي يحكموه. أما الحكم الديمقراطي، فإنه يقوم حينما تكون المساواة أسمى ما في الأمة، والسيادة الشعبية جوهر المواطن، هذا الذي حصل على هذا اللقب بإرادته الحرة، وبتدرجه في مراتب الفضيلة الأخلاقية، وإلا لتمكن من الحصول على شرف بلا فضيلة، وعلى عقل بلا حكمة، ومتعة بدون سعادة، لأن القوانين أضعف من الشهوات، وهي لا تغير البشر، بل تحاول كبح جموح غرائزهم، فالمجتمع بقدر ما تنمو فيه المعارف والعلوم والفنون والتجارة والصناعة، بقدر ما تنمو فيه أيضا جميع قدرات البشر، والشر والانحراف، وسيادة الجشع، والحقد، وتجار الحقيقة.. ولذلك يتعين تقويم المجتمع بواسطة السياسة الحكيمة التي تنبثق من نظرية العقد الاجتماعي، والدولة المدنية العقلانية، بيد أن قراءة الوضع السياسي للمجتمع الذي يخضع لهيمنة السلطة الدينية، والأسر الحاكمة التي تدعي امتلاكها للحق الالهي، وتنسى أن ممارسة شريعة الاقوى، أو بالأحرى الحكم الاستبدادي، يفسخ العقد الاجتماعي. فالذي يحكم بالقوة، وحدها القوة كفيلة بالإطاحة به، بيد أن المجتمعات التي لم تعرف إلى حد الآن ظهور العقد الاجتماعي، ستظل تنعم بالعبودية، للحكام ورجال الدين. وتظل في منأى عن السيرورة التاريخية.
والحال أن التفاؤل هو الأمل الوحيد للفكر الفلسفي الذي يضع أسئلته رهن إشارة السيرورات الفعلية للتطور الاجتماعي، ويزودها بالحجج العقلية من أجل هدم الحجج الزائفة والآراء الباطلة، ذلك أن المفارقات هي بمثابة المحرك الأول لجدلية المجتمع، لان الشطط في اللامساواة يعيد البشر إلى حالة من المساواة، ولكن في ظل العبودية، هكذا يتولد الصراع الطبقي بلغة الماركسية، والذي يقود إلى انتصار قوة العمل على قوة الاستهلاك والاستغلال، ويمكن اعتبار النظرية الماركسية مجرد قلب لنظرية العقد الاجتماعي لروسو، وبخاصة وأن روسو يقول: ليس المطلوب من الدولة تشييد فضاءات للفقراء، بل العمل على الا يكون هناك فقراء، والماركسية تقول باستيلاء العمال على وسائل الإنتاج، وسياسة ديكتاتورية البروليتارية، وسيادة المساواة بعد انعدام الفوارق الاجتماعية، وأمام هذا الصراع النظري الذي لا يمكن الاستغناء عنه، نجد أنفسنا أمام توجه عقلاني ينظر إلى الصراع الديمقراطي الثوري، والاتجاه الليبيرالي البرجوازي البدوي الذي يحسم بفضل تطور المجتمع المدني، بدون هذا التطور سيظل هذا الفضاء المقهور ينعم بعبوديته، كم هو مدهش ومفرح للروح أن نرى كافة المواطنين متساوين في الحقوق في ظل نظام ديمقراطي ينطلق من التربية على المواطنة، وحب العدالة والمساواة، والتوجه بعنف إلى الطفيليين الذين يعرقلون مسيرة التطور.
ومن الحكمة أن نعترف بأن الخوف من السقوط في طابع تقريري نمطي هو ما جعلنا نحتار الانزياح عن قراءة العقد الاجتماعي وإخضاعه لأسئلة فلسفة الحاضر لنرى ما إذا كانت الآداب السياسية البرجوازية قد تناولت فلسفيا مبادئ الحكم في أفق روح الشرائع والقانون الوضعي، أم أنها كانت تؤسس السياسة على مفهوم الاستبداد المستنير، والشاهد على ذلك أن هدم هذا الاستبداد لم يحصل إلا بعد الثورة الفرنسية، وليس بالعقد الاجتماعي الذي طرحه روسو، ذلك أن الحوار الإصلاحي قد حكم عليه بالفشل، على الرغم من العقد الاجتماعي الذي يحتل مفهوم المساواة فيه مكانة مركزية أصبح بمثابة بريق الثورة النظري، والوثيقة الأساسية للفلسفة السياسية للجمهورية، ولذلك فان الثورة الفرنسية هي التي قامت بانتزاع فلسفة العقد الاجتماعي من يد النسيان.
فهل نستطيع أن نبرهن على أهمية فلسفة الأنوار في الفلسفة السياسية الآن كما كان عليه الحال في الثورة الفرنسية؟ وما علاقة هذا الفضاء المقهور بذلك الفضاء المبتهج؟
وبعبارة أوضح، هل بإمكان فلسفة العقد الاجتماعي أن تكون فعالة في الثورات العربية البئيسة، كما كانت جوهرية في ثورة التنوير الفرنسية والألمانية؟ بل أكثر من ذلك كيف يمكن الحديث عن المساواة داخل اللامساواة، وعن الحرية داخل الاستبداد الديني؟
لم يظهر كتاب العقد الاجتماعي في فضاء تسوده العدمية، يتحرك فيه الشعب المخدر الإدراك بترياق الكنيسة، بل هناك تطور تاريخي اقتحم العقل الكلي، وحصل انفتاح على الحياة السياسية المتنورة، وتحول الحوار من الحياة الأخرى وشقاء هذه الحياة إلى حوار حول الديمقراطية، وكيفية القضاء على السياسة الطغيانية، والاندفاع إلى الإيمان بالمساواة والحرية، ما جعل نظرية العقد الاجتماعي تقع في قلب هذه النهضة السياسية التي بدأت تنتشر في عقول الناس، وبدأت أذهانهم تتخلص من وباء الحكم الطغياني، الذي كان يمزق الأجساد في الساحات العمومية لتكون عبرة لمن أراد أن يطالب بالحق في الحق. هكذا انقلبت مقولة ميكيافيلي على ملك فرنسا، لان الرهبة والعنف لا يولدان الطاعة، بل يولدان الثورة، وبخاصة إذا كان هناك فكر تنويري يؤسس لهذه الثورة، وليس فكرا ظلاميا ينقض عليها كما وقع في الفضاء العربي المقهور.
٭ كاتب مغربي
عزيز الحدادي