لا يمكن حَشْر المثقّف في الـــــزاوية، أو اعتباره جسماً غريباً، لا علاقة له بما يجري. المثقف هو صاحب أفكارٍ، وهو إنسان يختلف عن باقي الناس، بقراءته وتحليله للواقع، وبامتلاكه لأدوات ومعارف تسمح له برؤية الأشياء، بغير ما يراها بها غيره من مواطنيه، أو من يُقيمون معه على الأرض نفسها.
عينُ المثقف، بهذا المعنى، هي عين السَّاعاتي التي بها يرى الأشياء الدقيقةَ، وبها يستطيع تشخيص الأعطاب، والبحث عن الحلول الممكنة لها، أو اقتراح ما يراها حلولاً، لأنَّه بما يمتلكه من معرفة، ومن خبرة بالوقائع والأحداث، تصبح رُؤيتَه للواقع، بعيدةً، وفيها من التَّبَصُّر والحكمة، ما لا يمكن أن نجده عند السياسِيّ، ولا عند من باتَتْ القنوات الفضائية العربية تعتبرهم «خُبراء» في شأنٍ من الشُّؤون العامة، في السِّياسة، كما في الاقتصاد، كما في الجماعات الدينية، وما قد يحدث من «ثورة» أو «انقلاب»، في أي مكان من الأرض.
المثقف، هو مَنْ يكتفي بالحديث في ما يَهُمُّه ويخُصّه، ولا يتجرأ على الدخُول إلى الأراضي التي لا يعرف تُربَتَها، ولا طبيعتها، أو ما فيها من إنسانٍ ونباتٍ. ما يعني أن المثقف، حريص على أن يُدْلِيَ بِدَلْوِه في ما يعرفه، وبحَثَ فيه، وله فيه رأي، لا ما هو بعيد عنه، يَخُصّ غيرَه، من العارفين فيه.
السياسيّ، لا يتورَّع في الكلام في كل شيء، رغم أنَّه، في نهاية الكلام، لا يقول شيئاً. يُجِيب عن كل الأسئلة، ويعتبر الاسترسال في الكلام، هو الهدف، وليس قول ما يُفيد، أو ما يُضيءُ ويُتيحُ المعرفةَ والفَهْمَ. وإذا كان السِّياسِيّ، في ما مضى، هو مثقف بالضرورة، وهو شخص له كارِيزْما، وصاحب فِكْر، أو نظر، يحاضر، ويُحاوِر ويُناظِر، وكلامُه يكون مُؤثِّراً ويصبح مرجعاً في السياسة، وفي تحليل الواقع وفي النظر إليــــه، فالسياسي اليوم، هو شخصٌ دخل السياسة،إمَّا من باب المصلحة، أو من باب الدِّين. وأعني بالمصلحة، ارتبــــاطه بحزبٍ من الأحزاب، لا ليكون مناضلاً، مدافعاً عن مبدأ وفكرة، ومؤمـــنا بالتغيير والتجديد، بل ليصير صاحبَ سلطة وصاحبَ قـــرارٍ، لا شـــيءَ يهمُّه غير ما يخدم مصالِحَه ومصالح القريبين منــــه، من الموالين والأتباع، ولهذا صـــارت الأحـــزاب مَلَكِيَةً، الانتـــقال فيها يَحْدُث بالتَّورِيث لا بالانتخاب والتصويت. أما ما أعنيه بالدِّين فهو ما نراه من تناسُل لأحزابٍ تدَّعي أنها جاءت لتحررنا من الغَفْلَة التي نحن فيها، ولتضعنا في «الطريق المستقيم» أو في «المحجَّة البيضاء»، لأنَّ السواد وظلام الكُفْر أكلَنا واستبد بنا من دون أن نعلم، وهُم وحدهم، من علموا وعرفُوا، وجاؤوا ليخرجونا مما غرقنا فيه من سَفَهٍ ومُروق.
لا يمكن للمثقف أن يكون غير ما هو: مَنْ يراقِب، يتأمَّل ويُعايِن، ويقرأ الأحداث، ويُنْصِت لنبضها. لا يتعجَّل، ولا يُطلق الكلام على عواهنه، بل إنَّه يَمْحَضُه، ويفْلِيه، ويقلبه على كل وجوهه، كما يقول القدماء، قبل أن يُدْلِي برأيه في واقعة أو حادثة، أو ما يجري من أمورٍ حوله. لهذا، حين تجري نازلة ما على الأرض، تجد أوَّل من يتكلم فيها هو السِّياسي والخبير، وتَجِد المثقف مفكراً كان، أو مؤرخاً، أو عالم اجتماع، أو أنثروبولوجيا، أو سياسة، أو اقتصاد، حتى إذا تكلَّم، فهو يتكلم بنوع من الحذر، ونسبية في الحكم، أو في ما يقترحه من رأي، ولا يُجازف في إطلاق الكلام من دون قَيْد أو شَرْط. وفي هذا ما يُفسِّر اسْتِرْسال السِّياسي في الكلام، من دون توقُّف أو تعثُّر وتَلَكُّؤٍ، وفي بُطْءِ لِسان المثقف وتعثُّره وتَلكُّؤِه، خصوصاً حين يكون في مواجهة السياسيّ أو الدَّاعية. وهو ما كان حدث في أحد برامج «قناة الجزيرة»، في مواجهةٍ بين المفكر الجزائري محمد أركون، والشيخ القرضاوى. ففي الوقت الذي كان أركون يُحلل ويبني أفكاره على معطيات تستند إلى قراءة النصوص والتواريخ، وتحليل أعطابها، كان القرضاوي يُحاجِج بما كان أركون يعتبره حُجَجاً ضعيفة، أو تحتاج إلى قراءة وتفكيك. المسافة بين الاثنيْن بَدَت بعيدة، وبدا أنَّ اللغة عند الثاني هي نوع من التكرار والإطناب والاسترسال في الكلام، في ما هي عند الثاني، نوع من البناء بالمفاهيم والمعارف، التي يجري فيها الماضي، في ضوء الحاضر، أي بأدواتٍ جديدة، لم تكن مُتاحةً، ولا معروفة من قبل.
فنحن حين نعزل المثقف ونستبعده، إنما نستبعد العقل والبرهان، ونستبعد المعرفة، ونترك السياسي والخبير والداعية، هم من يتكلمون بالكلام العام، الذي لا ضابط ولا رابط له، أو هو نوع من إطلاق الحبل على الغارب، وبالتالي، نشوش الحقائق، ونطمس الواقع، ونحرفه عن مجراه، في لسان هؤلاء، لأنَّنا لا نرغب في سماع صوت الحكمة والتَّبصُّر وبُعد النظر، وفق ما كان قاله سقراط عن الفيلسوف أو الحكيم.
٭ شاعر مغربي
صلاح بوسريف