تونس – «القدس العربي»: بعد طول انتظار أعلن رئيس الحكومة التونسية المكلف الحبيب الصيد عن تركيبة حكومته التي نعتتها قوى اليسار بأنها «يمينية» جمعت اليمينين الليبرالي والديني. وتضم هذه الحكومة حزب نداء تونس الفائز بالمركز الأول في الانتخابات التشريعية الأخيرة وحزبي الاتحاد الوطني الحر وآفاق تونس إضافة لحركة النهضة. وبخلاف الحركة الإخوانية، فإن الأحزاب الثلاثة الباقية تنتمي إلى العائلة الليبرالية الاجتماعية.
وتضم الحكومة التونسية الجديدة 26 وزيرا، كاتبا عاما للحكومة وأربعة عشر كاتب دولة، وقد نالت تزكية البرلمان الجديد وتحظى بأغلبية مريحة وصلت إلى 166 نائبا صوت بنعم مقابل 42 صوتوا ضد منحها الثقة، وهو ما سيمكنها، من العمل براحة طيلة السنوات المقبلة. ويتوقع عديد الخبراء والمحللين أن تعيش تونس مرحلة من الاستقرار السياسي ستؤمنها هذه الأغلبية المريحة داخل البرلمان والتي تؤمنها بالأساس كتلتا نداء تونس وحركة النهضة.
انقسامات داخلية
ويشهد الحزبان الكبيران في الساحة السياسية التونسية انقسامات داخلية سببها رفض شرائح هامة داخل كل حزب منهما لتحالف حزبه مع الطرف الآخر، فكثير من الندائيين ومن المصوتين لحركة نداء تونس في الانتخابات التشريعية الأخيرة، يعتبرون بأن قيادة حزبهم قد تنكرت لوعودها الانتخابية بعدم التحالف مع حركة النهضة. كما يرى عدد من هؤلاء بأن حركة النهضة بمشاركتها في الحكومة التونسية الجديدة قد ضمنت لبعض قيادييها عدم المحاسبة عن أفعال مجرمة يشتبه في أنهم ضالعون في ارتكابها أو التحريض عليها على غرار ما يسمى بـ»ملف الرش في سليانة»، كما أن هناك حديثا عن ملفات فساد يخشى أن تتم التغطية عليها خلال الفترة المقبلة نتيجة لهذا التحالف الجديد.
في المقابل فإن الرافضين من أبناء حركة النهضة وأنصارها لتحالف حركتهم مع نداء تونس ورئيسه السابق الباجي قائد السبسي، يعيبون على حركتهم الإخوانية تنكرها لأهداف الثورة من خلال مد اليد للندائيين الذين يعتبرونهم إعادة تشكيل للنظام القديم الذي يحملونه المسؤولية عن عذاباتهم طيلة تسعينيات القرن الماضي وما بعدها. لذلك يرجح البعض أن يفشل رئيس الحركة راشد الغنوشي في خلافة نفسه مجددا على رأسها خلال المؤتمر المقبل بسبب رفض تيار نهضوي واسع للتحالف الجديد الذي بدأت ملامحه تتبلور مع لقاء باريس الشهير الذي جمع السنة الماضية رئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي الذي كان يومها رئيسا لحركة نداء تونس وراشد الغنوشي رئيس الحركة النهضة وذلك في ذروة الأزمة السياسية التي عرفتها البلاد.
معارضة ضعيفة
ولعل ما يثير قلق شريحة واسعة من التونسيين أيضا، من هذا التحالف بين حركتي نداء تونس والنهضة، هو الضعف التي باتت عليه المعارضة بعد انضمام حركة النهضة إلى الحكومة. فنتيجة التصويت على الحكومة تظهر بأن نواب المعارضة لا يتعدى عددهم الـ42 نائبا، ينتمي أغلبهم إلى قوى اليسار والقوميين، القادرين دون غيرهم على الوقوف بوجه مطالب صندوق النقد الدولي التي يأتي في طليعتها رفع الدعم عن المواد الغذائية والمحروقات بالإضافة إلى مزيد من خصخصة المؤسسات العمومية التي مثلت على الدوام أحد أعمدة الاقتصاد الوطني التونسي.
فالمعارضة القوية هي القادرة على تقويم اعوجاج وانحراف السلطة السياسية الميالة باستمرار إلى الاستبداد، وهي أيضا إحد أهم أعمدة الأنظمة الديمقراطية العريقة حيث توجد معارضة قوية وحكومات ظل. وتثبت التجارب أن غياب المعارضة أو ضعفها يؤديان إلى الاستبداد، إذ لا أحد بإمكانه الآن في تونس أن يعطل تمرير مشروع قانون أو يعطل المصادقة على اتفاقية أو معاهدة دولية قد تضر بالمصلحة الوطنية العليا، وهو ما عرفته البلاد على الدوام سواء قبل الثورة أو حتى بعدها مع الحكومات التي انبثقت عن المجلس الوطني التأسيسي (حكومتان لحركة النهضة وحكومة تكنوقراط توافقية انبثقت عن الحوار الوطني).
تمثيلية ضعيفة
ويعيب البعض على هذه الحكومة أيضا ضعف تمثيل المرأة داخلها على غرار جميع «حكومات الثورة» وذلك بخلاف ما تم الترويج له خلال الفترة الماضية من أن تمثيل المرأة سيكون قويا داخلها. حيث اقتصر الأمر على ثلاث وزيرات هن سميرة مرعي وزيرة المرأة والأسرة والطفولة، لطيفة لخضر وزير الثقافة والمحافظة على التراث، وسلمى اللومي الرقيق وزيرة السياحة والصناعات التقليدية، إضافة إلى بعض كاتبات دولة.
كما لم تف هذه الحكومة بوعودها فيما يتعلق بالتمثيل الجهوي، فهناك جهات داخلية مهمشة لم يتم تمثيلها على الوجه الأكمل في هذه الحكومة وتواصل تهميشها كما كان الحال خلال العقود السابقة التي تلت استقلال البلاد. كما أن تمثيل الأحزاب داخلها لا يخضع إلى منطق، فحركة النهضة صاحبة التسعة والستين مقعدا داخل مجلس النواب لديها فقط ثلاثة ممثلين في الحكومة وهو العدد ذاته من الوزراء وكتاب الدولة الذي حاز عليه حزب آفاق تونس الذي لم يفز إلا بثمان مقاعد في البرلمان التونسي الجديد.
وزارات السيادة
ولعل ما يمكن ملاحظته أن وزارات السيادة، وباستثناء حقيبة الخارجية التي كانت من نصيب الأمين العام لحركة نداء تونس الطيب البكوش الذي رشحه البعض لرئاسة الحكومة، آلت في النهاية إلى «مستقلين»، يؤكد البعض على أنه من غير المستبعد أن تكون لهم أو لأحدهم ولاءات أو ولاء لجهة سياسية ما. فقد تمت تسمية المحامي محمد صالح بن عيسى وزيرا للعدل وأستاذ القانون العام بالجامعة التونسية فرحات الحرشاني وزيرا للدفاع الوطني والقاضي ناجم الغرسلي وزيرا للداخلية يساعده كاتب دولة مكلف بالشؤون الأمنية هو رفيق الشلي وهو أمني من أصحاب الخبرة في هذا المجال منذ الحقبة البورقيبية.
كما أن حركة نداء تونس الفائزة بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية لم تنل سوى 6 حقائب وزارية في هذه الحكومة واقتصر الأمر على وزارات التربية والصحة والسياحة والنقل والعلاقات مع مجلس النواب التي آلت إلى ناجي جلول وسعيد العايدي وسلمى اللومي الرقيق والأزهر العكرمي بالإضافة إلى حقيبة الخارجية المشار إليها والتي كانت من نصيب الطيب البكوش. وبالتالي فإن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي يبدو أنه قد وفى بما وعد به قبل الانتخابات وبعدها من أنه لن يحكم بمعية حزبه بصورة منفردة وأنه سيقوم بتشريك أطياف سياسية أخرى، لكن هذا التوجه يبدو أنه لا يروق للكثيرين من أبناء حزبه ومن ناخبي حركة نداء تونس الذين منح بعضهم صوته لهذا الحزب الفتي فقط لإقصاء حركة النهضة من الحكم فإذا بها تعود من بوابة التوافق السياسي الذي يبدو أنه حصل بالأساس بفعل الضغوط الخارجية التي تسلطت على فرقاء الحكم السابقين في تونس.
روعة قاسم