الحكومة التونسية الجديدة تنال ثقة البرلمان وسط انتقادات واسعة

حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: أدى يوسف الشاهد رئيس الحكومة التونسية الجديد وأعضاء حكومته أمس السبت اليمين في قصر قرطاج، وفق ما علم من رئاسة الجمهورية.
وتتولى الحكومة الجديدة مهامها الاثنين بعد تسليم المهام بين رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد والشاهد.
وادى الشاهد ووزراء الحكومة الـ 26 ووزراء الدولة الـ14 اليمين أمام رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي.
ونالت هذه الحكومة الجديدة غالبية مريحة في البرلمان مساء الجمعة (168 نائبا من 217).
وبين 195 نائبا حضروا التصويت أيد الحكومة 168 وعارضها 22 واحتفظ خمسة نواب بأصواتهم.
ويوسف الشاهد الذي سيبلغ عمره 41 عاما في ايلول/سبتمبر، من حزب نداء تونس الحاكم، وهو أصغر رئيس حكومة في تاريخ تونس الحديث. وبات سابع رئيس للحكومة خلال أقل من ست سنوات، ما يشير إلى ان تونس لا تزال تبحث عن توازنها رغم نجاح الانتقال الديمقراطي.
وتضم الحكومة الجديدة عددا من الشباب والنساء وعدة أحزاب ومستقلين.
ونالت حكومة يوسف الشاهد ثقة البرلمان التونسي باعتبار الدعم الذي تحظى به في الأساس من الكتلتين الأهم في مجلس نواب الشعب، أي الكتلتين اللتين تضمان نواب حركتي نداء تونس والنهضة. كما ظهر رئيسها للمتابعين لجلسة منح الثقة قادرا على الخطابة وعلى تشخيص الواقع التونسي الصعب في المجال الاقتصادي وذلك بعد التحسن الأمني اللافت الذي عرفته البلاد مع حكومة الحبيب الصيد.
إلا أن أغلب الخبراء والمحللين أجمعوا على أن الخطابة وحدها لا تكفي، وإن كانت محبذة، وأن على الشاهد أن يثبت كفاءته وجدارته من خلال العمل والنجاح وفريقه الحكومي في المهمة التي جاؤوا من أجلها. ولعل أهم الملفات التي وجب على الحكومة الجديدة أن تنجح فيها هو الملف الاقتصادي الذي أرق التونسيين بمختلف مكوناتهم وبات هم أغلبهم، هو إيجاد الشخص القادر على إخراجهم من هذا الوضع الصعب بقطع النظر عن الإنتماء السياسي أو الايديولوجي.
وعبر رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد في خطابه أمام نواب الشعب على أنه قد يضطر إلى التقليل من أعداد الموظفين في القطاع العام باعتبار أن أجور ورواتب المنتمين إلى هذا القطاع باتت تثقل كاهل الدولة بمصاريف لا طائل من ورائها. وكان القطاع العام قد شهد خلال السنوات التي تلت «الثورة» إدماجا غير مسبوق في تاريخ تونس لعدد مهول من الموظفين أغلبهم لا حاجة للدولة لخدماتهم.
وشدد خبراء الاقتصاد على أن رواتب موظفي القطاع العام التي زادت في السنوات الأخيرة هي من أسباب الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس بالإضافة إلى سببين رئيسيين آخرين. أولهما هو تدهور الوضع الأمني في السابق والذي نجحت حكومة الحبيب الصيد «المغادرة لتوها» في معالجته، وثانيهما هو العدد المهول للإضرابات في القطاعين العام والخاص الأمر الذي عطل الإنتاج وعجل بهجرة المستثمرين التونسيين والأجانب وأعاق نمو البلد وقلل من الصادرات وأثر سلبا على سعر صرف الدينار التونسي مقابل العملات الأجنبية.
ولمعالجة هذا الملف سعى الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية إلى اشراك الإتحاد العام التونسي للشغل، المسؤول الأول عن هذه الاضرابات، في اجتماعات قرطاج التي انبثقت عنها ما سميت بـ»وثيقة قرطاج». كما نال مقربون من المركزية النقابية التونسية حقائب وزارية لعل أهمهم الأمين العام السابق للاتحاد العام التونسي للشغل عبيد البريكي الذي نال حقيبة مكافحة الفساد، وبالتالي ينتظر أن يدعم النقابيون الحكومة الجديدة ويدخلون معها في شبه هدنة اجتماعية تعيد الإنتاج إلى نسقه الطبيعي خصوصا في المجالين الطاقي والمنجمي وفي مجال الصناعات الكيميائية وهي قطاعات حيوية تجلب العملة الصعبة شأنها شأن الفلاحة باعتبار وأن تونس بلد زراعي بالأساس منتج ومصدر للغذاء ويحتل المراتب الأولى عالميا في عديد المنتوجات الفلاحية.
واختلف الطيف السياسي التونسي حول هذه الحكومة، حيث اعتبرها البعض حكومة وحدة وطنية باعتبار أن كل مكونات المشهد السياسي التونسي ممثلة فيها بدون استثناء، أي الدساترة والإسلاميين واليسار والقوميين والليبراليين والنقابيين، فيما اعتبر البعض الآخر أنه لا يجوز تسميتها بحكومة وحدة وطنية باعتبار وأن مكوناتها لا تمثل بالضرورة العائلات السياسية التي تنتمي إليها. فالجبهة الشعبية (تحالف أحزاب يسارية وقومية) على سبيل المثال لا تعتبر حزب المسار الإجتماعي وأمينه العام سمير الطيب الذي نال حقيبة الفلاحة ممثلا لليسار التونسي وذلك بالرغم من أن حزب المسار يضم نخبة اليسار من الأساتذة الجامعيين والفنانين والمثقفين وغيرهم كما أنه امتداد للحزب الشيوعي التونسي وهو الحزب الذي ساهم في معركة الاستقلال مع الدساترة ممثلين بالحزب الحر الدستوري التونسي بشقيه القديم والجديد.
كما أن بعض الشخصيات الدستورية لا تعتبر حركة نداء تونس ممثلة للدساترة بالرغم من أن مؤسسها الباجي قائد السبسي دستوري وأغلب قواعدها من الدساترة. ولا يعتبرون أيضا حزب المبادرة الوطنية الدستورية الذي شارك في هذه الحكومة الجديدة ونال حقيبة الأسرة والمرأة حزبا دستوريا باعتبار وأن مؤسسه وزير الخارجية الأسبق كمال مرجان أطلق عليه تسمية حزب المبادرة مع بدايات «الثورة» ولم يضف له عبارة «الدستورية» إلا لاحقا وهو ما اعتبره البعض تنكرا للإرث الدستوري في اللحظات الصعبة.
وبالتالي فإن هذه الحكومة تبدو في ظاهرها حكومة وحدة وطنية بالنظر إلى الأحزاب الممثلة فيها لكن في الحقيقة فإن هذه الأحزاب لا تمثل إلا المنتمين إليها وليس كل العائلة السياسية المصنفة ضمنها. فحتى حركة النهضة لا تمثل كل الأحزاب الإسلامية فهناك أحزاب ذات مرجعية دينية على غرار حزب التحرير تعارض توجهات حركة النهضة.
وما يلاحظ في تركيبة الحكومة الجديدة هو الحفاظ على وزيري الداخلية والخارجية في حكومة الحبيب الصيد مع الحفاظ على وزراء آخرين لكن في حقائب أخرى على غرار سميرة مرعي وزيرة المرأة السابقة التي باتت وزيرة للصحة، وزياد العذاري أمين عام حركة النهضة الجديد الذي كان وزيرا للتشغيل فنال حقيبة أخرى. ويؤشر هذا المعطى على أن هناك رضا على الوضع الأمني في البلاد خلال الفترة الماضية وعلى أداء قوى الأمن في مجابهة خطر الإرهاب، كما أنه لا يبدو أن هناك تغييرا سيحصل في سياسة تونس الخارجية التي تقوم على جملة من الثوابت أهمها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادة الآخرين مقابل احترام السيادة التونسية وغيرها.
وبالرغم من ضمها لمنتمين لكل العائلات السياسية التونسية إلا أن هذه الحكومة لم تسلم من الإنتقادات التي طالت بعض وزرائها الذين نالوا حقائب لا تتماشى واختصاصهم الأكاديمي. كما أن العدد الكبير للوزراء وكتاب الدولة في هذه الحكومة أثار بدوره انتقادات واسعة فيما لم يتم الحديث كثيرا عن التمثيل اللافت للشباب والمرأة في هذه الحكومة.

الحكومة التونسية الجديدة تنال ثقة البرلمان وسط انتقادات واسعة

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية