بغداد ـ «القدس العربي» ـ مصطفى العبيدي: من المؤكد ان الضغوط على الحكومة العراقية خلال الأيام المقبلة ستكون شديدة للاستجابة لمجموعة تحديات أولها تشكيل حكومة متفق عليها ترضي نهم كل الأطراف، وتكون قادرة على الاستجابة لمطالب التظاهرات والاحتجاجات الشعبية، إضافة إلى قدرتها على التعامل مع مشكلة العقوبات الأمريكية على إيران.
وبالتزامن مع إعلان مفوضية الانتخابات، انتهاء العد والفرز اليدوي للأصوات دون ان يكون فيها تغييرات عن نتائج الانتخابات الأخيرة، تصاعد الحراك المحموم للقوى السياسية لترتيب أوراقها وتحالفاتها وحصتها في الحكومة المقبلة.
وحسب التوقعات سيكون التحالف الشيعي الذي لديه نحو 190مقعدا في البرلمان من أصل 329 هو الكتلة الأكبر وسيواصل قيادة السلطة للسنوات الأربع المقبلة، سواء تشكلت الكتلة بمشاركة تحالف سائرون والحكمة أو بدونهما، إلا ان الأمر الأكثر إثارة لقلق العراقيين حاليا هو امكانية نجاح مساعي المعسكر الشيعي المتشدد الذي يقوده زعيم حزب الدعوة نوري المالكي، وبدعم من إيران، في إقصاء تحالف سائرون المدعوم من التيار الصدري عن الحكومة المقبلة، والتي ستكون ضربة قاصمة للحراك الشعبي المطالب بالإصلاحات ومحاربة الفاسدين واستقلالية البلاد، وسيؤدي إلى زيادة التوتر الشعبي ويحبط الآمال في تغيير الأحوال المتدهورة في البلد.
ومن المؤكد ان العامل الأكثر تأثيرا في الأيام المقبلة في المشهد السياسي العراقي هو تداعيات فرض العقوبات الأمريكية على إيران التي ستكون حاسمة وخصوصا في تشكيلة الحكومة المقبلة، حيث يعد العراق ساحة المواجهة الأولى بين أمريكا وإيران، وستواجه الحكومة العراقية المقبلة موقفا لا تحسد عليه بين مطرقة الضغوط الأمريكية لتطبيق العقوبات على إيران، وسندان الضغوط الإيرانية الفاعلة للالتفاف على تلك العقوبات بالاستعانة بأصدقائها وحلفائها في العراق الذي يشكل أهمية بالغة لإيران.
وقد عكس تباين التصريحات وردود الأفعال إزاء العقوبات الأمريكية على إيران، التناقضات في مواقف القوى السياسية، بين إعلان رئيس الحكومة حيدر العبادي التزامه بالعقوبات الأمريكية على إيران رغم عدم القناعة، منهيا بذلك آماله بولاية ثانية، وبين اقرار رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، إن «ظروف العراق وطبيعة علاقاته مع إيران تجعل من الصعب عليه الالتزام بتنفيذ العقوبات التي تفرضها واشنطن على طهران» بينما اعتبر وزير الخارجية القيادي في حزب الدعوة ابراهيم الجعفري، ان «العراق يرفض مبدأ الحصار على أي دولة، وأنه يستحضر مواقف الجارة إيران في الوقوف جانبه في الأزمات، داعيا المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل ثني الإدارة الأمريكية عن الاستمرار بهذه العقوبات».
وفي الوقت الذي استنكرت فيه الأحزاب والميليشيات الشيعية العقوبات ضد حليفتها إيران، سربت مصادر شيعية أنباء عن وصول أعداد من الصواريخ الإيرانية إلى الميليشيات في العراق لضرب القواعد الأمريكية عند الحاجة.
وبينما ينشغل القادة السياسيين في معركة نتائج الانتخابات وتشكيل الكتلة الأكبر وحصة كل طرف في الحكومة المقبلة، تتواصل مظاهر الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاحات رغم اتخاذ الحكومة سلسلة من الإجراءات لاحتواء التظاهرات المندلعة في المحافظات الجنوبية والوسطى.
فمع تجاوز الاحتجاجات على نقص الخدمات وتفشي الفساد شهرها الأول، تواصلت التظاهرات والاعتصامات في العديد من مدن العراق، أمام مقرات الحكومات المحلية والمنافذ الحدودية وقرب بعض الحقول النفطية.
ورغم قرارات الحكومة لاحتواء التظاهرات الغاضبة، ومنها احالة رئيس الوزراء حيدر العبادي عددا من الوزراء والمسؤولين السابقين إلى هيئة النزاهة على خلفية التورط في تهم فساد، وإعلان وزارة المالية عن قرب إطلاق المبالغ المخصصة للمشاريع الخدمية في محافظات البصرة وذي قار والنجف والمثنى، إضافة إلى فتح بعض التعيينات في الوظائف الحكومة لأبناء المحافظات الغاضبة، إلا ان الاحتجاجات العارمة لم تتوقف، بل رفع المتظاهرون سقف المطالب عبر تنظيم تظاهرات واسعة في النجف ترفع شعار «ارحل» الموجهة للعبادي، للتعبير عن الغضب وعدم الرضا عن الإجراءات التي اتخذتها حكومته لتلبية مطالبهم. كما طالبوا باقالة المحافظين وكبار المسؤولين في الحكومات المحلية هناك. واستمر المحتجون في قطع الطريق المؤدي إلى حقل غرب القرنة النفطي في البصرة، مطالبين بإجراء الإصلاحات الحكومية وتوفير فرص العمل للعمال المحليين، خصوصاً في الشركات النفطية التي تعتمد بشكل كبير على العمالة الأجنبية.
وتأتي هذه التطورات في وقت دعا فيه المبعوث الأممي في العراق يان كوفيتش أمام مجلس الأمن، القادة السياسيين في العراق «للاستماع إلى صوت الشعب، وتسريع عملية تشكيل حكومة وطنية غير طائفية تشمل الجميع، تعطي الأولوية للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية» وهي الدعوة التي لا تجد صداها لدى اولئك القادة المنشغلين في خضم صراعهم على كعكة السلطة، الذي يعد الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لهم.
11TAG