هناك عملية تضليل تعرضت لها الأجهزة الأمنية، وليس خيانة كما يُشاع. عملية التضليل هذه حدث من خلالها اصطياد واستدراج للشرطة، وتم ذلك بتسريب معلومات خاطئة ومضللة عن طريق المرشدين، عن طريق وجود مجموعة مكونة من 30 إرهابياً قادماً من ليبيا على رأسها هشام عشماوى، الذي يقود عمليات التدريب ووضع الخطط، ويقيمون في معسكر في هذه المنطقة، استعداداً لتنفيذ أعمال إرهابية في القاهرة.
فمَن سرّب المعلومات يدرك جيداً أن لعاب الأمن سوف يسيل على معلومة عشماوى، الذي يعد صيداً ثميناً، وأن الأجهزة ستتحرك سريعاً للقبض عليه، فالعناصر الإرهابية أصبحت لديها خبرة في طريقة تفكير الأمن وتحركاته. والأكيد أن مَن نقل المعلومة لم يكن يعلم أنها للتضليل، على العكس كان يظن أنها صحيحة، وبدافع الحماس لتحقيق المكسب والقبض على عشماوي، قبل أن يفلت ثانية، انطلقت المأمورية». (من تصريح أحد القيادات الأمنية في وزارة الداخلية المصرية).
لم يزل الغموض يلف حادث الواحات البحرية، الذي لم يُحسم عدد ضحاياه حتى الآن. ويبدو أن حالة الغموض هذه ستظل إلى وقت ليس بقريب، أو تدخل في زمرة الحوادث الغامضة مُغيّبة الأسباب. سمة التضارب في المعلومات بعد الحادث هي المسيطرة على وزارة الداخلية المصرية، هذا التضارب ــ إضافة إلى فترة الصمت الطويل قبل إصدار بيانها الأول ــ فهل تفاجأت الداخلية والحكومة المصرية بالتبعية بالحادث؟ أم أن الأمر في اعتقادها لم يكن متوقعا بهذا الشكل؟
تأتي هنا آراء بعض رجال الداخلية السابقين في الفضائيات أو بعض أحاديث الصحف، والتي تكتفي بالإشارة إلى مصدر أمني تابع لجهة سيادية، وهو مُسمى يُفهم منه أن النظام يريد أن يتكلم.
بعد ساعات من الحادث، أصدرت الوزارة بياناً مقتضباً، ذكرت فيه أنه، تم إعداد مأمورية لمداهمة تلك العناصر وحال اقتراب القوات واستشعار تلك العناصر بها قامت بإطلاق الأعيرة النارية تجاهها حيث قامت القوات بمبادلتها إطلاق النيران، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من رجال الشرطة ومصرع عدد من هذه العناصر.
وسارعت الوزارة بعد البيان بنشر صور لعدد من العناصر الإرهابية، الذين لقوا مصرعهم في الاشتباكات. وفي اليوم التالي للحادث، أصدرت بياناً تفصيلياً حوله، أعلنت فيه حصيلة الشهداء من قوات الأمن، والذين بلغ عددهم 16، إضافة إلى مقتل 15 إرهابياً. بيان آخر للداخلية، صدر بعد الحادث بيومين، ينفي صحة ما تم تداوله من تسجيلات صوتية منسوبة لأحد الناجين من حادث الواحات، يروي فيه تفاصيل الهجوم، حيث أكدت عدم مسؤوليتها عن التسجيلات الصوتية التي تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية، مضيفة أن التسجيلات التي تم تداولها تحمل في طياتها تفاصيل غير واقعية لا تمت بصلة لحقيقة الأحداث التي شهدتها المواجهات الأمنية بطريق الواحات.
وجهة النظر هذه ينتهجها العميد خالد عكاشة، الخبير الأمني وعضو المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، الذي ينفي وجود أي وشاية حدثت في الداخلية المصرية، لكنها مجرد أخطاء وسوء تقدير للموقف، منها عدم تقدير مدى استعداد تلك الخلية وطرق تحصينها لملاذها، وأنها قد تمتلك آلية مراقبة عن بعد من موقعها، تمكنها من كشف المداهمة قبل تنفيذها بوقت كاف. ذلك كان يستوجب صدور القرار بالانسحاب، فقرار التنفيذ والإصرار عليه وضع القوة الأمنية في مأزق مركب أمام تفوق عددي واستقرار مثالي، حققته العناصر الإرهابية على المرتفعات الحاكمة لمسار التوغل في الصحراء، ليصبح حينها استخدام القذائف ونيران الرشاشات الثقيلة باتجاه القوات الأمنية لها أيضا وقع مؤثر في فداحة الخسائر. ثم نأتي لكارثة الإدارة الإعلامية للعملية، فالفجوة الزمنية التي استغرقتها وزارة الداخلية للخروج ببيان يحاول توضيح ما حدث، ولو بصفة أولية استغرقت ما يُقارب 24 ساعة!
مصدر أمني من جهة سيادية هذه المرّة هو الذي يتحدث، فيرى الأمر مجرد عدم تنسيق ــ وينفي بالطبع وجود أي خيانات أو وشايات داخل جهاز الداخلية ــ فبداية التقط جهاز الأمن الوطني المعلومة حول وجود الإرهابي هشام عشماوي، ضابط الصاعقة المفصول، في تلك المنطقة، فسارع في إطلاق المأمورية، للحصول على الصيد الثمين، وبناء على تنفيذ الأجهزة مأموريتين سابقتين في المنطقة نفسها، فقد انطلق رجال الشرطة دون التنسيق مع القوات المسلحة ومسح المنطقة ورصدها، من خلال الاستطلاع عن طريق الطائرات والأجهزة السيادية، فصدر قرار التنفيذ سريعاً دون تدقيق المعلومات والتنسيق والترتيب والاستطلاع مع الأجهزة الأخرى وعلى رأسها الجيش، وكان هناك سوء تقدير للموقف، وغاب الاستعداد الجيد لأن القرار صدر قبل العملية بساعات قليلة، لدرجة أن هناك ضباطاً شاركوا في العملية دون الوقوف على خطورة المأمورية أو معرفة المعلومات الكاملة حولها أو طبيعة الأسلحة التي قد يستخدمها الطرف الإرهابي.
وبغض النظر عن صحة التسريبات الصوتية من عدمها، أو عدم وجود وشاية من الداخل تبدو ارتباكات الخطط الأمنية هي الأكثر قبولاً للمنطق، هذه الارتباكات والخلط والتضارب توحي بأمر أكثر أهمية، وهو وجود قيادات مُفككة وهيكل إداري وتنظيمي لا يعي ما يفعله، فقط التباهي الإعلامي لا أكثر ولا أقل، إضافة إلى عدم الاعتراف بالأخطاء، وكأن الخطأ سُبّة لا تليق بجهاز الداخلية المصري.
من ناحية أخرى يكمن الخلل في التعامل مع الشعب المصري وكأنه قاصر، وتركه يلهو وخيالاته، بل ويصل الأمر إلى الإيحاء بحالة من الرعب تحيطه في كل لحظة، حالة الرعب هذه يتم التأكيد عليها دائماً، وأن التضحيات لا تمــس ضــباط وجــنود الشرطة فقط، بل والمواطنين أيضاً، وهو ما يذكرنا بعبارة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».
فالنظام لا يعترف بالرأي الآخر، ولا يرى إلا وجوده، هنا يمكن أن تكون لمفردة (الضحايا) دلالة أعم وأشمل، وفي خضم حالات انشغال المواطنين بمصائبهم اليومية، من الجري وراء تأمين يومهم من طعام وشراب وخلافه، فالجميع يشعر بالخوف، بل والرعب في ظل الانهيار الاقتصادي على أرض الواقع ــ المعادلات والأرقام التي يتغنى بها الاقتصاديون لا تسمن من جوع ــ خاصة وهو يعيش ليل نهار في منظومة من الأخطاء التي ينتهجها النظام السياسي، فالأمر لا يتوقف على خطأ داخل أروقة أجهزة الأمن ــ تمثلت نتيجته المباشرة في الحادثة الأخيرة ــ بل نظــام كــامل يتخبط، لن يجني سوى المزيد من الضحايا والتغـــني بهم، دون إدراك أنــهم النـــتيجة المنطقية لوجوده، بعيداً عن تخمينات وآراء خبراء مدربين على تلفيق الوقائع.
محمد جاد