يميل أحد أبرز السياسيين في الأردن إلى تشبيه الحكومة بانها اقرب إلى صيغة الـ «أكزوست» في ماكينة وديمغرافيا السيارة.
الحديث هنا عن جهاز العادم وعن تلك الاسطوانة المعدنية في كل سيارة التي تمتص الدخان والغاز المحترق لكي تتحرك السيارة وتقوم بوظيفتها وواجبها.
مفردة «الأكزوست» دارجة جدا في كل ورش تصليح السيارات في الأردن وغالبا ما يوجد محل مستقل وصغير وظيفته التعامل مع هذه الاسطوانة التي تعتبر اساسية عندما يتعلق الامر بالحفاظ على البيئة بدليل ان عطل عادم السيارة يتسبب لمالكها بمخالفة سير عملاقة هي الأعلى كلفة ماديا لأن المسألة هنا تغادر جزئية الطريق والشارع باتجاه مساحة أخرى بعنوان تلويث البيئة.
بكل حال نسوق هذه المقدمة الميكانيكية لكي نتحدث عن تلك النظرة المستقرة في وجدان كثيرين فيما يخص وظيفة ودور جهاز الحكومة.
لا يبدو تشبيه جهاز الحكومة بـ«اكزوست» السيارة لطيفا وقد لا يبدو منطقيا في بعض الاحيان لكن ذلك التصور وللأسف الشديد مستقر في اذهان الغالبية الساحقة من كبار السياسيين حيث ينظر هؤلاء لوظيفة الحكومة التي اصبحت هامشية وتتقلص في الواقع الموضوعي اكثر بكثير مما ينظرون لجهاز الحكومة كسلطة دستورية.
بالتأكيد فرط رؤساء وزراء متعاقبون وعدة مرات بصلاحياتهم الدستورية وبمبدأ وتطبيقات الولاية العامة حيث ان جهاز الحكومة ينبغي ان يكون سلطة تماما بحكم الدستور لكن حظها الدستوري العاثر يجعلها مسؤولة بالنص امام رأس السلطات أولا وتمثله المؤسسة الملكية، وسلطة البرلمان ثانيا..ذلك طبعا بعد الله وضمير الناس.
وبالتأكيد ايضا اعتاد وزراء، يحمي الدستور صلاحياتهم وواجباتهم، على التفريط بالمقابل اما من اجل البقاء في الوزارة او من اجل الحصول على لقب معالي او لحماية مصالح شخصية او عائلية او عشائرية او للتمتع بتلك المزايا الاجتماعية التي تنتج عن هيبة الوزارة.
تشبيه جهاز الحكومة بعادم السيارة فيه الكثير من القسوة والمبالغة لكن الناس تبحث عن تفسير احيانا لما يجري بعدما اختبأت الحكومات المتعاقبة وراء مؤسسات سيادية وبعدما نهشت مراكز قوى ونفوذ الحكومات عدة مرات وسطت على صلاحياتها ودورها وبعدما ـ وهذا الأهم ـ رضي الجميع بحسب تشكيل الحكومات على اساس محاصصة مقيتة يشعر المواطن الأردني احيانا بانها بحد ذاتها الهدف اكثر من هدف وجود حكومة حقيقية في الواقع.
ليس سرا ان بعض الشخصيات السياسية والوطنية التي دافعت عن مبدأ الولاية العامة ضد اعتداء سلطات وجهات أخرى على الحكومة تعرضت للضغط او انسحبت من المشهد أو حتى في بعض الاحيان اقيلت تحت وطأة تلك اللحظة العميقة التي تجعل دوائر القرار المركزي معنية بالاستقرار العام قبل اعتبارات الاعلاء من شأن الولاية العامة أو الحكومة.
وليس سرا ان بعض الوزراء كالعادة يقومون بعملهم ولا يعرفون متى دخلوا الوزارة أو متى يغادرون منها حتى ان بعض رؤساء الحكومات طلب وفي الاجتماع الاول لمجلس الوزراء من افراد الطاقم تقديم استقالات غير مؤرخة حتى يضمن لنفسه او لآخرين حرية ابعاد او اقصاء او تعيين اي وزير قديم أو جديد.
يتحمل الوزير الأردني أحيانا مسؤولية قرارات لم يتخذها في الواقع او سياسات لم يشارك اصلا في نقاشاتها وصياغاتها ولا يعرف أغلب الوزراء متى تضربهم العاصفة الرعدية وأين وعلى أي أساس لأن الصلاحيات متداخلة ومن يهندسون الأوراق والمبادرات والمشاريع في الظل اكثر من الوزراء المسؤولين بحكم المرجعية الدستورية في الحكومة.
الزحام شديد في منطقة حكومات وليست حكومة الظل، والزحام شديد في منطقة الاشخاص الذين يعتقدون انهم اهم من الوزراء بل يصنعونهم ويطيحون بهم وينتجون فرصهم.
والزحام أشد في منطقة النصوص التي لا يوجد لها اب واضح وفي منطقة الموظفين الذين يطرقون أو يركلون باسم البرلمان أو النظام أو التمثيل الشعبي أو الجهات القوية أبواب الوزراء والمسؤولين فيصدرون الفتاوى ويشعرون كل صاحب مقعد وزاري بأنه دونهم، وبان الحفاظ على الحد الأدنى من متطلبات وظيفته او استمرارها او استقرارها يتطلب إرضاءهم دون توفير وحدة قياس منطقية وعلمية تكشف الفارق بين ارضاء الاشخاص أو المؤسسة.
عموما الزحام هنا تحديدا وكما قال الملك الراحل رحمه الله الحسين بن طلال يعيق العمل والانتاج.
يحصل ذلك دوما في الأردن لكن الجديد ان ما يحصل هنا أصبح بحد ذاته مشكلة كبيرة لدورة الانتاج الوطني ولتوحيد القراءة والنصوص ولإثبات درس الخضوع للتعليم عند شيخ واحد.
أحد الوزراء المهمين يؤكد حصول ذلك طوال الوقت في الأردن وبان جهاز الحكومة في طبيعة تكوينه يستقبل الدخان المحترق ويتحمل مسؤولية احداث لا علاقة لهم بها، معتبرا ان ذلك جزء من تكوين الفكرة الأردنية عن الحكومة ودورها لكن الجديد تماما برأي الرجل نفسه هو ان للحكومة واركانها طوال الوقت هامشا خاصا يقنع الطاقم ويساهم في التعدد والتنوع ويضفي نكهة دستورية على تلك المسائل الحساسة المتعلقة بالواجب والمسؤولية بحيث يستفيد الجميع وطنيا من القمة إلى القاع.
مؤخرا وبوضوح شديد تلاشى هذا الهامش وبدأ يضعف مرة تلو الأخرى حتى اصبحت الحكومات ضعيفة وغير مقنعة ومستأنسة بالبيروقراطي الاجرائي فقط وبدون دور من اي نوع في الاستراتيجي والسياسي.
بمعنى آخر تعمقت الأزمة وتقلص هامش المناورة والمبادرة وقفزت مفردة «الاكزوست» للصدارة اكثر، وما نقوله باختصار هنا: صعب جدا تخيل مستقبل حقيقي للأردنيين ولمشاريعهم في الاصلاح الشامل في ظل هذه المعادلة المختلة والمساحة التي كانت مخصصة في الماضي للحكومات ينبغي ان تعود للحد الأدنى..
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين