القاهرة ـ «القدس العربي»: ازدحمت صفحات الصحف الصادرة أمس الخميس 28 أغسطس/آب بالكثير من الأخبار السياسية شديدة الأهمية مصريا وعربيا، ومع ذلك فإن غالبية الناس اتجهت للاهتمام بقضايا أخرى مثل، المعلومات الجديدة التي أعلنها الجيش وهي أن الجندي الشهيد محمد عطوة الذي تم العثور على هيكله العظمي أثناء عملية حفر القناة الجديدة، والذي استشهد أثناء حرب أكتوبر 1973 من محافظة الشرقية لا الدقهلية. وكذلك متابعة إخلاء منطقة وسط القاهرة من الباعة الجائلين ونقلهم الى مول الترجمان وسط المدينة أيضا، وما أدت إليه الحملة الأمنية من انسياب المرور وفرض سلطة الدولة، ولم تهتم الحكومة باتهامات الباعة لها بأنها استغلتهم في فض مظاهرات الإخوان وحركتي السادس من إبريل والاشتراكيون الثوريين عندما كانت ضعيفة، ولما قويت انقلبت عليهم. وبدأت الدولة في بحث الخطوة التالية بإخلاء مناطق أخرى في القاهرة والمدن الكبرى.
وأبرزت الصحف اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي وتصريحات رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب بتطوير منطقة وسط القاهرة، المسماة القاهرة الخديوية نسبة الى الخديوي إسماعيل باشا، وقال ان هناك اقتراحا بعقد مؤتمر دولي من أجلها، من دون أن يحدد أي وزير أو جهة اقترحت ذلك، لأنه يعني عدم معرفة الوزير أو الجهة بما تم من قبل هذا الموضوع وسذاجة إشراك أجانب في قضية كهذه، ذلك أن تطوير منطقة وسط القاهرة الخديوية بدأها وزير شؤون مجلس الوزراء الأسبق المستشار طلعت حماد عندما كان الدكتور كمال الجنزوري رئيسا لها وبدأت بغلق شارعي علوي والشريفين أمام السيارات، حيث يقع مقر البورصة، ومقر الإذاعة القديم الذي تحول الى مقر لوكالة أنباء الشرق الأوسط، بعد انتقال التلفزيون والإذاعة لمبنى ماسبيرو، ثم انتقال الوكالة الى مبنى جديد لها في شارع هدى شعراوي القريب. كما أن وزارة الثقافة وقتها ووزيرها فاروق حسني قامت بواسطة صندوق التنمية الثقافية برئاسة زميلنا وصديقنا سمير غريب بمجهودات كبيرة في حماية المنطقة وغيرها، خاصة أنه حدثت محاولة لشراء عقارات المنطقة وهدمها، أي أن الحكومة عليها تنفيذ ما كان موجودا ومطلوبا.
ونشرت الصحف تواصل الاهتمام باستمرار التحسن في الكهرباء، والبيان الذي ألقاه صديقنا العزيز المتحدث باسم وزارة الداخلية اللواء هاني عبد اللطيف عن جهود أمن الدولة والأمن العام في ضبط معظم أعضاء كتيبة حلوان والقبض على خلية في محافظتي دمياط والدقهلية لداعش، بايع أفرادها أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي.
كما بدأت الدولة عمليا في تحصيل مستحقاتها من رجال الأعمال الذين خالفوا شروط التعاقد معها، وحولوا مساحات الأراضي المخصصة للزراعة الى منتجعات ومبان، وكذلك فرض غرامات على الذين قاموا بالبناء على الأراضي الزراعية من دون موافقات، وهي الغرامات التي أكد البعض أنها لن تقل عن ستمئة مليار جنيه ورفعها آخرون الى تريلون جنيه.
وأرسل النائب العام المستشار هشام بركات الى وزير الزراعة البلاغ المقدم ضد جمعية أحمد عرابي باستيلائها على مساحات زائدة عن التي تم تحديدها لها، وكذلك البناء على مساحات كبيرة بدلا من زراعتها.
وقد أخبرنا أمس في «المصري اليوم» زميلنا الرسام الكبير مخلوف عن معاناة المساكين من لصوص المال العام وقال، انه شاهد اثنين منهم يحمل كل واحد كيسا هائلا مملوءا بالدولارات وقال الأول وهو مرهق:
– أكل العيش مر فرد الثاني آه أوي.
أما الأخبار السياسية فرغم أهميتها الكبيرة الا انها لم تحظ باهتمام جماهيري كبير، مثل تراجع المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية عن اتهامها لمصر والإمارات بشن الغارات الجوية على مطار طرابلس في ليبيا، ولقاء رئيس الأركان الفريق محمود حجازي مع رئيس أركان الجيش الليبي اللواء عبد الرازق الناظوري، والإعلان عن قيام مصر بتدريب القوات الليبية. ولم يحظ الاجتماع الذي تم في قطر بين أميرها ووفد سعودي رفيع جدا ضم وزير الخارجية والداخلية ورئيس المخابرات باهتمام الصحف، رغم أن القلق بدا واضحا على الإخوان مما يعتبرونه تحولا في الموقف القطري.
والى شيء من أشياء عديدة لدينا…
الأسطى الكبير بتاع الكهربا: «معرفش المشكلة تتحل إمتى»!
ونبدأ بالظرفاء ومعاركهم، وبدأها زميلنا كاتب «صوت الأمة» الساخر محمد الرفاعي، الذي يبدو أنه يعاني من مشكلة انقطاع الكهرباء، لذلك صب جام غضبه على الحكومة بقوله:»اذا استمرت تلكم المهزلة المسخرة بهذا الشكل غير الآدمي فسوف يسحب هذا الصراخ من رصيد السيسي بلا جدال. انقطاع التيار الكهربائي طال لمدد قد تصل الى ثماني ساعات في اليوم، بينما تخرج علينا وزارة الكهرباء والذرة المشوي تطالب المواطنين بالتعاون معها وترشيد الاستهلاك. ومالها لمبة الجاز اللي اتربى عليها العقاد وطه حسين العباقرة، ولا هو يعني شعب أقرع ونزهي، مع أن بهوات الوزارة قاعدين في مكاتب مكيفة بيلفوا بعض ويلعبوا «حادي بادي» عشان يعرفوا مين اللي عليه الدور يتنيل ويقعد في الظلمة. خرج علينا الأسطى الكبير قوي بتاع الكهربا وقالك بصراحة، أنا معرفش المشكلة تتحل إمتى! ينهارك أسود ومنيل أمال قاعد تعمل إيه لا مؤاخذة طب كنت خلي الولية سلوكه العمشة تشوفلك الفنجان أو حد من بتوع الكف يشوفلك هاتنور إمتى، ولا طريقك مسدود يا ولدي على رأي عبد الحليم، أو اسأل الست فايزة بتاعة يا امه القمر على الباب نور قناديله القمر ده فين وهاته ينور لك كام قنديل على باب الوزارة. ولما سعادتك وأنت كبير الكهربائية في بر مصر مش عارف لا مؤاخذة المشكلة المتنيلة دي هاتتحل إمتى ولا بتصد ولا بترد ما تخليك جدع وتمشي».
حجاج كعبة تونس!
وبعده في أخبار الاثنين انتقل بنا زميلنا أحمد جلال الى تونس الخضراء قائلا:»جمعية تونسية قامت ببناء كعبة على شكل الكعبة المشرفة نفسها، كما قامت الجمعية بتجهيز طريق وكتبت عليه الصفا، وطريق آخر كتبت عليه المروة، وأعلن المسؤولون أنهم فعلوا ذلك لتدريب الحجاج التونسيين على أداء المناسك. الغريب أن التوانسة يلبسون ملابس الإحرام ويطوفون حول الكعبة. الأونطة في خشوع ويرفعون أياديهم بالدعاء ودموعهم على خدودهم، وللأسف ما قامت به هذه الجمعية بدعة وجزء من الحرب على الإسلام، لابد من التصدي لها ومحاربتها قبل أن نشاهد كعبة في كل دولة وكل واحد يحج على مزاجه حجاج آخر زمن».
ولكن ما نسيه جلال أنه في مصر منذ أكثر من عشر سنوات كانت هناك دعوات متشابهة لتدريب الذين يحجون لأول مرة على أداء المناسك.
لمبات جديدة موفرة للظلمة
وثالث الظرفاء من «الأخبار» أيضا وهو زميلنا عبد القادر محمد علي لقوله يوم الثلاثاء في بروازه ـ صباح النعناع:»علمت أن وزارة الكهرباء بصدد اعتماد خطة لإقامة مصنع يعمل بالبالوظة بدلا من الطاقة الكهربائية، لإنتاج لمبات موفرة للضلمة، وذلك لترشيد الاستهلاك تحسبا لزيادة الأحمال على محطات إنتاج الضلمة، بعد التوسع في الاعتماد عليها كبديل للنور بتاع زمان. وعن مواصفات اللمبة الجديدة يقال إنها توفر للمشترك مستويين من التضليم حسب الطلب تدوس بصبعك على يمينها تبخ ضلمة بس وتدوس على شمالها تبخ ضلمة كحل».
مذيعات بالمايوه من مارينا
أما رابع الظرفاء فهو زميلنا في «الجمهورية» الناقد الفني سمير الجمل وقوله يوم الثلاثاء ايضا في بروازه اليومي ـ أكشن:»لاحظوا أن قارئات نشرة الأخبار في بعض القنوات الخاصة المصرية يظهرن مكشوفات الأذرع والصدور وبعضهن غير مصريات، وابشروا قريبا نرى نشرة الأخبار بالمايوه من مارينا».
وزير للزبالة بصلاحيات مطلقة
وخامس وآخر الظرفاء اليوم سيكون زميلنا وصديقنا في مجلة «روز اليوسف» عاصم حنفي الذي قدم يوم الأربعاء في «المصري اليوم» اقتراحا معقولا لعلاج فشل الحكومة في حل أزمة الزبالة وهو:»نحن نحتاج لوزير متفرغ للتعامل مع مشكلة الزبالة، نعطيه مهلة محددة بصلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان أيضا، ليتولى حل المشكلة حلا جذريا، وأقطع ذراعي أنه سوف ينجح بامتياز، لأنه سوف يتعامل مع أرض الواقع سوف يعسكر في الشارع حتى تنتهي الأزمة المخجلة وأتصور أنه سيأمر بتعيين كام ألف زبال على ورديات ثلاث، وسوف يسلمهم مقشات ومقاطف، وسوف يعين لهم ملاحظين كأيام زمان يمرون بالدراجة على الكناسين يراقبون ويعاقبون. وأقول ان عودة زبال البيوت هي البداية ندفع له من جيوبنا عن طيب خاطر، بدلا من تلك الإتاوة ندفعها شهريا لشركات الكهرباء، التي توردها لأصحاب شركات النظافة المحظوظين، النظافة من الإيمان ونظافة المدن المصرية واجب مقدس».
أيام مبارك أُسند تنظيف مصر لشركات أجنبية
هذا ما اقترحه عاصم وذكرنا بالذي كان يا ما كان في عام 2000 عندما كان الدكتور عاطف عبيد رئيسا للوزارة وهو محبوس الآن، وحضر توقيع أول عقد بين شركة نظافة أجنبية فرنسية، ومحافظ الإسكندرية وقتها عبد السلام محجوب، بمبلغ سنوي أكثر من سبعين مليون جنيه، وألقى كلمة قال فيها: إن هذا العقد يتفق مع الإسلام لأن النظافة من الإيمان. وبعدها بدأت واحدة من أكبر المهازل أيام مبارك، وهي إسناد جمع الزبالة لشركات أجنبية وخاصة، وتم ترك الأمر للمحافظين. وقامت محافظات القليوبية والجيزة ومناطق في القاهرة بالتعاقدات ووصلت قيمتها السنوية مع شركات برتغالية واسبانية وإيطالية الى أكثر من تسعمئة مليون جنيه، بينما رفض محافظون آخرون واعتبروها إهانة وطنية، وكان أبرزهم عادل لبيب وزير التنمية المحلية الحالي وكان محافظا لأفقر محافظات الصعيد وهي قنا، وأسند العملية الى المحافظة وفرض رسما على كل شقة ثلاثة جنيهات وحول قنا الى مدينة نظيفة أكثر من القاهرة .
مبارك قتل الروح والأمل في المواطن
والى المعارك والردود المتنوعة ونبدأها من «المصري اليوم» أيضا يوم الثلاثاء حيث شن الأستاذ بكلية الطب الدكتور محمد أبو الغار رئيس الحزب المصري الاجتماعي هجوما ضد من يدافعون عن نظام مبارك وقال معددا مصائبه وبلاويه:»ظهرت أصوات كثيرة حديثا تدافع عنه، وتعتبر 25 يناير/كانون الثاني مؤامرة، وأصبح من واجبي أن أذكر المصريين بما فعله مبارك بشعبه خلال ثلاثين عاما..
أولا: مبارك قتل الروح والأمل في المواطن الذي شاهد رئيسا بطيء الحركة والتفكير لمدة ثلاثين عاما.
ثانيا: قام مبارك بتأسيس دولة عظمى من الفساد السياسي بحيث كانت عائلته ممثلة في زوجته ونجله جمال تلعب دورا أساسيا في السياسة المصرية، وكونت شبكة أعوان وصبيانا وخادمين عملوا في كل المجالات السياسية، بدءا من منصب الوزير والمحافظ وأعضاء مجلس الشعب، وبواسطة مجموعة من السياسيين الفاسدين الذين سيطروا على الحزب الوطني، أصبحت مصر فعلا عزبة في يد عصابة من المافيا، وامتد هذا الى مجموعة من الإعلاميين الذين ساندوا مبارك وباعوا مصر.
ثالثا: الفساد الاقتصادي شارك الرئيس وعائلته في صنع شبكة فساد قومية هائلة، تم فيها احتكار بعض الصناعات وبعض السلع الإستراتيجية، وتم توزيع مئات الآلاف من الأفدنة من أراضي الدولة خلقت بليونيرات جددا وصعبت المنافسة على رجال الصناعة والزراعة والتجارة الشرفاء، فإما أن تنضم الى شبكة الفساد أو تختفي تماما.
رابعا:غياب الرؤية الإستراتيجية في مستقبل التعليم والصحة وقضايا مثل الدعم كان يجب اتخاذ قرارات فيها من عشرين عاما، وباع الطاقة بأبخس الأثمان الى الخارج.
خامسا: كسل مبارك أدى الى أن فقدت مصر دورها الإستراتيجي في أفريقيا وفي المنطقة العربية وأصبحنا تابعا لا يساوي شيئا.
سادسا: لعب مبارك دورا أساسيا في إعطاء الإخوان وضعا متميزا وشعبية في الشارع المصري، كسلاح يخيف به الجميع في الداخل والخارج».
صاحب فكرة مشروع محور
قناة السويس رئيس وزراء أسبق
لكن زميلنا وصديقنا كرم جبر رئيس مجلس إدارة مؤسسة روز اليوسف في عهد مبارك كان لأبو الغار وغيره بالمرصاد، لذلك قال في اليوم التالي الأربعاء في «اليوم السابع» دفاعا عن مبارك ونظامه:»آخر شهادة لرئيس الوزراء الأسبق الدكتور علي لطفي أنه ، وأن مبارك أصابه الفزع عندما عرضه عليه، وقال له انت عايز إرهابيين يضربوا سفينة في القناة ويضيعوا علينا المليارات؟ فقال له لطفي: اللي يخاف ما يحكمش، وأنا مغمض عينيا أقول ان هذا الكلام لم يحدث وأنه من قبيل الشجاعة بأثر رجعي وأن هذه الأيام تشهد سيولة هائلة في الادعاءات.
وعلي لطفي أول من يعلم أن مبارك لن يرد ولن يدافع عن نفسه ولن يتكلم وكان من مروءة الشهامة أن يتركه في حاله ولا يحقق فوزا على ضعفه وهوانه. والسؤال: هل كان علي لطفي يجرؤ أن يقول لمبارك وهو في قمة قوته ونفوذه اللي يخاف ما يحكمش. اعتقادي الشخصي لا تشغلوا أنفسكم بمبارك ولا تجعلوه عنوانا دائما في وسائل الإعلام، فقد شاء القدر أن يرد له جزءا من اعتباره وهو حي، وأن يكتشف الناس بأنفسهم أنه لم يكن شيطانا كما صوروه، وإنما بشر يخطئ ويصيب وينجح ويفشل وأنه حافظ على سلامة مصر طوال سنوات حكمه ولم يعرضها لمغامرات عنترية.
وكان مظهره وهو في القفص شديد الدلالة على رجل دولة يحترم سلطات بلاده وقوانينها، ولم يقل لقاضيه أنت مين يا عم، ولم يدر له ظهره أو يتفوه بنقائض الكلام ومصيره الآن في يد قضاء مصر العادل، وسواء كان الحكم بالبراءة أو الإدانة فاتركوه يعيش أيامه الأخيرة في سلام.
أعلم أن هذا الكلام سوف يغضب كثيرين وسوف تبدأ محاكم التفتيش في توزيع الشتائم والاتهامات، لأن القوى والتيارات السياسية المحبطة تريد الحرائق مشتعلة والمشانق منصوبة وميدان التحرير كامل العدد».
الشيخ الشعراوي يحتج على السادات
وفي الحقيقة أنا لم أشاهد أو أسمع ما قاله الدكتور علي لطفي، ولكني أجزم أيضا أنه يستحيل أن يقول أحد المسؤولين لرئيس الجمهورية مثل هذا الكلام، حتى لو كنا في أمريكا لا في مصر، هذا أمر مؤسف ولا يجوز بل وعيب أن ينقلب الناس بعضهم على بعض بمثل هذه الطريقة بعد ضياع السلطة والنفوذ. وبمناسبة وقائع الوزراء مع الرؤساء فقد أتحفنا زميلنا في «الأخبار» رئيس تحرير مجلة «آخر ساعة» السابق إبراهيم قاعود في مقال له في «اللواء الإسلامي» أمس الخميس بواقعة أخرى غير حقيقية عن المرحوم الداعية الشيخ محمد متولي الشعراوي قال بالنص:»أما مواقف الشيخ الجليل فكان من أبرزها اعتراضه على قانون الأحوال الشخصية أيام السادات لمخالفته للشريعة، وهدد بالاستقالة فتراجع السادات، لكن تم تمرير القانون بعد خروجه من الوزارة، واحتج على السادات وهجومه على الشيخ المحلاوي بعد اعتقاله».
قانون الأحوال الشخصية ورأي الأزهر فيه
ومرة أخرى هذا التلاعب بالوقائع التاريخية الثابتة والمعلنة والمنشورة في وسائل الإعلام في حينها، هو أمر مؤسف ولا يجوز ذلك، تعديلات قانون الأحوال الشخصية أيام السادات شارك في اعداده أساسا كل من المرحومين الدكتور الشيخ خفيف الظل والإخواني السابق عبد المنعم النمر، عندما كان رئيسا للجنة الشؤون الدينية في مجلس الشعب، والدكتور الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، وكان في منصب المفتي وسمي القانون قانون جيهان نسبة الى السيدة جيهان حرم الرئيس السادات، والذي عارضه بعنف كان المرحوم الدكتور النمر تحدى السادات علنا بقوله: «هذا القانون لن يمر إلا على جثتي». وقام طلبة الأزهر بمظاهرة أمام مجلس الشعب هتفوا فيها ضد القانون وهاجموا الإذاعية الكبيرة المرحومة صفية المهندس، وهتفوا ضدها باعتبارها مؤيدة للمشروع وصديقة جيهان السادات، ثم تذكر أحد الطلاب أنها شقيقة الفنان الكوميدي فؤاد المهندس فهتفوا ضده أيضا، وتم حفظ المشروع. وبعد وفاة الشيخ عبد الحليم محمود الذي كان يدرس لنا مادة التصوف في السنة الأولى بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية عام 1969، وكان وكيلا للأزهر وقتها. بعد وفاته سارع السادات بإصدار القانون بمرسوم منه بحجة ان مجلس الشعب في إجازة وتم تعيين المفتي الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخا للأزهر.
وبعد اغتيال السادات تم الحكم بعدم دستورية القانون، لأنه لم يكن هناك مبرر لإصداره بمرسوم بقانون في غيبة المجلس، وأعاد الرئيس الأسبق مبارك عرضه على المجلس الجديد وتمت الموافقة عليه. هذه قضية قانون الأحوال الشخصية فأين دور الشيخ الشعراوي فيه؟ أما الواقعة الخاصة بالشيخ الشعراوي عندما كان وزيرا للأوقاف ومجلس الشعب فهي كلمته التي رفع فيها السادات الى مرتبة الله بقوله نصا:
– لو كان الأمر بيدي لرفعت هذا الرجل الى مرتبة ألا يسأل عما يفعل.
والكلام مسجل لأنه مذاع مباشرة عبر التلفزيون والإذاعة، وكذلك المعركة التي اندلعت بين الشعراوي وبين عضو المجلس عن حزب الوفد المرحوم الشيخ عاشور محمد نصر الذي هاجم الشعراوي قائلا:
– الذي لا يسأل عما يفعل هو الله الذي يخاطب نفسه بينما سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يسأل لقوله تعالى «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون»
اييه .. اييه .. ذكريات ورحم الله الجميع .
من سلبيات الأزهر تدريس التراث من دون تنقيحه
وأخيرا الى المعارك التي لا تزال متواصلة حول كتاب صحيح البخاري وبعض ما فيه من أحاديث تسببت في تلك المعارك، حيث نشرت جريدة «عقيدتي» الدينية التي تصدر كل ثلاثاء عن مؤسسة دار التحرير القومية التي تصدر «الجمهورية» و»المساء» تحقيقا أعده زميلنا حسام وهب الله جاء فيه:»يقول الدكتور محمد الدسوقي أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة:» بلا شك فإن من أهم السلبيات الموجود في المعاهد الأزهرية هو تدريس كتب التراث القديم، من دون تنقيح أو إعادة صياغتها وعرضها بما يتناسب مع الفكر العصري. وتطوير التعليم الأزهري لابد أن يرتكز في المقام الأول على نهج الامام محمد عبده من حيث أهمية التربية ومتابعة العلوم الجديدة.
إن قضية تنقية كتب التراث تحتاج لمعالجة موضوعية جادة وواعية تدرك أن التراث فكر إنساني يعبر عن مفاهيم علماء الكتاب والسنة، وأن هذا الفكر بشري لا يخلو من بعض الهفوات أو الاجتهادات التي يمكن الرد عليها. لكن هذا لا يعني أن تراثنا مليء بالأفكار الفاسدة، فنحن ننفرد بأن تراثنا صدى لعقيدتنا، وأن بعض الذين يتخذون من الروايات الضعيفة أو المدسوسة عمدا في تراثنا، نيتهم فاسدة ولديهم أهداف خاصة حول الطعن في كل التراث الإسلامي ودوره الحضاري، كي لا يعترفوا بإسهاماته في بناء الحضارة الإنسانية، على الرغم من أن الإسلام في الأندلس وغيرها ساعد الغرب على التقدم والخروج من عصر الظلام، عندما تم نقل الفكر والنتاج العلمي لعلماء الإسلام وترجموا كتب التراث. وفي مرحلة تالية درسوا هذا التراث جيدا بهدف التعرف على الشخصية العربية الإسلامية».
تنقية كتب التراث الديني من الشوائب أمر مطلوب
ويري د. محمد أبو ليلة الأستاذ بجامعة الأزهر تنقية كتب التراث الديني من الشوائب أمر مطلوب فمنذ عهد الخلفاء الراشدين كان الصحابة لا يأخذون إلا من أهل العدل والثقات، ويتركون أهل الفسق والبدع، فلا ينقلون عنهم بل ويحذرون منهم وعلى هذا الأساس لابد أن يستمر العلماء ليخرجوا للناس الصحيح من خلال منهج واضح منضبط لقطع الطريق على المشككين، ومن يطلقون الشبهات والافتراءات ضد الإسلام، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك فئة تحاول استغلال هذا المنهج للتخلي عن بعض المسلمات الدينية، بزعم أن هذا هو سبيل العدم وهدفهم محاولة اقتلاع الهوية الإسلامية والاستعاضة عنها بالهويات الغربية».
الكتابة عن الصحابة تحتاج الأمانة في النقل
كما نشرت الجريدة مقالا للدكتور الشيخ محمد زكي الأمين العام للجنة العليا للدعوة في الأزهر قال فيه:»هناك شرذمة من الأقزام تطاولوا على أصول الدين ومبادئه ونالوا من كل ما هو مقدس في الإسلام، وعدوا ذلك تحضرا ومدنية، وظنوا أن التهجم على ما لم يحيطوا بعلمه ولم يعلموا قيمته وقدره ونسوا أن هناك رجالا قيضهم الله لنصرة دينه. وقام هؤلاء بتحريف وتشويه صور ومكانة الصحابة وعدالتهم رضي الله عنهم، ثم الطعن في صحيح البخاري رحمه الله تعالى، تلك الثلة من أصحاب الجنوح الفكري التي رفعت الآن على الأعناق، بل علمت أن أقصر طريق للوصول الى الشهرة الكاذبة هو النيل من ثوابت وأصول الإسلام. هم في الحقيقة كالطبل الأجوف فيتهجم الجهال على ثوابت ديننا وينتقصون من البخاري ويذكرون الصحابة بسوئهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. والكتابة عن الصحابة الأطهار تحتاج الى صفاء في الحقيقة وأمانة في النقل وإخلاص في النية ودقة في الفهم فكيف بمن كان زائف العقيدة مريض القلب مجوف الفكر.
بدأ هؤلاء بإعلان الحرب على الصحابة ونسوا أن الطعن في الصحابة زندقة. يقول الحافظ أبو زرعة «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب النبي فأعلم أنه زنديق، لأن الرسول والقرآن حق وما جاء به النبي من عند الله حق، والذي نقل إلينا كل ذلك هم الصحابة وهؤلاء يريدون أن يجرحوا الصحابة ليبطلوا القرآن والسنة».
المهاجرون العرب نقلوا خلافاتهم
ومشاكلهم إلى دول المهجر
أحياناً عندما تبتعد عن الصورة.. تراها أكثر وضوحاً.. هذا ما يبدأ به الكاتب حسام فتحي مقاله في «المصريون» ويستكمل قائلا:»أضطر للسفر إلى كندا كل بضعة أشهر، وأبقى في عاصمتها الاقتصادية وأكبر مدنها «تورونتو» لعدة أيام.. وغالباً ما أقتطع سويعات للقاء بعض الأصدقاء من الجاليات العربية المهاجرة الى هذه البلاد الواعدة، الذين قرروا تحمل أجوائها القاسية 40ْ تحت الصفر في شتاء يمتد أحياناً إلى مشارف إبريل/نيسان، بحثاً عن فرصة تعليم وحياة أفضل لأبنائهم. وجاءت الزيارة الأخيرة قبل أيام قليلة لتمنحني فرصة التعرف على ثلاث نقاط مهمة -1 معالجة الإعلام الغربي للعدوان الصهيوني الغاشم على أهلنا في غزة، وانعدام أي تأثير لإعلام عربي «محترف» وجاد. -2 رؤية المتلقين للرسالة الإعلامية في هذه المنطقة من العالم البعيدة عنا جغرافياً، والاستماع إليهم. -3 القناعات والرؤى التي تحكم علاقات «العرب» في المهجر، خصوصاً الجيل الذي نشأ في المنطقة العربية، ثم هاجر إلى بلاد المهجر، وهو يختلف غالبا عن الجيل الثاني المولود هناك والذي تأثر بطرق التفكير والمنطق الغربي، وإن لم ينس جذوره وأصوله. في النقطة الاولى للاسف لم تكن الرسالة الإعلامية تصل الى الغرب بوضوح، فواقع الأمر أن الغربيين الذين يهتمون بالشؤون الخارجية ـ وهم قلة ـ يستقون معلوماتهم من القنوات الاخبارية العالمية، وهذه كان انحيازها واضحا للجانب الصهيوني… ب ـ إبراز الفظائع التي تُرتكب في العراق وسورية، ويقوم بها مسلمون وضحاياها مسلمون، طبعا مع اخفاء مشاهد قطع الرؤوس، رغم الحديث طوال الوقت عنها! وبالتالي كانت قناعات المواطنين الغربيين ورؤاهم لما يحدث ان «الدولة العبرية» تدافع عن نفسها وعن «الديمقراطية» ضد متوحشين مسلمين دمويين.. لو تمكنوا من اليهود لقطعوا رؤوسهم ومثلوا بجثثهم، ولم لا وهم يفعلون ذلك مع أشقائهم. أما قناعات وعلاقات العرب والمسلمين في المهجر، فكانت مخيبة للآمال في الأغلب الأعم، ولا تبشر باقتراب نجاحهم في تشكيل أي ضغط على حكومات الدول التي أصبحوا مواطنين فيها، وحملوا جنسياتها ومعها كافة حقوق المواطنة، أو على الأقل تشكيل «لوبي» ضاغط يوضح وجهة نظرهم في القضايا الأساسية. للأسف نقل أغلب المهاجرين العرب خلافاتهم ومشاكلهم وكراهيتهم وتعصبهم إلى دول المهجر، ما منعهم من تشكيل أدوات ضغط تساند قضاياهم، رغم كثرتهم العددية فإن تشرذمهم أضعفهم، فتجد التكتلات منحصرة في أصحاب الجنسية الواحدة لا يفكرون في التداخل والتمازج مع الجنسيات العربية والإسلامية الأخرى لتشكيل جماعات نفع عام تضمن لهم صوتاً مسموعاً حتى لضمان حقوقهم هم في الدولة المضيفة!.. أعتقد أن الأمر يحتاج إلى تفكير مختلف من الأزهر ومن جامعة الدول العربية، وقنواتها الإعلامية والثقافية، حتى يصل «الإعلام» العربي أولاً إلى المواطنين الغربيين أنفسهم لتوضيح حقائق النزاع العربي الإسرائيلي، وهو أمر «صعب» في ظل مواجهة الآلة الإعلامية الصهيونية الجبارة، وبالتالي لا يمكن أن يتصدى له الإعلام المستقل، بل يحتاج إلى ميزانيات ضخمة، وصبر واحتراف. وثانياً للعمل على توعية أبناء الجاليات العربية والإسلامية في الخارج لأهمية وضرورة السعي إلى إزالة الخلافات والصراعات بينهم، ومحاولة إنشاء جماعات ضغط «عربية» في دول المهجر تمثل الحد الأدنى من الأرضيات المشتركة وتوصل أصواتهم وطلباتهم، وتحمي مصالحهم، وتشكل «لوبي» يضمن لهم حقوقهم، وأيضاً على السفارات العربية والإسلامية في دول المهجر، خاصة استراليا وكندا والولايات المتحدة، وبعض الدول الأوروبية الجاذبة للهجرة أن تتوافق على بذل جهد موحد يوجه للعرب وللمسلمين عموماً ويعمل على توحيدهم لتشكيل جماعة ضغط «يُعمل حسابها».. وربما.. ربما نجح العرب في المهجر، فيما فشل فيه العرب في الدول العربية».
حسنين كروم