الحكومة لا تكف عن سلوكها التقليدي في إهدار المال العام… والمواطن مطالب بشد الحزام والتضحية من أجل الوطن

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: بحلول ذكرى جديدة لفض اعتصام رابعة الذي أزهقت خلاله أرواح الكثيرين، تتواصل المعارك بين النظام وكتابه وبين الخصوم الذين لازالوا يطمحون إلى عودة الرئيس المعزول محمد مرسي لسدة الحكم من جديد.
غير أن اللافت في الصحف المصرية الصادرة أمس الخميس 18 أغسطس/آب ذلك الضمير الذي استيقظ فجأة، كما يشير المتعاطفون مع الجماعة، بين القوى الوطنية التي قررت فجأة أن تقدم الاعتذار للجماعة وأنصارها، فيما أطلق أعداء الإسلاميين حملات هجوم ضارية على مكتب الإرشاد ورموز الإخوان في هذه المناسبة التي مرت بهدوء من دون أي حراك في الشارع. ومن الملاحظ على الصحف المصرية الصادرة أمس الخميس تجدد المعارك ضد الحكومة بسبب فشلها الذريع في السيطرة على أسعار السلع كافة، وقيامها برفع أسعار الكهرباء والعديد من الخدمات الأخرى، بينما نال الرئيس السيسي المزيد من الإشادة من قبل أنصاره، وهذا ما سنتعرف عليه من خلال قراءتنا لهذه الصحف وإلى التفاصيل:

يعتذرون في الوقت الضائع

مع الذكرى الثالثة أصدرت حركة شباب 6 إبريل «جبهة أحمد ماهر» بياناً قالت فيه: «إنها نادمة على عدم التحرك لحماية المعتصمين مما قامت به قوات الشرطة والجيش في فض الاعتصام بالقوة. واعتذرت الحركة في تدوينة مطولة عبر صفحتها الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي عما سمته «الوقوف مكتوفي الأيدي» في ذكرى فض اعتصامي رابعة والنهضة قائلة: «ثلاثة أعوام، وما زال الحق غائبا، وما زال العدل أخرس، وما زالت الدماء تلطخ الجدران وبقايا الضمائر، ثلاثة أعوام وما زال القاتل حرا طليقا». وأضافت الحركة: «ثلاثة أعوام، وستظل لعنة الدماء تطارد كل من شارك وأيد وبرر وهلل وفوّض، رغم الاختلاف، لم نشارك في التفويض ووقفنا ضده بكل قوتنا، لم نكن مع إراقة الدماء وانتهاك الكرامة والحريات والإنسانية، ولكن عذرًا إن أخطأنا، عذرًا إن كنا وقفنا مكتوفي الأيدي ولم نستطع فعل شيء آخر يحول دون وقوع هذا الجرم، عذرًا يا كل شهيد وكل معتقل وكل أسرة فقدت ذويها، حقكم سيأتي عاجلًا أم آجلًا، وإن غدًا لناظره قريب». فيما قال شباب 6 إبريل «الجبهة الديمقراطية»، إن فض رابعة مجزرة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، مؤكدًا على أنها سابقة لم تحدث في تاريخ مصر الحديث، وأشارت الحركة إلى أن الموقف الغريب والمستنكر هو طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي، حينما كان وزيرًا للدفاع في ذلك الوقت، من المواطنين المصريين بالنزول إلى الميادين لتفويضه لمحاربة الإرهاب قائلة: «نزول الشعب للرقص كالسكارى على أشلاء الوطن»، على حد وصف الحركة. واتهمت حركة «الاشتراكيون الثوريون» كل من شارك في القرار والقتل والتنكيل، وفي التشجيع والتحريض والتبرير، وأن كل من شارك من الحكومة وبرأ مجرما في القضاء وحكم على بريء من قضائنا الفاسد على حد وصفهم قائلين: «لكل هؤلاء جرائمكم لن تسقط بالتقادم، لن نترككم تمروا على أجساد شهدائنا». وأضافت الحركة في بيان لها «أن مذبحة رابعة العدوية والنهضة، تعد من أكبر وأبشع المذابح التي عرفها التاريخ المصري الحديث، بما في ذلك فترات الاحتلال والاستعمار».

لم يكن هناك بديل آخر

لاتزال أحداث مذبحة رابعة حية في قلوب الكثيرين وها هو مكرم محمد أحمد في «الأهرام» يحيي من قام بإنهاء الاعتصام: «لا اشك لحظة في أن قرار فض اعتصام جماعة الإخوان المسلمين المسلح في رابعة والنهضة كان واحدا من أهم القرارات
الشجاعة التي أعادت للدولة المصرية اعتبارها، وجسدت خيارها السياسي الواضح برفض سلطة جماعة الإخوان وسطوتها، ومكنت الشرعية الدستورية من أن تستنهض ذاتها وتقف على أقدامها انحيازا للدولة القانونية المدنية ضد شعارات الجماعة وخططها. وربما لهذه الأسباب لقي القرار إجماعا وطنيا شاملا لم يخرج عنه سوى البرادعي الذي أبدى موافقته على فض الاعتصام بالقوة، ثم عاد ليتنصل من مسؤولية تطبيق القرار، لكن القرار كان موضع ترحيب كل المصريين يتعجلون صدوره وتنفيذه.. وما يعرفه الجميع أن القائمين على فض الاعتصام لم يدخروا جهدا في إقناع المعتصمين بأفضلية الخروج الآمن، ولأيام وأسابيع كان التفاوض يجري بين الأمن وأقطاب الجماعة أملا في أن ينتهي الاعتصام سلما، لكن الجماعة كانت تصر على الرفض وتستعجل صداما خطيرا كان يمكن أن يتحول إلى مذبحة كبرى.
وتؤكد مشاهد فض الاعتصام أن الجماعة هي التي بادرت بالفعل عندما وجهت الرصاص لأحد كبار ضباط الشرطة، في الوقت الذي كان يخرج فيه آلاف المعتصمين من الميدان عبر طريق آمن فتحته الشرطة لتمكين الراغبين من الجماعة من الخروج، ويثبت تقرير لجنة تقصي الحقائق كل وقائع فض الاعتصام بأقل قدر من الخسائر الممكنة رغم تحريض قادة الجماعة وخططهم. تحية لكل من وافق على قرار فض الاعتصام وإلى كل الذين شاركوا في هذه العملية وبذلوا غاية جهدهم من أجل تقليل خسائرها، لكنهم مكنوا الدولة المصرية من أن تستنهض همتها وتقف على قدميها». 

سباك على القمر

ومن معارك أمس الصحافية تلك التي شنها عالم الفضاء عصام حجي الذي يتعرض لهجوم شرس من قبل أنصار الرئيس السيسي، بسبب انتقاده المستمر له ودعوته للبحث عن بديل له، وبحسب «المصريون» سخر الدكتور عصام حجي المستشار العلمي السابق لرئيس الجمهورية عدلي منصور من مقال الكاتب الصحافي دندراوي الهواري المنشور تحت عنوان «هو عصام حجي بيشتغل أيه في ناسا غير أنه مصوراتي أحجار؟». وكتب حجي عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك: «في سنة 2002 حصلت على الدكتوراه من جامعة باريس في مجال اكتشاف المياه على الكواكب بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف.. وقبل التحاقي بناسا أصر والدي على أن أذهب و أزور جدتي المريضة في قريتنا الصغيرة «سندوب» في جوار مدينة المنصورة». وأضاف «حينما علمت جدتي بزيارة (الدكتور) وهو الاسم الذي كانت تناديني به، قررت دعوة العديد من أهل القرية إلى منزلنا البسيط في شارع الشهيد الدكتور أحمد حجي، عمي رحمه الله. ولما حضرت للمنزل تفاجأت بعدد كبير من الزوار يحملون أوراقا طبية وأشعات وتحاليل.. وقد أبلغتهم جدتي أن حفيدها (الدكتور اللي من فرنسا) سيعالج الكل». وتابع : «حينما أخبرت جدتي رحمها الله التي ولدت سنة 1918 ولم تحالفها الظروف كي تتعلم، أنني لست طبيبا بشريا وإنما الدكتوراه التي حصلت عليها في مجال اكتشاف المياه ودراسات الفضاء، قالت لي: يعني أنت يا ابني سباك على القمر؟ واختتم رسالته بقوله تحياتي وشكري لرئيس تحرير اليوم السابع».

تقصير الحكومة ينعكس
بالسلب على شعبية الرئيس

النتائج التي نشرها استطلاع مركز «بصيرة» حول شعبية الرئيس السيسي، تلقي الضوء على عدة مؤشرات يرصدها في «اليوم السابع» كرم جبر: «أولا: كتلة التأييد الشعبي التي صوتت لصالح الرئيس في الانتخابات الرئاسية، لا تزال صلبة ومتماسكة ولم تغير قناعاتها، والرئيس لم تتراجع شعبيته إلا بنسبة ضئيلة، و82٪ يوافقون على أدائه، في ظل تحديات استدعت اتخاذه قرارات صعبة، يتحمل الناس آثارها حتى الآن، عكس المقالات والآراء التي تجعل «الشعبية» مجالا للصيد في الماء العكر. ثانيا: المشروعات الكبرى رغم هجوم البعض عليها، تلقى ارتياحا وترحيبا وتأييدا، وأهمها محور قناة السويس وشبكة الطرق، القناة تجسد روح التحدى والإصرار، وتنشط ذاكرة الانتصارات والطرق، لأن المواطنين لمسوا بأنفسهم حجم الإنجاز.
ثالثا: لا تعتمد شعبية الرئيس فقط كما كان في عام حكمه الأول، على أنه استرد البلاد من الإخوان، واستعادة الدولة والأمن والاستقرار، ويضاف إليها بعد مرور 26 شهرا على توليه السلطة، حزمة المشروعات التي يجرى تنفيذها بمعدلات سريعة.
رابعا: تقصير الحكومة ينعكس بالسلب على شعبية الرئيس، الذين لا يوافقون على أدائه، يحملونه سلبيات هي مسؤولية الحكومة بالدرجة الأولى، خصوصا ارتفاع الأسعار، والبطالة وانفلات سعر الدولار، ولكن الأثر السلبي ليس كبيرا حتى الآن، ويرجع ذلك إلى سرعة الرئيس في تصحيح الأوضاع، وتدخل القوات المسلحة الحاسم، لتوفير السلع والخدمات».

ترامب يثق في السيسي

إننا في مواجهتنا للإرهاب و«داعش» سوف نعتمد على جهود كل من الملك عبدالله الثاني ملك الأردن، والرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس مصر.. هذا ما تعهد به المرشح الرئاسي الأمريكي ترامب في خطابه الأخير، وعاد في فقرة تالية وتحدث عن الدعم غير المشروط والتعاون الدائم مع «الصديقة» إسرائيل، إذن وبحسب عماد الدين أديب في «الوطن»: «تحرك ترامب في الشرق ورؤيته، في مواجهة «داعش» في المنطقة سوف تعتمد على 3 عواصم رئيسية هي تل أبيب، عمان، القاهرة.
والمتابع الجيّد للأحداث سوف يلاحظ أن إدارة باراك أوباما كانت تعتمد على بغداد وأنقرة في سياستها الإقليمية، وكان عدم التوافق الشخصي بين أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو سبباً في عدم تنشيط هذا المحور. وفي ما يختص بإيران، فإن ترامب وصف الاتفاق الأمريكي – الأوروبي مع طهران بأنه خديعة، وأنه لصالح إيران، ووصف السماح لطهران باسترداد ودائعها في البنوك الأجنبية وكأنها «فدية أو إتاوة مالية» دفعتها واشنطن لها. وأكد ترامب على أنه إذا وصل إلى الحكم فسوف يقوم بتجميد الاتفاق النووي مع إيران، ومواجهتها في الشرق الأوسط ومواجهة حلفائها من دون تردد. إذن نحن أمام رؤيتين متناقضتين تماماً في ما يختص بمواجهة الإرهاب في المنطقة من جانب ترامب، وهيلارى كلينتون، التي تعتبر سياستها امتداداً لسياسة أوباما الخارجية خلال الـ8 سنوات الماضية.
ترامب يدرك أن الدور المصري الذي لا يخفى أنه يسير في اتجاه مخالف لإدارة أوباما، يمكن أن يتعاون معه في سياسة جادة وحازمة لمواجهة الإرهاب. ويأتي ذكر مصر والرئيس السيسي في أول وثيقة رسمية لسياسة ترامب المتوقعة في المنطقة تأكيداً لجدية الإدارة الجمهورية الجديدة، في حال فوزها بالرئاسة، لتغيير قواعد السياسة والسلوك الأمريكي في الشرق الأوسط».

الجيش مقامه أعلى من ذلك

«أغار جداً على جيش بلدي، وأعتقد أن بيادة أي جندي فيه أشرف من أي متطاول عليه، ويملؤني فخر بلا حدود في كل لحظة أتأمل فيها تاريخه وعقيدته الوطنية، وفق ما يشير إليه سليمان جودة في «المصري اليوم»، الذي ظن أن الصديق ياسر رزق رئيس تحرير «الأخبار» يشاركه ما سبق، ولكن جودة في الوقت نفسه لا يشاركه أبداً الرأي في أن يشارك الجيش، من خلال أفراد فيه، في حملة النظافة التي تتبناها مؤسسة أخبار اليوم. لا أشاركه ذلك على الإطلاق، وأرفض، من منطلق الغيرة على الجيش وعلى مكانته، أن يشارك في أعمال النظافة، بامتداد المحافظات، وأن ينهمك جنود وضباط فيه في رفع أكوام القمامة من أماكنها. أرفض ذلك تماماً، ليس لأن الشخص الذي يرفع القمامة أقل شأناً من غيره، فلكل مواطن مهمته التي عليه أن يؤديها في بلده، ولكن الجيش له مهمة أخرى، على حدود بلدي، وفي داخله، في أوقات الطوارئ والأزمات الكبرى. وقد وجد الكاتب صعوبة بالغة في ابتلاع مشهد الضباط والجنود وهم ينظفون الشوارع والميادين مما فيها.. وجدت صعوبة، ولاأزال، لأن مقام جيش بلدي أعظم وأكبر وأعلى. ويرفض الكاتب ما يروج له البعض بأن البلد يعاني أزمة في قضية النظافة، وأن الجيش جاهز دائماً لإنجاز ما يراه في مصلحة وطنه.. لا.. لا يمكن التسليم بهذا المنطق تحت أي ظرف، وإلا كان علينا أن نصرف المحافظين، ورؤساء الأحياء، ورؤساء هيئات النظافة من مكاتبهم، مادام العجز هو عنوان أداء كل واحد فيهم هكذا».

المستحيل ممكن

وفي «المصري اليوم» يرى عمرو الشوبكي أن «معضلة مصر ليست في قرض الصندوق ولا في المساعدات الخليجية السخية لمصر منذ 30 يونيو/حزيران، إنما في طريقة إدارة الاقتصاد والسياسة، التي تحتاج إلى مراجعة قبل القرارات الصعبة، فهناك معضلة الإدارة السياسية والاقتصادية بـ«اللقطة»، وتحويل كل ما يتعلق بالمشاريع الاقتصادية الكبرى إلى قضايا أمن قومي لا يحق للناس مناقشتها، من العاصمة الإدارية حتى استصلاح المليون فدان وغيرهما، هي كلها مشاريع لابد من مناقشة دراسة الجدوى الخاصة بها، وحسم الاستمرار فيها من عدمه على ضوء العائد الاقتصادي، والتوقف عن التعامل مع المعترضين لأسباب محض اقتصادية، على اعتبار أنهم مشككون ومتآمرون، في حين أن الشواهد تقول إن بعض هذه المشاريع لا يمثل أولوية، وسيضر أكثر مما يفيد. أما ما يتعلق بالإدارة السياسية لتداعيات القرارات الصعبة، فهنا يُطرح سؤال أولي يتعلق بمَن هم المقتنعون بهذه القرارات، وهل هم حقا على استعداد للدفاع عنها؟ وهل يوجد تنظيم سياسي أو ظهير حزبي قادر على إقناع الناس التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة بقرارات اقتصادية ستزيد أوضاعهم سوءاً؟ هل نحن في عصر الإنتاج الحربي و«لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» لأن أرضنا محتلة، ونحارب حين يطالب الناس بالتضحية في ظل واقع يراه أغلبهم لا يحتاج لمزيد من التضحية، فهل يمكن إقناعهم بالعكس عن طريق الإعلام والقنوات الجديدة، وهل هذا الإقناع وارد في ظل ضعف الحكومة والأحزاب وغياب كامل لأي وسيط سياسي بين الحكم والناس؟ يحتاج الحكم إلى مراجعة جذرية لأدائه السياسي والاقتصادي، ويحتاج لتوسيع دائرة الشراكة مع قوى مدنية كثيرة، ولحكومة جديدة يقودها إصلاحيون لهم علاقة بالسياسة لا موظفون ينفذون من دون أي ابتكار أو إضافة، حتى يمكن أن يكون هناك أمل وفرصة للخروج من تداعيات القرارات الصعبة».

سفه لابد من مواجهته

ونبقى مع تداعيات الأزمة الاقتصادية حيث يرى عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق»: «أن السفه الأكبر هو الذي ترتكبه الحكومات المصرية منذ حقب طويلة، ولن تقوم لهذا البلد قائمة من دون توقف سفه الحكومة حتى لو توقف سفه المواطنين.
عندما يكون المواطن سفيها فهو ــ عمليا ــ يضر بنفسة في الأساس، وفي أغلب الأحوال يتحمل الوزر الأكبر لما يفعل، لكن المشكلة أنه في حالة سفه الحكومة، فإن المواطنين هم الذين يدفعون الثمن بالكامل. لو أن هناك إجماعا بين الخبراء على أن عملية الإصلاح الاقتصادي المقبلة لن يكتب لها النجاح، من دون توقف الحكومة عن سلوكياتها التقليدية في إهدار المال العام، فلا يمكن للحكومة أن تطالب المواطنين بالتقشف وشد الحزام والتحمل والتضحية من أجل البلد والوطن.. من دون أن تبرهن لهؤلاء المواطنين أنها قدوة لهم. مظاهر سفه الحكومة الحالية وغالبية الحكومات السابقة لا تعد ولا تحصى من أول ترك الإضاءة في المكاتب ليل نهار مرورا بانعدام الكفاءة لدى العديد من موظفي الجهاز المترهل، نهاية بإهدار المال العام بالعمد حينا والجهل أحيانا. في بعض البلدان مثل الهند يتم إجبار الوزراء وكبار المسؤولين على أن تكون السيارات التي يتنقلون بها من إنتاج وطني، ومعظمها من طرازات بسيطة ومتواضعة ورخيصة. لو أن الوزراء الهنود استخدموا أحدث السيارات العالمية فلن يلومهم أحد، لأنهم حققوا ما يشبه المعجزة التنموية في قطاعات كثيرة، خصوصا التكنولوجيا، ورغم ذلك فإن ترشيد الإنفاق هناك يمكن ملاحظته بسهولة. إذا كان هذا حال الهند، فمن الضروري أن يكون حالنا أيضا. لم يكن مقبولا السفه الحكومي المصري في الماضي، فما بالك الآن ونحن نعاني بصورة غير مسبوقة ونحتاج إلى كل مليم، لأن حالنا شديد البؤس».

فساد لا يمكن السكوت عليه

ونتحول نحو الحرب على مسؤول بارز يوليه أحمد بكير مدير تحرير «الوفد» اهتماماً كبيراً في معاركه الصحافية: «التمسك بوزير ليس فوق مستوى الشُبهات، يُثير الشكوك والريبة، ويجعلنا نتساءل عن السر في الإبقاء على وزير التموين خالد حنفي، في منصبه الوزاري، والملايين من المصريين يُشيرون إليه بأصابع الاتهام، وهم يُتابعون فضائحه المُتلاحِقة.. ورغم محاولاته الأكروباتية التي يُتقِنُها باقتدار، إلا أنّ الوزير لم يستطع التغطية على واحدة مما يُلاحقه من فضائح واتهامات، تمس سمعته.. وفي سجل فضائح الوزير «حنفي» واحدة، ليست بعيدة عن القمح، فهي تخص قِشرَة القمح، أو ما نُسميها النخالة، أو الرَدَّة، وهي فضيحة جديدة، ستأخذ اتجاها آخر لن يقتصر على الإعلام فقط، فقد أخذها الدكتور سمير صبري المحامي إلى ملعبه، وقدَّمَ بها بلاغًا للنائب العام، اتهم فيه خالد حنفي وزير التموين بالتستر على قرار معيب بترك «النخالة» أو «الردة» للمطاحن مقابل أجرة طحن القمح، ويحصل أصحاب المطاحن على 180 كيلوغرام نخالة، تُباع بمبلغ 540 جنيها، في الوقت الذي تبلغ فيه تكلفة طحن طن القمح 205 جنيهات فقط، وبترك النخالة أو «الرّدَّة» لأصحاب المطاحن، ليحصلوا على فروق تزيد على 335 جنيها في الطن الواحد. وفي البلاغ يشرح الدكتور سمير صبري للنائب العام أبعاد الفضيحة، ويقول أن وزارة التموين تُشرف على طحن حوالي 9 ملايين طن قمح، يُستخرَج منها 18٪ «ردَّة»، تصل إلى 1.6 مليون طن، تُستَخرَج من القمح المخصص لإنتاج الخبز.. ويترك وزير التموين «الردَّة» مقابل أجرة الطحن لأصحاب المطاحن منذ أن كان متوسط سعر طن «النخالة» أو «الردَّة» 1500 جنيه، وعندما ارتفعت الأسعار إلى 3 آلاف جنيه للطن لم تُحاسب المطاحن على الفروق، ليصل ما يتحصلون عليه إلى ملياري جنيه من بيعها في السوق».

الدواء المر

لازال القرض المقرر أن تحصل عليه مصر من صندوق النقد يواجه بجدل شديد لكن وجدي زين الدين رئيس التحرير التنفيذي لـ»الوفد» يقف في صدارة المدافعين عنه: «الذين يرددون أنه لا داعي لقرض الصندوق، ولا توجد أهمية له وأنه يجب أن يتم جمع هذا المبلغ بالجنيه المصري من المصريين غير مدركين أبعاداً كثيرة.. فمصر ليست بحاجة إلى جمع الجنيه، أما الحصول على 12 مليار دولار خلال «3 سنوات» فالبلاد في حاجة ماسة وشديدة لذلك، وليس فقط لزيادة الاحتياطي النقدي فحسب، وإنما لإقامة مشروعات عملاقة كبرى تدر الدخل المطلوب من خلال تشغيل وحدات إنتاج توفر فرص عمل كثيرة، نحن في حاجة ماسة شديدة لهذه المشروعات العملاقة، وإتاحة الفرصة أمام المستثمرين للدخول بقوة في السوق المصري، ولذلك بات على الحكومة دور مهم للغاية وهو استغلال هذا القرض في إقامة المشروعات الكبرى، في ظل برنامج الإصلاح الذي سيتم تنفيذه، وهذا هو الشرط المهم الذي يبغيه الصندوق، ولا يعني الصندوق من يتحمل أعباء برنامج الإصلاح، هل الفقراء أم الأغنياء؟ فكل هذه الأمور مسؤولية الدولة ولا علاقة للصندوق بها، المهم هو تنفيذ برنامج الإصلاح والوفاء بالوعود والعهود التي قطعتها الحكومة على نفسها. يبقى على الحكومة مراعاة البعد الاجتماعي للفقراء وأهل العوز أثناء التطبيق، فهؤلاء طحنهم الزمن ولا يقوون على تحمل المزيد من الأعباء، وهذا ما نطالب به الحكومة بسرعة توضيح الأمور في ذلك الصدد، واستثناء الغلابة من تحمل نفقات وأعباء الإصلاح الاقتصادي الذي سيتم تنفيذه خلال المرحلة المقبلة، كل ما ننشده من الدولة ألا تغفل حقوق هؤلاء الفقراء المطحونين».

قرض الصندوق سم قاتل

ونبقى مع قرض الصندوق فبعد غياب دام أسابيع، خرج رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، الدكتور أحمد السيد النجار، مهاجمًا نظام السيسي وفقا لـ«الشعب» بسبب برنامج صندوق النقد المتكلس للإصلاح. وأشار النجار إلى أن: «الصندوق يتعامل مع هذا البرنامج الذي يتضمن تعويم العملة والخصخصة وإنهاء دور الدولة، باعتباره صالحا لكل مكان وزمان. ووصف النجار الصندوق بأنه يعمل وكيلاً وخادماً للرأسمالية العالمية ومروجاً لبرنامجها لضمان تكريس هيمنتها على حساب الفقراء والطبقات المتوسطة، محذرا من أن هذا البرنامج استتبعته في كثير من الحالات انتفاضات الخبز وضمنها الانتفاضة الشعبية العظيمة في يناير/كانون الثاني عام 1977». وبحسب نص التدوينة يكرر موظفو صندوق النقد الدولي الذي يعمل وكيلا وخادما للرأسمالية العالمية ومروجا لبرنامجها المكرس لضمان استمرار هيمنتها العالمية ومعالجة أزماتها على حساب الفقراء والطبقة الوسطى في كل العالم… يكررون القول المثير للسخرية بأن الصندوق لا يفرض أي برنامج على الدول المتعثرة التي تلجأ إليه، والحقيقة أن الصندوق يقدم نصائحه أو «روشتته» أو برنامجه الأيديولوجي المتكلس، الذي يتصور أنه صالح لكل زمان ومكان ولأي دولة ولأي ظروف، فإذا قبلته الدولة المتعثرة يمكنها أن تتلقى المساندة من الصندوق، وإذا لم تفعل لا يتم الاتفاق بين الطرفين، فهل هناك آلية لضمان إذعان الدول المتعثرة ولفرض ذلك البرنامج الأيديولوجي أشد وطأة من ذلك؟ عموما الأفضل أن نناقش بنود ذلك البرنامج من تخفيض أو تعويم العملة المحلية، وخصخصة القطاع العام، وإنهاء الدور المباشر للدولة في الاقتصاد، والتحرير الكامل للأسواق الداخلية وللعلاقات الخارجية».

الموظفون في المصيدة

«ترى الحكومة أن الموظفين هم السبب الأهم في عجز الموازنة، والعقبة الكؤود في وجه الإصلاح الاقتصادي. فهم يلتهمون 230 مليار جنيه من الموازنة العامة كمرتبات، ويقترب عدد الموظفين في مصر من الـ7 ملايين.. وبعد موافقة مجلس النواب على تعديلات قانون الخدمة المدنية، أصبح الموظفون بحسب رأي محمود خليل في «الوطن» في المصيدة. وعلت الأصوات متحدثة عن أدائهم الباهت الركيك، وأنهم يعيشون عالة على الدولة التي تضطر إلى تدبير أجورهم من لحمها الحي.. هذا الكلام لا يخلو من وجاهة، فبالفعل أداء الموظف المصري تراجع كثيراً، كجزء من حالة التراجع التي أصابت أداء كل القطاعات في مصر خلال العقود الأخيرة. سوء الأداء لا يدمغ الموظفين وحدهم، بل يصح أن يوصم به الجميع. يتابع الكاتب الحديث عن أن الموظفين يبتلعون جزءاً كبيراً من الموازنة العامة في صورة مرتبات، لكن التعمُّق في تفاصيل الرقم (230 ملياراً)، سوف يدلُّك على أن النسبة الأكبر منه تذهب إلى قمة الهرم الوظيفي وليس قاعدته. ففي ظل العجز عن تطبيق قانون الحد الأقصى للأجور لا زالت النسبة الأكبر من المرتبات داخل كل مؤسسة تذهب إلى القيادات العاملة بها، والمستشارين المحظوظين المعينين فيها، وهؤلاء الآحاد يحصدون مقدار مجموع مرتبات المئات الذين يعملون في كل مؤسسة. التعميم مضلل في بعض الأحيان. ويقر الكاتب بحق الدولة في أن تجمد التعيينات، لكنه لا يقبل بالأحاديث المتواترة عن ذبحهم، من خلال الحرمان من الدعم، بدعوى أنهم لا يستحقون، بالإضافة إلى تجميد المرتبات. فمثل هذه الأحاديث غير لائقة، فالدعم يستفيد منه العاملون عليه أكثر من الموظفين، وأذكر في ما أذكر أن بعض كبار مشايخنا أفتوا ذات يوم بأن الموظفين من الفئات التي تستحق الزكاة، أما تجميد المرتبات، في وقت تتحرّك فيه الأسعار إلى السماء، فلا يعني سوى أن الحكومة تنوي تنظيم مذبحة جماعية للموظفين».

زيدان يهذي

من معارك أمس الخميس الصحافية تلك التي شنها وائل السمري في «اليوم السابع» ضد الكاتب يوسف زيدان: «لم أجد وصفا لما يفعله الكاتب المصري يوسف زيدان سوى كلمة «تلويش» التي لا أجد لها مقابلا في الفصحى، ولكنها تعني الضرب العشوائي في كل شيء لإحداث ضجة مفتعلة، فالكاتب الذي من المفترض أن يكون «كبيرا» بدا في ندوته الأخيرة التي عقدها في المغرب أشبه بصغار الاستعراضيين الذين لا يهمهم عمق الفكرة ولا جدوى المشروع الفكري، وإنما يهمهم فحسب كل ما يثير ويجلب الأضواء، ملوشا في كل شيء وأي شيء. أزمات عديدة شهدتها تلك الندوة الجدلية، ولن أخوض هنا فيما أثير عن تصرفاته التي وصفتها الصحافة المغربية «بالصفاقة والصبيانية والابتزاز» لكنني لن أستطيع أن أتغافل عن حالة التهاوي الفكري التي مثلها زيدان في المغرب حتى ظهر وكأنه مراهق يقرأ لأول مرة فيصاب بالانبهار بعد قراءة رواية تاريخية «ما» فيظل يرددها في كل مكان معتقدا أنه الوحيد الذي قرأها أو الوحيد الذي اكتشفها، دون أن يدرك أن لهذه الروايات سياقا تاريخيا واجتماعيا وأدبيا مختلفا، وأن وظيفته كـ«باحث» هي أن «يبحث» عن السياقات والملابسات وأن يعقد المقارنات بين الروايات المختلفة ليستخرج منها الحقيقة أو بالأصح «وجهة نظره عن الحقيقة» لا أن يخطف معلومة أو وجة نظر ويظل لها عاكفا معتقدا أنها لب الحقيقة وعينها. في الندوة الشهيرة سب يوسف زيدان كل شيء ودعا للتنازل عن كل شيء، فالفيلسوف الألماني إيمانويل كانط بالنسبة له «عبيط» والعرب ليسوا أهل أدب أو علم وإنما «سراق إبل» والسلفيون ليسوا متشددين أو متطرفين فكريا، وهي كلها ادعاءات جوفاء لا تخرج من باحث كبير أو حتى صغير».

جدل برلماني بسبب إنارة المساجد

أثار إعلان وزارة الكهرباء تركيب عدادات كودية في المساجد والكنائس، جدلا داخل البرلمان، حيث أكد البعض أن هذه الخطوة سترشد كثيرا من الاستهلاك للكهرباء، بينما طالب آخرون بأن تكون الفواتير غير مرتفعة، وتكون تحت إشراف الوحدات المحلية والأوقاف. وقال الدكتور عمر حمروش، أمين سر اللجنة الدينية في البرلمان، أن إعلان وزارة الكهرباء تركيب عدادات كودية في المساجد خطوة مهمة لترشيد الاستهلاك، وكذلك بيان الاستهلاك الحقيقي للكهرباء في دور العبادة، مؤكدا ضرورة أن يكون سداد الفواتير كما هو عبر وزارة الأوقاف وليس الأهالي. وأضاف أمين سر اللجنة الدينية في البرلمان، في تصريحات لـ»اليوم السابع»، أن ترشيد الاستهلاك من الكهرباء هو أمر مهم وضروري، ولكن لابد أن تكون هناك منظومة معروفة لسداد فواتير الكهرباء في المساجد، وأن يكون هذا بإشراف من الوحدات المحلية، لأن بعد تقديرات استهلاك الكهرباء ليست حقيقية. فيما قال النائب عمرو محمد، عضو مجلس النواب عن حزب مستقبل وطن، أن إعلان وزارة الكهرباء، تركيب عدادات كودية في المساجد، لابد أن تتبعه ضوابط معينة في حساب الفواتير، وأن تكون فواتير الكهرباء في دور العبادة مخفضة وليس مثل باقى الشرائح، باعتبارها دور عبادة للجميع. من جانبه أيد اللواء شكري الجندي عضو مجلس النواب، إعلان وزارة الكهرباء تركيب عدادات مسبقة الدفع في المسجد، قائلا:» لابد من تركيب عدادات كهرباء من أجل ترشيد الاستهلاك وحتى تحدث محاسبة صحيحة بين وزارتي الأوقاف والكهرباء».

الحكومة لا تكف عن سلوكها التقليدي في إهدار المال العام… والمواطن مطالب بشد الحزام والتضحية من أجل الوطن

من حسام عبد البصير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية