في حقبةٍ بت أشعر بأن الجدوى الوحيدة فيها من الكتابة هو تسجيل المواقف للتاريخ، لكي يتسنى للأجيال المقبلة أن تقول حين تنظر وراءها، إنه وُجد من اعترض، من رأى الجنون على حقيقته وأدرك مدى الابتذال والعنف، فصارح به عوضاً عن التسليم للواقع والقدر.
في حقبةٍ كتلك، التي نمر بها، ينبغي ألا تمر أحداث أو مستجدات من عينة تسريب مكالمة سامح شكري وزير الخارجية المصري وما أشيع عن سحب ممثل إسرائيل في مصر لدواعي أمنية والتغيير الوزاري الأخير مرور الكرام.
عديدةٌ هي العوامل الشديدة الإزعاج في تسريب سامح شكري. مبدئياً هو يتحدث مع شخصٍ ما تكرر اسمه في المحادثة كثيراً، وقيل إنه شخصية إسرائيلية مقربة من رئاسة الوزراء، حول صياغة لديباجة اتفاقية أو وثيقةٍ ما، من الأرجح أنها تتعلق بنقل السيادة للمملكة السعودية على تيران وصنافير. نحن لا نسمع الطرف الآخر (أو على الأقل في النسخة التي وصلتني ) لكنهما يتحدثان بالإنكليزية، فيعدل الشخص الآخر مضيفاً كلمة هنا ومصححاً كلمة هناك، وليس المرء في حاجةٍ إلى تعمق أو تفكير ليدرك مدى حنكة ذلك الطرف الآخر، الذي يقدر مدلول وتبعة كلمةٍ بعينها دون أخرى، كما ليس المرء في حاجةٍ لأبسط قدرٍ من التميز ليتأكد من أن ما كان يتلقاه سامح شكري كانت إملاءاتٍ وأنه كان يبذل قصارى جهده ليرضي الطرف الآخر ويلبي طلباته ويراعي حساسياته ويطمئنه مزيحاً مخاوفه، بإنكليزية جيدة بالمناسبة.
يقيناً أن شكري لم يكن يتكلم مع أي طرفٍ سعودي (أو عربي) لأن الأخيرين حتى آخر معلوماتي لا يتحدثون بالإنكليزية، كما أن الاسم المتكرر لم يكن عربياً.
على الاعتراف هنا بسذاجتي المفرطة، فأنا أعلم أن النظام المصري تابع وينسق مع الغرب، وأنه ضالعٌ تماماً في كل الترتيبات الغربية والإسرائيلية في المنطقة الخ، لكنني لم أكن لأتصور يوماً أننا بتنا على هذا القدر من الهوان، لم أكن أتصور أن سياستنا الخارجية وصياغة اتفاقية تتنازل مصر بالبيع بموجبها (ضد إرادة الشعب ومخالفةً لحكمٍ قضائي عن جزيرتين بُذلت في سبيلهما دماءٌ ) تجريان وفق محادثة هاتفية من مستشارٍ مجهولٍ بالنسبة للسواد الأعظم من مكتبٍ ما في الخارج، على الأرجح في القدس أو تل أبيب. في السابق كان السادات يُنتقد لإدارته شؤون الدولة بالهاتف، فها نحن ما زلنا تدار شؤون الدولة بالهاتف ولكن من موظفٍ في إسرائيل، أي انحدارٍ ذاك.
ما يدهشني أيضاً، السؤال الذي ما فتئ يلح عليّ منذ بدأت التسريبات للرئيس السيسي ومعاونيه (كتسريب الأرز): كيف لا يستطيعون تأمين أنفسهم؟ نحن هنا لسنا بصدد أشخاصٍ عابرين وإنما رئيس الجمهورية ووزير الخارجية. ما الذي حدث لهم وكيف انحطوا في أدائهم إلى هذه الدرجة؟ أجل أدرك أن أداءهم انحط في كل شيء، لكن على الصعيد الأمني، وفي وجود تلك الجمهرة من الأجهزة التي تحصي على الناس أنفاسها، وما شاء الله، لا تكف عن حبس الشباب وكبسهم في المقاهي على اللفتة والغمزة، دون كلل أو وقفة لالتقاط الأنفاس، كيف اختُرقوا بهذه الدرجة فتسربت أحاديثهم ومكالماتهم بكل هذه البساطة؟
بيد أن الأكثر إثارةً للدهشة، رد الفعل، أو بالأصح غياب رد الفعل. لا أحد، مسؤول أو متحدث رسمي محسوب على أي جهة (من عينة المتحدث العسكري ثقيل الظل ذي الابتسامة اللزجة الذي صار كاتب عامود في صحيفة منتشرة بليل) أو حتى فراش يشرح، ينفي، أو يشجب ويدين ويندد، حتى لو كذباً. هل الكذب جديدٌ عليهم؟ ألسنا نعيش في كذبة الاستقلالية عقوداً طويلة؟ لعلهم يتصورون أنهم يميتون الباطل بالسكوت عليه، هكذا قلت لنفسي، أوعلى الأغلب يتصرفون وفق «الكلاب تعوي والقافلة تسير» -وبالطبع نحن الكلاب. لكن المشكلة أن القافلة لا تسير، وليتها واقفةٌ في محلها، إنما هي تهوي على منحدرٍ بلا قاعٍ منظور.
كذلك الحال مع ما نشرته صحفٌ عدة ذات مكانة كـ»الإندبندنت» و»التليغراف» البريطانيتين عن سحب السفير الإسرائيلي من مصر «بهدوء» نتيجة مخاوف أمنية ـ لم يخرج أحد لينفي أو يعلق. بالطبع أنا لا أفتقد السفير الإسرائيلي (أو أي إسرائيلي) في القاهرة، ولن يقطع في قلبي غيابه أو يؤرق نومي، ولكن ما الذي تعرفه إسرائيل ولا نعرفه نحن؟ ألا تستحق تلك «المخاوف الأمنية» تطميناتٍ أو نفياً؟ أم أن أجهزة الأمن لدينا تخصص قمع مواطنين وناشطين، ولا تعرف شيئاً عن المخاوف الأمنية والتسريبات؟
وأخيراً، وليس آخراً، تغييرٌ وزاري – لا أحد يعرف فيم جاء أولئك ولا رحل هؤلاء؟ من اختارهم وما الذي روعي في هذا الاختيار؟ ولما كان باب السياسة مغلقاً بالعديد من الأقفال ومجرد ذكر «المشاركة» و»المجال العام» يفضي إلى السجن، فمن شبه اليقين أن تلك ترشيحات أجهزة الأمن- أجل تلك التي تحبس الناشطين ولا تمنع تسريبات المسؤولين وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية.
أرجو ألا يفهم من كلامي أنني راضٍ عن أداء الوزارة، لكن يتعين أن أقرر أن أداء هذه الوزارة أو تلك لم ولن يعرف الفرق، فالانحياز في الأساس انحياز نظام، ومجمل السياسات والاتجاهات تأتي من القمة، ومن ثم يتم تمريرها لـ»من هم تحت» أي الوزراء ونوابهم وسائر الهيكل البيروقراطي، ففي نهاية المطاف هؤلاء الوزراء ليسوا سوى موظفين وسكرتارية في حقيقة الأمر.
الخلاصة من كل ما سبق هو تأكيد أن هذا النظام الذي عقد صفقات سلاح بمليارات الدولارات، ولا يستطيع تأمين نفسه ولا مسؤوليه، لا يشعر بأي مسؤولية سياسية أو أخلاقية أمام مواطنيه، رغم أزمته الوجودية الخانقة. هو لا يؤمن سوى بالتراتبية العسكرية التي لا يوجد فيها مكان لآراء الجنود، وإذ يدرك أننا كمواطنين موجودون، ولحسرته نتكاثر كالأرانب، فهو مازال يتعامل معنا باعتبارنا عبئاً ثقيلاً. من ناحية لا بد من إسكاتنا بإيحاءات عن الأمن المستتب «أحسن من سوريا والعراق» وربما الكفاف (وإن بات ذلك غير مضمون) ومن ناحية لا بد من التعامل مع تلك الظاهرة التي استجدت منذ يناير، وهي أننا من الوارد أن نثور ونطالب بـ»المشاركة» السياسية، ذلك التعبير الغريب والمستهجن مع تلك القيادة الهابطة علينا من الثكنات العسكرية والمفتقرة لأبسط ثقافة أو رؤية، وجل مفهومهم أنهم أصحاب مصالح حقيقية، وأن الباقين رعايا.
لن تأتي التفسيرات ولن يتغير الأداء مع الوزراء الجدد. قد يطالبني أحدهم بقدرٍ أقل من القطع. ببث شيءٍ من الأمل لأبدو موضوعيا، لكنني أؤثر الأمانة مع نفسي أولاً، فجزءٌ من الكتابة كما أسلفت لتسجيل المواقف. وعلى ذلك فلن أمل من تكرار كم هو مفلسٌ هذا النظام، وأن «الإصلاحية» وهم الأوهام، ذلك الذي أرهق فأعيا من يداويه.
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل