نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس سيستقبل اليوم في مطار ابن غوريون بطلا لإسرائيل، لكن في العالم العربي يعتبر خائنا لفلسطين. بنس سيحظى بعناق حار من بنيامين نتنياهو وحكومته، ولكنه سيجد استقبالا باردا جدا من محمود عباس والفلسطينيين. في القدس يعتبر كمن يلعب دورا مركزيا في الانعطافة الحادة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ولكن في رام الله والعواصم العربية يعتبرونه القوة التي تحرك دونالد ترامب للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وطعن الفلسطينيين من الخلف. زيارة بنس تعبر عن الحلف الجديد بين الحكومتين اليمينيتين في إسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية السنّية الاستبدادية، مصر والسعودية، وهو الحلف الذي يعتبر في نظر الفلسطينيين حلفًا أقيم على حسابهم.
ترامب هو مجرد ضيف لفترة قصيرة في نادي مشجعي إسرائيل، وإذا أردنا إهانته فقط فهو يستطيع بسهولة إعلان أن إسرائيل أيضا «دولة قذرة»، وبنس في المقابل هو الآمر الحقيقي والصفقة الحقيقية، والمسيحاني الافنغلستي الذي أحد أسس عقيدته هو دعم إسرائيل غير المحدود، ودعم كل مطالبها الكبيرة بما فيها، إذا كانت حاجة، الضم الكامل للضفة الغربية. ومن دون أجهزة تنصت يمكننا أن نكون على يقين أنه في حالة قيام بنيامين نتنياهو وأمثاله في بحث إمكانية عزل ترامب في يوم ما، فهم لن يصرخوا ولن يصلوا من أجل أن لا تحدث هذه الكارثة.
زيارة بنس تم تأجيل موعدها الأصلي في كانون الأول من أجل أن يكون هناك احتمال لكسب التعادل في التصويت على الاصلاحات الضريبية للحزب الجمهور في مجلس الشيوخ. إن المصادقة عليها من دون مساعدة بنس، اعتبرت نقطة الذروة في السنة الأولى لترامب في البيت الأبيض. بنس وصل الآن في ذروة أزمة سياسية جديدة لأنه في هذه المرة لا يمكنه مساعدة الحزب الجمهوري في الحصول على أغلبية 60 سناتور، العدد المطلوب لمنع إغلاق النظام الفيدرالي الذي حدث أمس وفي الذكرى السنوية لأداء الرئيس لليمين.
وبدل أن يأتي بنس مبعوثا للرئيس الذي نجح في دحض تنبؤات منتقديه، فقد هبط أمس في القاهرة نائبا للرئيس غير الناجح الذي لم يعد قادرا على التوصل إلى الاتفاق البسيط الذي كان سيبقي أبواب الإدارة مفتوحة، برغم أنه يتبجح بأنه أفضل من يعقد الصفقات في العالم.
الطرفان الصقوريان في واشنطن منشغلان الآن في «لايم جايم»، أي محاولة إلقاء مسؤولية الفشل الواحد على الآخر، التي هي حالة مؤقتة، لأنه في نهاية المطاف «سيضطران إلى التوصل إلى اتفاق. الاستطلاعات تُبين أن أغلبية الأمريكيين يتهمون الجمهوريين الذين يحكمون البيت الأبيض ومجلس النواب ومجلس الشيوخ، في حين أن قاعدة مؤيدي ترامب تلقي المسؤولية بالطبع على الديمقراطيين. التجربة المتراكمة من أحداث مشابهة في السابق ـ الصفقة الأخيرة كانت في 2013 في عهد إدارة باراك أوباما ـ تعلم أن أغلبية الجمهور يميلون إلى تبني ادعاءات الطرفين على اعتبار أنها «لعنة على بيتكما»، كما قال ماركوتشيو في روميو وجولييت». الإغلاقات السابقة للإدارة بسبب الصراعات حول الميزانية التي كانت لها تأثيرات هامشية فقط في الاقتصاد والسياسة، غذت في الأساس عداء الجمهور لواشنطن بشكل عام، الذي استغله ترامب بصورة جيدة في طريقه إلى الرئاسة إلى أن تحول إلى أحد مثيريه.
النضال على إغلاق الإدارة يشير إلى الاستقطاب الشديد في السياسة الأمريكية، الذي يستمر في التعزز. «قاعدة» الطرفان الآن هي التي ستحدد الاتجاه. العداء المتقد من قبل قاعدة الجمهوريين لاوباما دفع الحزب إلى تحطيم الأدوات والقواعد المتبعة للتعاون في الحد الأدنى مع الديمقراطيين لمصلحة الأمة. الاشمئزاز العميق لقاعدة الديمقراطيين من ترامب يردع الآن كل سناتورات وأعضاء الكونغرس في الحزب الذين يفكرون بتقديم تنازلات أو التعاون. كل ما كان غاليا بالنسبة لأوباما تحول أوتوماتيكيا إلى شيء تافه بالنسبة لقاعدة الجمهوريين، مثلما هي الحال في الطرف الآخر، حيث أن كل ما هو غال بالنسبة لترامب وبنس أيضا، الذي حوله الاستخذاء العلني للرئيس إلى عدو الشعب رقم 2 بالنسبة لليسار في أمريكا، ويحتمل أن يتحول إلى دنس بالنسبة لكارهيه. زيارة بنس بهذا المعنى ستدق مسمارا آخر في نعش العلاقة بين إسرائيل وجزء كبير من أمريكا الليبرالية.
في نظر الإسرائيليين، بنس هو صديق حقيقي مع ميزة خاصة لمواقف تتراوح بين الليكود والبيت اليهودي. وفي نظر الفلسطينيين بنس يمثل الارتباط القاتل بين الإيمان المسيحاني والتأثير اليهودي الحقيقي. وفي نظر الليبراليين الأمريكيين بنس هو الأسوأ: محافظ متطرف حارب ضد الإجهاض وزواج المثليين، متعصب ديني يسعى إلى إخضاع القانون للدين، سياسي متهكم يريد تمهيد طريقه نحو رئاسة الحزب مع سجل النائب الأكثر إخلاصا وخضوعا على وجه الأرض. بالنسبة لليبراليين بنس هو المندوب السامي للافنغلستيين المستعدين الآن لجعل كل حرام، حلال، يتم اكتشافه لدى ترامب من أجل دعم الأجندة الدينية والاجتماعية لهم، بما في ذلك الدعم غير المسبوق لإسرائيل من اجل تسريع يوم القيامة. بنس يعتبر بالنسبة لهم المعادل الأمريكي لحاخامات الصهيونية الدينية، الذين التقوا نتنياهو وعلى الفور غفروا له كل ذنوبه من أجل أرض إسرائيل، وأيضا هو معادل للسياسيين الورعين الذين يريدون فرض معتقداتهم على كل الجمهور وليكن ما يكون.
زيارة بنس، أكثر من زيارة ترامب في شهر أيار، هي انتصار لخطاب اليمين الديني وتحوله إلى عامل مركزي وربما أساسي في العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة. ومثلما هي الحال في كل أمر تكون له يد فيه، فإن زيارة ترامب تركزت في الأساس حول ترامب نفسه. وفي ظل الترقب الحذر والدائم للمشهد المناوب الذي سيحدث من كلمة أو تغريدة له. بهذا المعنى، بنس هو العكس تماما: هو حذر إلى درجة الملل، يقلل من الخروج عن أطواره ويصعب عليه قول جمل تبقى في الذاكرة أكثر من دقائق معدودة، برغم أنها تثير الاشمئزاز كما يحدث في أثناء صلاته التلقائية لسلامة الرئيس. ترامب، كما نعرف، أيضا زار الفلسطينيين واستقبل بكامل الاحترام، في حين أن بنس هو شخص غير مرغوب فيه، بسبب مواقفه وبسبب الرئيس الخائن في نظرهم الذي يمثله. أيضا إذا كان هناك كما يبدو خطة سلام لترامب وإذا كانت فيها أمور غير مريحة إسرائيل فمن المشكوك فيه أن يكون بالإمكان في هذه المرحلة واستنادا إلى خطة كهذه، إعادة المارد الذي حرره ترامب من خلال اعترافه بالقدس، إلى القمقم وتجديد الحوار بين واشنطن والفلسطينيين.
إن زيارة بنس تصفي الحلف الجديد بين إسرائيل والولايات المتحدة للخروج بأسسها: جبهة مشتركة ضد الإسلام بشكل عام وضد إيران بشكل خاص، مع رئيس مستعد للمواجهة معهما؛ نضال مشترك لخفض سقف طموحات الفلسطينيين، وإن لم يكن لكسر معنوياتهم، إضافة إلى الشجار الوحشي مع كل مؤسسة دُولية تدعمهم؛ تحويل الافنغلستيين، الذين هم القاعدة الأكثر ولاء لترامب، إلى أداة أساسية في السياسة الإسرائيلية الخارجية تجاه الولايات المتحدة، إضعاف قوة الأيباك العلماني العقلاني جدا في نظر عدد من متخذي القرارات الحاليين ومنهم شلدون ادلسون، وفي الأساس حملة واسعة وربما غير مسبوقة لقيم مشتركة منها القومية الفاضحة، كراهية وسائل الإعلام، الكفر بسلطة القانون، الحرب الثقافية الدائمة ضد القيم الليبرالية والإيمان المتقد بتفوق الغرب اليهودي ـ المسيحي، مثلما يسمونه، على كل العالم.
صحيح أن الزيارة أيضا تدل على استمرار العلاقات التأريخية الممتازة بين إسرائيل والولايات المتحدة، التي فيها كل إسرائيلي صهيوني عليه التفاخر، ولكن كل من هو ليس شريك في وجهة نظر ترامب، بنس، نتنياهو ونفتالي بينيت، من شأنه أن يُبقي طعم حامض ـ مُر في الفم.
هآرتس 21/1/2018