إسطنبول ـ «القدس العربي»: على الرغم من تمكن السلطات التركية من اعتقال معظم قيادات الجيش والأمن والقضاء الذين شاركوا ودعموا محاولة الانقلاب الفاشلة في الخامس عشر من الشهر الحالي، إلا أن هناك «حلقة مفقودة» في ملف التحقيقات ما زالت تُحير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقد تؤدي في حال تكشف خيوطها إلى الإطاحة بقيادات أمنية كبيرة مقربة من الرئيس.
فبعد 12 يوماً على محاولة الانقلاب التي أدت إلى سقوط مئات القتلى والجرحى ما زال كبار السياسيين والكتاب ووسائل الإعلام التركية يطرحون السؤال الأبرز في البلاد منذ أيام وهو: لماذا لم يُبلغ رئيسا أركان الجيش والاستخبارات أردوغان بالمعلومات التي وصلتهم عن وجود تحركات للقيام بانقلاب عسكري قبُيل ساعات من بدء المحاولة مساء الجمعة الدامية.
هذه المعلومات التي أكدت الإفادات والتحقيقات الحالية حتى الآن أنها كانت متوفرة قبيل ساعات من انطلاق محاولة الانقلاب كانت يمكن أن تؤدي إلى إفشالها بشكل أسرع والتقليل من أعداد الضحايا، كما أن إخفاءها كاد أن ينهي حياة أردوغان الذي تعرض لمحاولة اغتيال محققة بعد 15 دقيقه من خروجه من مكان إقامته في إحدى المنتجعات بمنطقة مرمريس.
كما أن رئيس الوزراء بن علي يلدريم جدد تأكيده على أنه علم بأمر الانقلاب بعد 15 دقيقة من وقوعه، ولم يكن على علم بالتهديد الوشيك، ما يعني أن قيادة الجيش والاستخبارات لم تمنح أي معلومة لكل من الرئيس ورئيس وزرائه أيضاً وهو أمر مخالف للقانون الأساسي الذي يحكم عمل المؤسستين الأهم في البلاد.
وبينما فسر البعض تأخر قيادة الجيش والاستخبارات في إيصال المعلومات التي وصلتهم إلى الرئيس ورئيس وزرائه بأنها ربما كانت غير مؤكدة ولم يأخذوها على قدر كاف من الجدية والخطورة، فسر قليلون ذلك باحتمال وجود تواطؤ أو تراخ في عمل القيادتين، لكن الطرفين أجمعوا على ضرورة كشف تفاصيل ما حدث وإعادة هيكلة عمل الجهازين.
وبعد يومين من محاولة الانقلاب، قالت وكالة الأنباء التركية الرسمية «الأناضول» إن رئيس جهاز الاستخبارات، هاكان فيدان، عقد اجتماعا سريا، مع رئيس هيئة الأركان العامة، خلوصي أكار، والرئيس الثاني في الهيئة، يشار غولار، وقائد القوات البرية، عقب توصل جهاز الاستخبارات إلى معلومات تفيد بوجود محاولة انقلاب، في اليوم نفسه، موضحةً أن الجهاز حذر السلطات المختصة، بوجود محاولة انقلاب، وذلك الساعة 16.00 (13.00 تغ) من يوم محاولة الانقلاب»، قبل قرابة 5 ساعات من بدء المحاولة الفاشلة.
لكن رئيس أركان الجيش وبعد صمته لأيام على هذه الرواية، عاد الاثنين، لنفيها عندما قال في شهادته أمام النيابة العامة بأنقرة، إنه علم بمحاولة الانقلاب في «الساعة صفر» وبدء التنفيذ،.
كما أن التساؤلات ما زالت تثار بقوة حول نجاح الانقلابيين في احتجاز رئيس الأركان رغم الإعلان عن علمه بوجود تحركات عسكرية وعم اتخذه إجراءات وقائية، بالإضافة إلى الكيفية التي تم احتجازه بها والإفراج عنه بعد 24 ساعة دون إلحاق الأذى به.
وما زاد من ضبابية الأمر وجود تضارب واختلاف في روايات كبار القادة العسكريين عما جرى في ليلة محاولة الانقلاب وطريقة احتجازهم والتوقيت الذي علموا فيه وجود تحركات محاولة الانقلاب، ولم تظهر حتى الآن أي فيديوهات تثبت رواية قائد الأركان حول عملية احتجازه التي تمت في مقر رئاسة الأركان ونقله إلى قاعدة آقينجي الجوية التي كانت مقر عمليات محاولة الانقلاب في العاصمة أنقرة.
وفي لقاءين منفصلين التقى أردوغان خلال الأيام الماضية رئيسي الجيش والاستخبارات دون إصدار بيان أو تصريحات صحافية حول فحواهما، لكن تسريبات قالت إن أردوغان وبخ «هاكان فيدان» الذي وضع استقالته بين يدي الرئيس.
ويقول محللون ومسؤولون أتراك، إنه على الرغم من أن الجهاز الأقرب للرئيس ساهم بشكل كبير في عمليات مقاومة محاولة الانقلاب وإفشالها بشكل سريع، إلا أن ذلك لا يُعفي الجهاز وقائده من المحاسبة على التقصير الواضح في كشف محاولة انقلابية ضخمة استمر التحضير لها أسابيع طويلة، وهي المهمة الأساسية له في الدولة.
وأكد أردوغان في عدد من التصريحات الصحافية على وجود تقصير كبير في عمل جهاز الاستخبارات، ورغم محاولته تبرير ذلك بالقول إن التقصير يحصل في أمريكا وفرنسا، إلا أنه رأى أنه «ليس من الحكمة تغيير الحصان في وسط الطريق»، في إشارة إلى إمكانية اتخاذه إجراءات لاحقة بقيادة الجهاز.
وفي شهادة جديدة، الثلاثاء، لزوج بنت أردوغان ووزير الطاقة بيرات البيرق الذي كان برفقته يوم محاولة الانقلاب، أكد أن الرئيس لم يكن على علم بخبر مفاده «سيتم اغتيال رئيس الجمهورية»، وقال: «المرافقون الخاصون بنا شاهدوا طيران 3 مروحيات في الجو، وشاهدنا تحركات غريبة في المنطقة، فوضعنا نصب أعيننا كافة السيناريوهات المحتملة، ولكن مغادرة الرئيس للمكان بالمروحية، كانت نتيجة قرار اتخذناه نحن».
وحول تقييم مجلس الأمن القومي لما حدث، قال البيرق: «بذلنا جهدا كبيرا من خلال اجتماعات مجلس الأمن القومي، ومن خلال الاجتماع الوزاري، لإيجاد الحلول المناسبة لكي لا نواجه أمرا كهذا في المرات القادمة، توصلنا إلى قرار بإعلان حالة الطوارئ، والغاية من إعلان حالة الطوارئ هي اتخاذ خطوات سريعة وجادة في هذا الصدد».
وفي إطار التحقيقات المتواصلة، فتحت رئاسة هيئة الأركان، تحقيقا داخليا، سيشمل جميع العناصر الذين كانوا مناوبين ليلة محاولة الانقلاب، لافتةً إلى أنها ستقوم بمراجعة جميع جداول المناوبات في تلك الليلة، لمعرفة ما إذا كان المناوبون وفق الجدول الرسمي، أم بناء على تعليمات من قيادات محاولة الانقلاب، وأن التحقيقات ستركز على ما إذا كان هناك إهمال محتمل من قبل المسؤولين في الجيش.
وفي عمليات البحث التي تشارك فيها قوات برية وبحرية وجوية منذ 11 يوماً، ألقت السلطات التركية، الاثنين، القبض على 7 انقلابيين ممن شارك في محاولة اغتيال أردوغان، عبر الهجوم على الفندق الذي يقيم فيه بمنطقة مرمريس ليلة محاولة الانقلاب.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة «حرييت» التركية ما قالت إنها تفاصيل جديدة عن كيفية وصول أردوغان لإسطنبول ليلة محاولة الانقلاب، موضحةً أن الرئيس اختار الصعود في طائرة صغيرة من طراز « TC-ATA» التي تمتاز بقدرتها على المناورة العالية، فيما حلقت طائرتان فارغتان بنفس توقيت تحليق الطائرة التي استقلها بهدف التمويه على طائرات الانقلابيين.
وأضافت الصحيفة: «طيار أردوغان الذي أمضى في خدمته 15 سنة رفض إعطاء أي معلومة للانقلابيين عن المسار الذي ستسلكه طائرة الرئيس، وعلى الرغم من معرفة الطيار للمسار الذي سيسلكونه إلا أنه لم يكن يعلم أين ستهبط الطائرة حتى وصلت إلى منطقة «إينغول» القريبة من مدينة بورصا؛ حيث أعطى أردوغان الأوامر بالهبوط في مطار «أتاتورك»، ليقوم الطيار بالتعريف عن نفسه أنه طائرة تابعة لخطوط الجو التركية».
إسماعيل جمال