الحلم الاستراتيجي المفقود في تونس

■ بعد النقر على أزرار حاسوبها تخبر موظفة بمصلحة الهجرة في تونس شابا أوروبي الملامح وقف في طابور طويل قبل الوصول لمكتبها، بأنها تأسف لأنه لن يكون بوسعها الاستجابة لطلبه في اللجوء، والسبب هو أن حصص اللاجئين الأوروبيين المسموح لهم بالدخول إلى التراب التونسي قد استنفدت بالكامل.
ورغم أن الشاب حاول استعطافها للبحث له عن حل وقال لها بنبرة عاطفية حزينة «أنت تعرفين ما يجري الآن في اوروبا وكيف قطعنا كل تلك المسافة حتى نصل إلى هنا»، إلا أنها اكتفت بترديد الجملة ذاتها بشكل صارم وبارد «آسفة لا أستطيع أن أفعل شيئا» قبل أن تطلب منه أن يفسح المجال لغيره من المنتظرين. وفي الأثناء تقدم منها شاب آخر ليعلمها بلكنة إنكليزية قحة أنه ملَّ الانتظار وأنه يريد الحصول على تصريح اللجوء بسرعة . لكن ما جرى بعد ذلك هو أن الأحداث تطورت بشكل مفاجئ ليفقد الشاب الأول أعصابه ويحاول صب غضبه على المسؤولة قبل أن يتدخل الثاني لإنقاذها منه وتصل الشرطة في الأخير لفض الاشتباك.
المشهد كان غريبا وسرياليا إلى أبعد حد، فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يصدقه أحد لا في أوروبا ولا في تونس. لكن المخرج الفرنسي تاد هاردي كارناك، رأى العكس تماما وتوقع في شريط سينمائي أنجزه وتولى عرضه قبل أيام على موقع متخصص بالأفلام القصيرة تحت عنوان « أنا تونس2045» أن ذلك يمكن أن يحصل بتلك التفاصيل الصغيرة والدقيقة، وفي موعد قد يكون أقصر مما يتصوره البعض. وكما يدل عليه العنوان تتلخص قصة الفيلم في تصور المآلات التي سيفضي إليها انقلاب حاد ودراماتيكي لموازين القوى الإقليمية والدولية يبلغ ذروته في ذلك العام بالتحديد، وتتحول على أثره تونس من بلد يتخبط في الأزمات المالية والاجتماعية، ويحاول شبابه الهرب منه بأي ثمن وطريقة إلى جنة غناء يتسابق الأوروبيون على القدوم إليها بعد وقوع قارتهم فريسة للحروب والكوارث. هل كان ذلك مجرد عمل فني جامح يحلق في سماء الخيال المفتوحة على كل التوقعات والاحتمالات حتى الغريبة والبعيدة؟ أم إشارة أخرى إلى أن القارة العجوز صارت تتخوف على مصيرها المجهول في العقود المقبلة، ما يعني لكثير من الشباب الحالم في تونس أنه من الأفضل لهم أن يبحثوا عن حلم تونسي قد يكون قابلا للتحقيق ولو في المستقبل البعيد داخل بلدهم، بدل العيش على حلم أوروبي مغشوش ومستحيل الحصول لا في الحاضر ولا حتى في المستقبل؟
بغض النظر عن الغايات، فمن الواضح أنه لا وجود الآن داخل تونس لاهتمام واسع أو عميق بالتفكير بما تخبئه السنوات والعقود المقبلة، فالجميع من القمة إلى القاع مشغول بتصريف شؤونه اليومية، عملا بالمثل المحلي المعروف الذي يقول «احييني اليوم واقتلني غدا». لكن ذلك المنطق الذي قد يكون مفهوما أو حتى مبررا بالنسبة لفئات واسعة من الشباب الذين صاروا يشعرون بأن الأبواب موصدة في وجوههم بأقفال غليظة، وألا أمل لهم مطلقا في كسرها في القريب وتحقيق الحد الادنى مما يرونها احلاما سهلة وبسيطة في كسب القوت والعيش بأمان وكرامة، لا يمكن أن يجد تفسيرا أو معنى عند دولة يفترض أن لديها مؤسسات ثابتة لا تنشغل فقط بمجرد التدبير العاجل والآني، بل تحمي نفسها وشعبها من الاندثار والتحلل التدريجي، بوضع الخطط والاستراتيجيات على مدى زمني متوسط وبعيد. لماذا تبحث السلطة اذن عن مهدئات محدودة التأثير سرعان ما ينقضي مفعولها ولا تملك الشجاعة حتى تعلم الجمهور، أن عهد الوصفات الجاهزة والحلول الفورية والسريعة قد ولى إلى غير رجعة؟ لقد كان ذلك الأسلوب خيارا أساسيا زمن الاستبداد لغرض تحسين صورة النظام وامتصاص نقمة وغضب الناس على الحكام، وغالبا ما كانت الدولة تلقي الوعود الزائفة لرعاياها وتجعلهم يعيشون لشهور وسنوات على آمال كاذبة تتجند كل آلتها الدعائية الرهيبة، فور انكشاف زيفها، للبحث لها عن مبررات أو تفسيرات دغمائية أو حتى غيبية في بعض الحالات. ولكن الوضع اختلف الآن أو هذا ما يفترض أن يكون بعد أن تخلص الناس من القبضة الحديدية وصار التعبير عن الآراء والأفكار ممكنا ومتاحا على نطاق واسع، ولم يعد مسموحا للحكومات أن تستمر طويلا في اللعب على الكلمات أو في إطلاق الشعارات الحماسية الفارغة. ولأن الديمقراطية والحرية لا تعني شيئا مع بقاء التصورات والمفاهيم القديمة على حالها، فإن أزمة الاحتجاجات الأخيرة التي وصفت بالسلمية والاجتماعية ومست أجزاء واسعة من تونس، أثبتت للجميع أن الطريق ماتزال طويلة حتى يطوي التونسيون بالكامل صفحة القرارات الارتجالية السريعة وتكون لهم رؤية ثابتة وواضحة الابعاد لما يرغبون بتحقيقه والوصول إليه في آجال زمنية مضبوطة ومعقولة. ولم يكن الإشكال الأساسي هنا هو في قدرة الحكومة على تطبيق القرارات التي أعلنتها بقدر ما كان في طريقة واسلوب ادارتها للازمة. ومن الاشياء التي سمعها الناس في الخطاب الاخير الذي ألقاه رئيس الحكومة في جلسة استماع عقدها البرلمان للنظر في تلك الاحتجاجات، مصطلح فضفاض كان الرئيس الراحل بورقيبة يذكره باستمرار في خطبه وهو «العبقرية التونسية»، الذي أكد أن لديه ثقة في أنها ستسمح بإيجاد الحلول المناسبة لمعضلة البطالة. ولم يتساءل أحد بالطبع عن سر ومصدر تلك العبقرية، وما إذا كانت هي في حد ذاتها سببا من أسباب المأزق الحالي في تونس؟ ولماذا تتكرر ذات الحلول القديمة كلما طفت على السطح أزمة أو مشكلة حقيقية أم مصطنعة؟ لقد سدت أبواب الحلم أو الخيال الاستراتيجي في تونس، ولم يعد ممكنا لأحد أن يبحث عن إجابات خارج دائرة ضيقة ومحدودة من الخيارات القديمة والأليمة . ضيق التونسيون على أنفسهم؟ أم ضيق الاخرون عليهم؟ الواقع هو أنهم لم يعتادوا طوال الستين عاما التي كانوا فيها مستقلين رسميا وعلى الورق عن فرنسا، لا على التفكير ولا حتى على الاحلام. كان هناك على امتداد تلك العقود من يفكر ويحلم ويخطط بدلا عنهم، ويقول لهم إنه الأدرى بمصلحتهم والأحرص عليهم، حتى من انفسهم الخبيثة والأمارة بالسوء. كانت كل الأحلام هي أحلام يقظة لا تستطيع التحليق بعيدا خارج حدود المكان والزمان، وظل الناس ينتظرون من الدولة أن تطعمهم وتكسوهم وتعلمهم وتبحث لهم عن عمل وتوفر لهم مالا ومسكنا وحتى سيارة، اما الدولة فظلت مكبلة بذلك الواجب الثقيل ولم تستطع التخلص منه لا في سنوات الاشتراكية المشوهة، ولا في أعوام الرأسمالية المجنونة، ولم يكن مسموحا لها أن تحلم أو تخطط للمستقبل لأن ذلك كان واحدا من الخطوط الحمراء التي وضعها المستعمر بوجهها.
يطلب الناس من الدولة وتطلب الدولة من دولتها الحامية وراء البحر كل شيء من السهل البسيط إلى الصعب المعقد، ولا تأثير مباشرا أو غير مباشر حتى الان لما جرى في السنوات الخمس التي اعقبت هروب الرئيس المخلوع على تلك الحلقة المفرغة والمغلقة. لقد سافر رئيس مجلس نواب الشعب قبل أيام إلى إيطاليا ولم تنطفأ بالكامل شعلة الاحتجاجات، وقال المتحدث باسمه للصحافة «إن الزيارة تهدف إلى فتح آفاق تشغيلية جديدة للشباب التونسي العاطل عن العمل، وتفعيل الدبلوماسية البرلمانية بهدف دعم موقع تونس الاقتصادي لدى الشريك الايطالي بصفة خاصة، والاوروبي بصفة عامة… «. وكأن الايطاليين يملكون العصا السحرية التي نفى رئيس الحكومة ووزراء آخرون وجودها في تونس.
اما الاغرب من ذلك فهو أنه جرى التوقيع في تلك الايام وفي صمت لافت على اتفاق شراكة بين المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، وهو مؤسسة رسمية محلية، وبين المفوضية الفرنسية العامة للدراسات الاستراتيجية، وسيسمح ذلك الاتفاق بحسب ما نشرته بعض وسائل الاعلام المحلية من «الاستئناس بتجربة الحكومة الفرنسية في رسم سياساتها التنموية والاقتصادية العامة»، رغم أن تجربة الستين عاما كانت تكفي وزيادة حتى يتعلم التونسيون فنا وعلما ظل مفقودا في بلدهم، وهو الحلم الاستراتيجي الحر الذي سمح لفنان فرنسي بأن يتخيل المشهد المقبل في الضفتين ولآخرين في بلده بان يتحكموا بلغتهم واقتصادهم وقوتهم العسكرية في مصائر الاخرين واحلامهم، ولم يسمح للتونسيين للاسف سوى بالاستئناس والاستئناس فقط.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية