عندما سعى أفضل زعمائنا إلى اعادة الجولان إلى السوريين مقابل مناعم السلام، حاولوا أن يثيروا شهيتنا بوعد «تناول الحمص في دمشق» والوصول إلى اوروبا عبر دمشق واسطنبول في السيارة. لو كانت لبيت أشواقهم، لكنا واصلنا تناول الحمص في ابو غوش وبقينا نصل إلى اوروبا بالطائرة وذلك لأن دمشق أصبحت في هذه الاثناء جحيما وحتى اسطنبول لم تعد ما كانت عليه. ولكننا كنا سنكون خسرنا الجولان إلى الابد، وذلك لأن التنازلات الاقليمية لا مردود لها.
لدينا رئيس وزراء وبضعة «سابقين» يجدر بهم ان يشكروا الباري الذي منعهم في اللحظة الاخيرة من اتخاذ هذه الخطوة. فهل كنا سنكتفي ايضا ببوادر ندم اخرى، ولكن من منكم رأى سياسيا يعترف بأخطائه؟
الصرخة الاخيرة في موضة الاشواق هي «الاقليمية». مصر، السعودية، الاردن ودول الخليج في مشاكل عويصة، حكمها مهزوز من الداخل ومهدد من الخارج، وبات يصعب الاعتماد على أمريكا. فقد نظرت هذه من حولها ولم تجد سندا ـ عسكريا، استخباريا وحتى اقتصاديا ـ غير إسرائيل. و «عندما يحتاجون إلى سارق، ينزلونه عن حبل المشنقة».
حسب هذا المبدأ تحظى الآن إسرائيل لدى زعماء هذه الدول بالمجد: فهم مستعدون لان يستمتعوا بخيرها، ولكن فقط سرا وفي الخفاء، خشية ان تثور عليهم جماهيرهم، المفعمة بالكراهية لإسرائيل. ويعمل هذا الترتيب الخفي بنجاح. فمثلا، لا يمكن لتركيا ان تصدر بضائعها إلى هذه البلدان، في ظل عدم وجود معبر طريق إلى سوريا، والمشكلة تحلها إسرائيل. شاحنات تركية محملة تصل في السفن إلى حيفا وتواصل من هناك باتجاه جسري الاردن.
اكثر من هذا بكثير يحصل تحت السطح. ظاهرا الخير من كل العوالم. فقد روجوا لنا ان الفلسطينيين هم المفتاح لكل باب عربي في المنطقة وها هي ـ القدس لا تزال موحدة، مشروع الاستيطان يزدهر، لا توجد محادثات سلام، ورغم شبه الانتفاضة فإن العلاقات مع الدول العربية آخذة في التوثق فقط.
ولكن ثمة من لا يساوي هذا لديه شيئا طالما لم «تقبل» إسرائيل في المنطقة رسميا، مع أوراق موقعة، حتى لو كان ثمن التواقيع الفارغة هذه هو القدس والاماكن الأغلى في تراثنا الديني والقومي. ومن هنا نبتت الدعوة الموضة لـ «مؤتمر اقليمي» غصب جماعي سياسي تمنح فيه إسرائيل لعرب المنطقة خدمات حيوية تدفع مقابلها بكل ذخائرها. ما هذا؟ منذ متى من يعطي يتعين عليه «بالمقابل» ان يدفع ايضا؟ فاذا كانت إسرائيل بالفعل تخدم مصالح دول المنطقة، كما نشر، فانها تستحق أن تأخذ لا أن تعطي. مثلا، أن تكف «المنطقة» عن التدخل في شؤون عاصمتها وباقي اراضي وطنها و «مشكلة فلسطين» تبقى لها ولجيرانها.
وبشكل عام من هم المشاركون في المؤتمر الاقليمي؟ مصر اجتازت ثلاث ثورات، شعبها منقسم، ومن يدري ماذا سيولد اليوم هناك؛ في الاردن لم يعد الملك واثقا بتأييد الأقلية البدوية في الجنوب، التي بدأت تميل إلى داعش؛ مكانة الاسرة الملكية السعودية مهزوزة من الداخل؛ تركيا ما بعد محاولة الانقلاب منقسمة وتقاد من اردوغان في اتجاهات خطيرة. من يدري كم من الوقت سيكونون هم معنا على الاطلاق؟
في الاسبوع الماضي، في قضية بلاك، عرض علينا خيار معاكس: «شعب وحده يسكن ولا يراعي الاغيار». في نظر معسكر السلام هذه نقمة، وعليه فانه يحتاج إلى مؤتمرات اقليمية. المعسكر الوطني يرى هنا بالذات نعمة، محفز للتميز. فالحقائق النازفة في المنطقة تتحدث من تلقاء نفسها.
يديعوت 21/7/2016