لا أخفي عليكم أنني قلقت جدا عندما وردت أخبار الجريمة المهولة في نزل لذوي الاحتياجات الخاصة في طوكيو، التي راح ضحيتها تسعة عشر إنسانا وجُرح العشرات.
ومما زاد من قلقي ومخاوفي، أن الجريمة ارتكبت بنصل سكين وليس رميا بالرصاص أو خنقا بالغاز أو بتفجير إلكتروني من بعيد، وبدون وعي مني رحت أسأل نفسي عن التغلغل الإسلامي في اليابان، فتبين أن عددهم حوالي 400 ألف مسلم ومعظمهم قدموا نتيجة الملاحقات من النظامين الشيوعيين في الصين والاتحاد السوفييتي الغابر.
رحت أتساءل ما إذا كانت هناك مشاركة من اليابانيين في التحالف الدولي في «قصف داعش» في سوريا والعراق، فما أعرفه أن مساهمة اليابان كانت متواضعة حتى في التحالف الدولي ضد العراق، إذ أنها شاركت بـ600 جندي للدعم اللوجستي عام 2003، ذلك أن الدستور الياباني يمنع القيام بأي هجوم عسكري. وأعدمت «داعش» صاحب شركة أمنية صغيرة وصحافيا يابانيين في العراق، بعد رفض الحكومة اليابانية دفع فدية لـ»داعش»، ورفض الأردن إطلاق سراح سيدة معتقلة في الأردن باسم ساجدة الريشاوي، قال الأردن إن زوجها أحد أتباع أبو مصعب الزرقاوي قد جندها معه.
كذلك ليس لليابان قوات في ليبيا أو اليمن، ولم تنحز إلى جانب أي طرف من أطراف الصراع، كما تفعل فرنسا المصطفة إلى جانب الضابط حفتر في ليبيا، كذلك فإن الكوري (بان كي مون) الذي يظن كثيرون من العرب بأنه ياباني، السكرتير العام للأمم المتحدة لم يفوت فرصة إلا وأعرب عن قلقه بشأن الضحايا المدنيين من العرب والمسلمين، ومن تدهور الأوضاع المعيشية والصحية لسكان قطاع غزة، وكثيرا ما خصص قلقه للغارات في سوريا لكثرة الضحايا المدنيين، كذلك فقد أعرب عن قلقه خلال العدوان الإسرائيلي على غزة قبل عامين، ورغم كل المؤشرات المطمئنة بقيتُ على قلق بأن يعلن القاتل في شريط مسجل أنه اعتنق الإسلام وشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وصلى ركعتين، وخرج لمهمته لمحاربة الكفار من الشانتو والبوذيين، أو أن يعلن المحققون أن السفاح سُمع يصيح «الله أكبر» وهو يذبح ضحاياه من ذوي الاحتياجات الخاصة، بل ذهب تفكيري إلى أبعد من هذا، لعل أحد ناشطي «داعش» وصل اليابان متنكرا كسائح، ليرتكب الجريمة! بقيت على قلق إلى أن وصلت البشائر السارة بأن اسم القاتل ليس مما حُمّد أو عُبّد، وحَمدت الله كثيرا أنه من ملّة الشانتو، وشعرت بارتياح داخلي، حتى روحي ابتسمت، وفكرت بأن أصعد إلى سطح منزلي وأصرخ في الكون كله «يا عالم، إن في الكون مجرمين غيرنا، ساتوشي يوماتسي أملط ليس له لحية وأمه وشقيقاته لسن محجبات ويرتدين آخر صرعات الموضة وجدته ترتدي»الكيمونو»، والمجرم ليس من حزام الفقر في باريس، ورصيده البنكي ليس سيئا، وهو ليس لاجئا في ألمانيا أو بلجيكا، وليس انطوائيا، ولا هو مسجل في قائمة المشبوهين، ولم تتعرض بلاده لغارات التحالف التي تحصد المدنيين على اليمين والشمال».
لقد جاء سفاح طوكيو ساتوشي ويماتسو ليقول إن القتل والجريمة لا دين لهما، وأنه إذا كان هناك من لم يرحم كاهنا عجوزا كاثوليكيا في فرنسا وذبحه، وإذا كان هناك شرطي أبيض لا يرحم أسود ويقتله للون بشرته، وأسود يصطاد الشرطي الأبيض انتقاما، وأمريكي مسيحي يقتل من يؤمنون بالمسيح لينقلهم بسرعة إلى جواره! فهناك أيضا من لا يرحم حتى أصحاب الاحتياجات الخاصة. (ساتوشي) ليس موعودا بحوريات، ولا يسعى لتعجيل ظهور المسيح المنتظر ليطهر الأرض من الآثام، وهو لا ينتقم لبلاده أو دماء أبناء ملته التي استرخصتها الأمم، المجرم الياباني ينتمي، على الأرجح، لديانة الشانتو الأكثر انتشارا في اليابان وربما للبوذية، أراد حسب المحققين أن يخلّص اليابان من أصحاب الاحتياجات الخاصة الذين رأى فيهم عبئا على المجتمع على طريقة فلسفة نيتشة وإسبارطة من قبل والنازية فيما بعد.
إلا أن المحققين يرجحون أن سبب قيامه بالمجزرة التي لم تعرف اليابان مثلها منذ عقود، هو فصله من العمل قبل عدة أشهر، الأمر الذي ملأه حقدا ودفعه لارتكاب الجريمة النكراء. أعتقد أن كثيرين شاركوني القلق من أن يكون المجرم صاحب اسم عربي مسلم، فالأمر لم يعد مستبعدا، فهناك ألف صنف من المجرمين الذين يدعون ممارسة جرائمهم باسم «الله أكبر «، وهناك ألف جهاز مخابرات يمسك بخيوط المجرمين ويحركهم، بهدف تلطيخ المسلمين والإسلام لأسباب مختلفة، بعضهم بهدف بقائه في السلطة فيوحي لهم بالذبح أمام الكاميرات، وبعضهم يحلم بفرض مواجهة بين المسلمين والعالم كي لا يلام على احتلاله لبلاد المسلمين وقمعه لأهلها، ويسعى لترحيل الجاليات اليهودية من أوروبا إلى فلسطين وأكبرها في فرنسا، وبعضهم يسعى للوصول إلى السلطة باستغلال أعمال الإرهاب في بعض دول أوروبا وأمريكا ممثلة بترامب الذي لن يحتاج ليكون رئيسا لأمريكا إلا لعملية إطلاق نار على المارة وصرخة «الله أكبر» قبيل الانتخابات بيوم واحد.
لهذا لا أخفي أنني شعرت بارتياح عندما أعلن اسم المجرم ساتوشي ويماتسو، وحمدت الله لأنه لم يصح «الله أكبر» لحظة ارتكابه جريمته، ولم يفسح المجال لـ»داعش» أن يتبنى الجريمة، وبصدق أقول لأخوتي المسلمين الحمد لله أنه لم يصح الله أكبر وإلا كان سوّد وجهنا مع عائلات سوزوكي وتويوتا وسوبارو وسوني وتوشيبا وميتسوبيشي وباناسونيك وغيرها، وكان بان كي مون الكوري أعرب عن قلقه بالشقلوب هذه المرة، مبروكة علينا براءتنا من الدم الياباني، وطبعا نعرب عن قلقنا الشديد ونندد بالجريمة.
٭ كاتب فلسطيني
سهيل كيوان