لندن ـ «القدس العربي»:«ستكون معركة الموصل طويلة ودموية وصعبة وضرورية. ويحمل الهجوم الذي تقوم به القوات العراقية على الجزء الغربي من الموصل كل ملامح الكارثة الإنسانية، فالشوارع فيها ضيقة، وهناك ما يزيد عن 650.000 مدني عدد كبير منهم أطفال عالقون في بيوتهم من دون طعام أو ماء كافي.
وحضر تنظيم «الدولة» نفسه بحفر الأنفاق والحفر التي يتمركز فيها القناصة لتصيد الجنود العراقيين بالإضافة للمفخخات لإبطاء تقدم الجيش العراقي وقتل كل مدني يحاول الهروب. هذه رؤية صحيفة «التايمز» البريطانية في افتتاحيتها عن المرحلة الثانية من الكفاح ضد تنظيم «الدولة».
وتقول إن الجيش العراقي هذه المرة لديه الدافعية والإنضباط والمعدات للقتال كما أنه يريد تجاوز عاره قبل ثلاثة أعوام عندما ترك مواقعه وأسلحته وخلع جنوده ملابسهم وفروا أمام هجوم تنظيم «الدولة».
وفي هذه المرة يعتمد الجيش على دعم القوات الأمريكية والبريطانية الخاصة والتي تقوم بتنسيق الغارات الجوية على مواقع تنظيم «الدولة» وتقدم الخدمات اللوجيستية والأمنية الضرورية.
وتعلق الصحيفة أن العملية الحالية لا تحتوي على عنصر مفاجأة فالحرب على المدينة بدأت في تشرين الأول/أكتوبر وأعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي عن المعركة في التلفاز وأكد أنها من أجل تحرير الموصل وللأبد.
وتعلق الصحيفة أن المعركة على الجزء الغربي من المدينة سيكون مسألة حياة أو موت بالنسبة لتنظيم «الدولة». فقد كان المسجد النوري المكان الذي أعلن منه أبو بكر البغدادي ـ زعيم التنظيم- عن ولادة «الخلافة» وعليه فخسارة الموصل تعني خسارة السيطرة على مناطقه في العراق.
وسيجد المقاتلون الأجانب أنفسهم أمام خيار واحد هو الموت «شهداء» خاصة أنهم مطلوبون دوليا ولن يجدوا الترحاب في الدول العربية.
المدنيون في خطر
والمسألة في الموصل لا تتعلق بمصير المقاتلين الجهاديين ولا ما سيفعلونه من إمكانية تقييد أنفسهم والقتال حتى النفس الأخير كما فعل شباب النازية في برلين أثناء الحرب العالمية الثانية، بل ومصير المدنيين الذين قد يموتون جوعا أو تحت القصف أو بسبب إصاباتهم. ولهذا السبب تحضر الأمم المتحدة نفسها لتقديم المعونة.
وهناك مخاوف حقيقية من عمليات انتقامية ترتكبها القوات المكونة من ميليشيات شيعية ضد أي شخص يقابلونه في الشوارع. وتقول الصحيفة إن العبادي دعا القوات لمعاملة المدنيين بطريقة مناسبة «لكنه يعرف والكثير من السكان الخائفين عن حوادث وحشية عذب فيها مدنيون وقتلوا فورا على يد الميليشيات الشيعية التي تبحث عن انتقام».
وتتساءل الصحيفة عن الوقت الذي ستأخذه العملية؟ وتقول إن دفاعات الجهاديين قد تنهارفجأة وبعدها سينسحب المقاتلون إلى الرقة التي تحتاج لعملية أوسع لطرد تنظيم «الدولة» منها.
ولن تنهي العمليات خطره حيث سيعود للعمل السري ويتسلل عدد من المقاتلين الأجانب إلى بلادهم للمساعدة في عمليات إرهابية ضد الغرب. أما المقاتلون العرب فسيعودون في انتظار الفرصة السانحة لهم كي يهاجموا بلدانهم.
وتدعو الصحيفة لمواصلة المعركة حتى نهاية هزيمة تنظيم «الدولة»، في ساحة المعركة وفي عقول المسلمين. فلطالما بقي يسيطر على مناطق ويطبق ما يراه «الإسلام الحقيقي» تظل جاذبيته عالية. و»من حسن الحظ فالعالم كله يرى أهمية للتخلص من شروره. ولو اتفق العرب وروسيا وأمريكا فإن هذا سيساعد على تحقيق السلام المنشود في المنطقة».
قوات خاصة
وترى الصحيفة أن معركة الموصل مهمة وحيوية ولهذا تشترك فيها القوات الخاصة «أس إي أس» وأصحاب «القبعات الخضر» الأمريكيين.
ومن المفترض أن تلعب هذه القوات دوراً استشارياً وثانوياً لكنها جرت للحرب حيث أرفقت مع القوات العراقية.
ومنذ بداية الحرب ضد الجهاديين في عام 2014 قتل أربعة جنود أمريكيين. ويقول الجنرال ستيفن تاونسند، قائد قوات التحالف ضد تنظيم «الدولة» إن عملية استعادة الموصل «ستكون قتالا صعبا لأي جيش في العالم».
ويقلل العسكريون الغربيون من إمكانية تحقيق نصر حاسم وسريع على خلاف ما أعلن عنه العبادي وقادته مع بداية الحملة العام الماضي. ويتوقعون تطهير المدينة بالكامل مع حلول أعياد الميلاد هذا العام.
ويعتقد ضباط أنه يجب منح المعركة ثلاثة أشهر إضافية نظراً لصعوبة التحرك في شوارع الموصل الغربية ولأن أحياءها القديمة تمثل ملجأ مناسباً للمقاتلين. ولا بد من ملاحظة أن التنظيم يعاني من ضعف، فقد خسر 1.500 من مقاتليه في الجزء الشرقي كما أن الجزء الغربي محاصر بشكل كامل بشكل يجعل من الحصول على إمدادات أمر صعب.
وما لا يعرفه المسؤولون العسكريون هي طبيعة القوات التابعة له والتي بقيت في الموصل. ففي معارك أخرى تسللت القيادة الرئيسية لتجنب الإعتقال وخلفت وراءها قوات مستعدة للقتال حتى الموت ومقاتلين محللين يمكنهم الذوبان مع موجات اللاجئين.
معارك
ويرى ريتشارد سبنسر أن الحملة على الموصل هي حربان في حرب واحدة، فالأولى هي حرب ضد تنظيم «الدولة» ومنعه من القيام بهجمات ضد الغرب.
ويقول في تقرير في صحيفة «التايمز» أن نشر القوات الخاصة يمكن تبريره للناخب باعتباره شكلاً من أشكال الدفاع عن النفس. أما الحرب الثانية فهي للشعب العراقي ومستقبل بلدهم، وهي استمرار للحرب التي تدور منذ عام 2003.
ومن هنا فالحملة على الجزء الغربي من الموصل قد تكون بداية النهاية أو بداية النهاية. وبخسارة الموصل لن يبقى لدى التنظيم مدن تحت سيطرته وبالتالي سيتم تطهير غرب العراق والأنبار منه.
وعليه تعتبر الجبهة السورية ساحة مهمة لإنهاء التنظيم. وهناك خلافات بين المسؤولين الغربيين حول بطء العملية نحو الرقة، عاصمة ما يعرف بـ»الدولة».
ويقول تاونسند إن استعادة المدينتين سيستكمل بعد ستة أشهر وبعدها «فلن يدعون أن لديهم خلافة». وحتى يتحقق هذا فأمام الجيش العراقي مهمة صعبة كما يقول باتريك كوكبيرن. فالأعمال العسكرية ستكون الأشرس ولم يشهده العراق منذ الإطاحة بصدام حسين عام 2003.
ويقول إن العملية العسكرية خطط لها الأمريكيون حيث يوجد على الأرض حوالي 6.000 جندي وهم الذين يقودون التحالف وشنوا أكثر من 10.000 غارة جوية وقاموا بتدريب وتجهيز ما يزيد عن 70.000 من القوات العراقية. وستكون معركة الموصل ذروة حرب ضد الجهاديين تخوضها الحكومة العراقية وحلفاؤها الأجانب لتدمير تنظيم «الدولة».
وحسب وزير المالية والخارجية السابق هوشيار الزيباري فإن أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم موجود في الجزء الغربي من الموصل، وذلك في مقابلة مع الصحيفة الإسبوع الماضي وتوقع فيها تدمير معظم الجزء الغربي.
ويرى كوكبيرن أن تنظيم «الدولة» يعتمد على الفرق المتحركة والقناصة والعربات المتفجرة التي تبطء من تحرك الجيش. وعانى المهاجمون العراقيون من خسائر كبيرة في المعركة على شرق الموصل. وبنهاية عام 2016 اشتكى الأكراد من اكتظاظ المستشفيات بـ 13.500 من الجنود والمدنيين الجرحى بسبب المعركة على الموصل.
ورغم سيطرة الحكومة على الجزء الشرقي إلا أن قبضتها عليه لا تزال غير قوية لأن الخلايا النائمة تواصل عملياتها فيه وتغتال المدنيين والجنود وتقوم باستهداف المطاعم والمقرات العامة.
ونظراً لقلة الجنود المدربين فإن إرسال الوحدات العسكرية إلى الجبهات يعرض ويكشف الجزء الشرقي للمخاطر. وفي الوقت الذي دعا العبادي الجنود للحذر في معاملة المدنيين إلا أن أشرطة فيديو ظهرت على وسائل تواصل اجتماعي مؤيدة للحكومة وتظهر عمليات ضرب وسحل مدنيين.
ويقول كوكبيرن «رغم المزاعم المتكررة من أنها تقوم بتحرير مدينة الموصل إلا أن الحكومة الشيعية في بغداد تقوم بمهاجمة آخر مدينة عربية سنّية عظيمة. فبعيدا عن عدسات التلفاز يشكّك الجنود بالمدنيين وأنهم يتعاونون مع تنظيم «الدولة» أكثر مما كان عليه الحال في عام 2014».
ويضيف: «أن المدنيين في المدينة لم يكن أمامهم خيار إلا التعاون مع الأطراف المتحاربة التي تقوم بتدمير مدينتهم. وقام الطيران العراقي برمي ملايين الملصقات على غربي الموصل دعت مقاتلي التنظيم الإستسلام والسكان البقاء في البيوت ورفع العلم الأبيض على بيوتهم، ولأن التنظيم يقتل كل من يرفع شارة الإستسلام، ولهذا فلن تكون الأساليب هذه ناجعة». ومع أن القادة العسكريين يقولون إنهم تعلموا من دروس شرقي الموصل وأنهم سيتوخون الحذر ويحافظون على حياة المدنيين.
ومن الصعب تحديد عدد من التجأ إلى بناية تعرضت للقصف وفي حالة لجأ الجيش للمدفعية لكبح مقاومة الجهاديين فسيكون الدمار في غربي المدينة واسعاً.
خطة معركة
وترى صحيفة «لوس أنجليس تايمز» أن القتال اتسم بالشدة في بدايته. مذكرة بأن القتال في مرحلته الأولى كان مرهقاً وسيكون مجهداً بدرجة كبيرة في المعارك الأخيرة.
ويشير التقرير للمصاعب التي يواجهها الجيش المتقدم من القناصة. فمع أن هؤلاء لا يستطيعون مواجهة جيش مدجج إلا أنهم يبطئون من حركته. ورغم مشاركة القوات الأمريكية الخاصة على الجبهات إلا أن وزير الدفاع جيمس ماتيس، أكد يوم الأحد أن لا تغير في قواعد الإشتباك، منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
وقال إنه يخطط لتقديم خطة حول مواجهة تنظيم «الدولة» بنهاية الشهر الحالي، واعترف أن الطيران الأمريكي قام بدك أهداف للتنظيم في غربي الموصل قبل تحرك القوات العراقية باتجاه المدينة.
ويقول الطيارون الأمريكيون إن المجال الجوي فوق الجزء الغربي من الموصل مكتظ بالمقاتلات. ففي أي وقت هناك ما يزيد عن 50 طائرة تحلق في منطقة ضيقة.
ومعظم هذه الطائرات هي بدون طيار تقوم باستكشاف أهداف، ويتم تحويل الصور والمعلومات التي التقطتها إلى القادة العسكريين والذين يقومون بتحضير مقاتلات التحالف لشن غارات على المواقع.
ويقول الجنرال في سلاح الجو تشاك كوركوران «نركز على المعلومات الأمنية لتأكيد نجاح العراقيين في مهمتهم».
وقال إن شرق الموصل كان مفتوحا «يمكنك تحديد أماكن مثل جامعة الموصل، وفي الغرب فالمكان مكتظ ويعيش السكان في شقق سكنية والحارات ملتصقة». ولهذا يقول ولفانغ غريسمان إن «النجاح الحقيقي لهذا الهجوم لن يقاس بعدد الأحياء والقرى التي تمت السيطرة عليها بل الكيفية التي ستقوم فيها القوات العراقية والتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة حماية المدنيين في الأسابيع والشهور المقبلة».
و»ستكون رقصة حرب للعراق لو تمت السيطرة على غربي الموصل على حساب أرواح كل الذين عانوا من حكم تنظيم «الدولة» الرهيب ولحوالي3 أعوام».
وإذا تكرر السيناريو الذي حصل في المناطق التي طرد منها الجهاديون فإن المعاناة ستزيد.
وكتب في هذا السياق غاريب براون إن «المافيا» تسيطر بعد «التحرير» ويقول في تقرير له في صحيفة «التايمز»: «إن مزيجاً من القوات العراقية والميليشيات الشيعية سيطرت على عشرات القرى والبلدات منذ بداية عملية استعادة الموصل قبل 4 أشهر. وعندما تصبح القرى النائمة معسكرات دائمة يزداد السخط بين سكانها الذين لم يهربوا».
وينقل عن سكان بلدة العريج القريبة من غرب الموصل قولهم إنهم باتوا يعتمدون على الجنود في كل شيء. وفي بلدة القيارة التي سيطرت عليها في الصيف الماضي قوات الفرقة الذهبية يقف السكان ساعات طويلة للحصول على الوقود الذي لا يأخذونه إلا بموافقة الميليشيات.
ويقول رجل إنه وقف لساعات طويلة في الطابور حيث تم منعه من الحصول على الوقود لأنه «سنّي». وبالإضافة للتحكم في شؤون البلدات والقرى الداخلية يقوم أفراد الميليشيات بإقامة نقاط تفتيش تحت ذريعة حماية الأمن ولكنها تكون غطاء لفرض الضريبة على البضائع الداخلة والخارجة. ونظراً لأن رواتب الجنود منخفضة وتتأخر لشهور تعتبر الحواجز العسكرية طريقة جيدة لتحقيق الربح.
ويقول محمد من قرية حمام العليل التي استعادتها الحكومة إنه تعرض للإبتزاز عندما أراد إحضار أجهزة لمحل الحلاقة الذي فتحه.
ويرى محمد إن القوات «ليست مسلمة ولا عراقية بل هي مافيا». ويعلق الكاتب أن استغلال السلطة من جماعات يفترض أنها توفر الحماية للسكان يهدد بتشويه صورة الجيش كمحرر. ويحذر البعض أنه في حالة عدم توقف القوات عن ابتزاز السكان فإن السخط سيقود إلى نفس الوضع الذي سمح لتنظيم «الدولة» السيطرة عام 2014.
خلايا نائمة
وذكّر فلورين نيهوف بتقرير نشره موقع «ديلي بيست» بمخاطر الخلايا النائمة للتنظيم في شرقي الموصل.
وأشار إلى الهجوم الإنتحاري الذي نفذ على مطعم «سيدتي الجميلة» بحي الزهور- شرقي الموصل. ودمر الإنفجار المطعم من الداخل وقتل موظفا وزبائن كانوا يأكلون الكباب والسلطة والشوربة في واحد من أشهر مطاعم المدينة. فموقعه المتميز وسمعة طعامه جعلته مقصداً للمدنيين والجنود الذين ارتادوه بحثاً عن وجباته المتنوعة.
ويقول إن مقتل أحد اصحاب المطعم أثار مشاعر السخط ليس بين سكان المدينة ولكن في العراق وخارجه الذين شعروا أن الخطر لا يزال كامنا بينهم. ولا يعد الهجوم على مطعم «سيدتي الجميلة» الأول من نوعه حيث يحاول الجهاديون عودة الحياة إلى طبيعتها.
ففي كانون الأول/ديسمبر 2016 تم تفجير ثلاث سيارات مخفخة في جنازة وقتل فيها 23 شخصا. ومع إعلان الحكومة عن نهاية العمليات العسكرية في شرقي المدينة إلا أن التفجيرات تؤكد مخاطر «الخلايا النائمة».
ويقول مسؤول في شرطة نينوى «هناك الكثير من الخلايا في الموصل أكثر مما كان قبل الإحتلال وعندما شاهد السكان البلاد تقع تحت سيطرة داعش شعروا أن الحكومة لن تستعيد السيطرة عليها ولهذا انضموا إلى التنظيم».
فبعد سيطرتهم على الموصل قام الإرهابيون بملاحقة وقتل عناصر الشرطة ورمي جثثهم في مقابر جماعية.
وكان عدد عناصر الشرطة قبل حزيران/يونيو 2014 حوالي 28.000 شرطي، لم يبق منهم سوى 6.000 عنصر في صفوف شرطة محافظة نينوى. وتم تدريب الذين فروا من حكم تنظيم «الدولة» على يد الأستراليين والإسبانيين في معسكرات ببغداد والكوت وديالا.
وأكمل 1.700 عنصر تدريباتهم في بغداد وسيتم نشرهم في الموصل. وكان الجيش والشرطة في فترة ما قبل تنظيم «الدولة» يتمتعون بسمعة غير جيدة ويشار إليهم بجيش المالكي حيث مارسوا التمييز واضطهاد سكان المدينة ذات الغالبية السنّية.
ولهذا السبب فالميليشيات المرابطة في شرق الموصل تتمتع بسمعة سيئة في سجل انتهاكات حقوق الإنسان. ويشير مسؤول أمني إلى أن سقوط الموصل عام 2014 كان سياسيا وليس عسكريا.