نذر علي الحوات تحقق، نذر علي الحوات تحقق، لقد اصطاد سمكة تزن سبعين رطلا، لم ير أحد مثلها في الوادي منذ جرى الماء فيه.
لم يغادر علي الحوات مكانه في الوادي، هذه ثلاثة أيام وأربع ليال. كلما قذف بالصنارة في الماء هتف: «أجمل سمكة اصطادها وتكون في مقام مولاي صاحب الجلالة، أنذرها له احتفاء بنجاته».
في اليوم الأول اصطاد سمكة تزن عشرين رطلا، فاستصغرها. لم يعرف وادينا سمكا من هذا النوع.
في اليوم الثاني اصطاد سمكة تزن أربعين رطلا، فقال إنها ليست في مقام الهدايا التي توجه إلى جلالته.
في اليوم الثالث رآها.
انحدرت مع الشلال تفج الوادي متهادية، وعندما بلغته وثبت عدة وثبات جميلة وغاصت. كانت مزيجا من الألوان، حمراء وصفراء وفضية.
ـ هذه سمكة جلالته.
تمتم علي الحوات وقذف بالصنارة غير مبال بصغرها، أو بضعف الخيط الذي يشدها.
اختفت السمكة وزاغ بصر علي الحوات خلفها. كان واثقا من أنها له، وأنها سمكة سلطانية، أرسلها الغيب هبة له عن طيبة قلبه، وعن طبعه الخير.
فجأة وثبت السمكة في أسفل الوادي عند المنحنى، وثبتها الجميلة، ثم راحت تصعد في تثاقل. التفت علي الحوات إلى من حوله، وهتف:
ـ دعوني معها. أرجوكم. دعوني معها. هنالك شيء تدبره الأقدار ينبغي أن نساعد جميعا على تحقيقه.
انصرف جميع من كان حوله بسرعة، وبقي علي الحوات وحده يحدق في الماء الأزرق، متطلعا إليها.
سمكته الجميلة.
وإن هي إلا لحظات قلائل، حتى ارتفع صوت علي الحوات مدويا في الوادي:
ـ فليكن.
كانت منبسطة عند قدميه، في طول يزيد عن المتر، وعرض يزيد عن ربع المتر. متدثرة بردائه. بينما كان هو يرتجف، وكأنما يعتريه الخوف، أو الصرع.
يقال إنها، عندما وصلت أمامه، تحدثت إليه.
يقال إنها أعطته بعض أوامر، قبل أن تغوص في الماء باحثة عن الصنارة.
يقال إنها لم تلفظ شيئا، إنما ظلت تذهب وتجيء، وكلما كانت أمامه، وثبت إلى فوق، وحدقت فيه مليا.
السمك يعرف أصحابه، والسمك يعرف الطعم الذي ينبغي أن يأكله.
لا. يقال إنها سمكة مسحورة، حملتها جنيات من نهر الأبكار، ورمتها في وادينا، بعد أن أعطتها التوصيات اللازمة لمساعدة علي الحوات.
نعم إن وادينا لم يعرف سمكا يزيد على ثمانية أرطال وهذه تزن سبعين رطلا، ثم إن ألوانها التي لا يمكن حصرها، أو تمييزها، ليست ألوانا عادية.
لو لم تكن من نهر الأبكار، ولو لم تكن مسحورة أتت بها جنيات خيّرات لمساعدة علي الحوات. كيف يمكن اصطيادها بمثل الصنارة التي كان علي الحوات يصطاد بها.
يقال أيضا إن علي الحوات أغمي عليه، حالما رأى الشاهد يهتز، ولم يستعد وعيه إلا بعد أن كانت سمكة نهر الأبكار بين قدميه تتنفس كالإنسان. وتبحلق كالعجل، ولا تحاول كبقية الأسماك العودة إلى الماء.
يقال، إن حوارا دار بينها وبين علي الحوات، قال لها:
ـ أعلم أنك لست من هذا الوادي، وأن المقادير هي التي أرسلتك فافعلي أيتها السمكة الجميلة ما أٌمرت به .
ـ يا علي الحوات. هل تعلم ما تخبئه لك الأقدار؟
سألته فأجابها:
ـ كل ما أعلمه هو أن جلالته تعرض لاعتداء، وأنه نجا، وأنا بصفتي أحد رعاياه الخيرين، يتوجب علي أن أعبر عن امتناني وسروري بنجاته.
ـ يا علي الحوات لقد دأبت قريتك على تفادي كل مسألة تتعلق بالقصر. فلِمَ تخالف، وتوجب على نفسك، ربما، ما لا تطيقه.
ـ أيتها السمكة الجميلة، لتكن مشيئة الأقدار، فإنني لا أستطيع أبدا أن أتراجع عن قراري.
لقد نذرت أجمل سمكة لمولاي السلطان، وسألبي. سأنتظر أسبوعا. وسأجدد بعد انقضائه نذرا آخر لمدة أسبوع، وسأنتظر. سأظل أنتظر، حتى أصطاد أجمل سمكة، أصطادك أنت أو واحدة تشبهك.
ـ ولم كل هذا العناء يا علي الحوات؟
ـ هذا طبعي وهذا أنا، إنني خيّر من الصغر، وسأظل خيرا ما استطعت. لقد اختارتني الأقدار من بين إخوتي لأمثل الخير، وأعتقد أن هذه الأقدار نفسها هي التي اختارتني لتمثيل القرية التي قطعت صلتها بالقصر، في الاحتفال بسلامة جلالته، دام حفظه ودامت رعايته وسلامته.
ـ سآتي معك يا علي الحوات إلى القصر، وسأظل حية، حتى أصل سالمة فلا تُتهم بأنك تحاول تسميم جلالته. كل ما أشترطه. بل شرط المقادير علينا معنا، يا علي الحوات، هو أن تعيدني إلى هذا الوادي في حالة ما إذا لم أصل مطبخ صاحب الجلالة. لا تزال أمامي مهام في وادي الأبكار، فعلي أن أعود، أن أنفذ مهمتي، في واديكم هذا.
ـ وهل تعتقدين يا سمكتي العزيزة، أنه يمكن أن تعترض مهمتك معي بعض العوائق.
-لا تسال كثيرا يا علي الحوات، لك قلبك، وهو أدرى بكل شيء. إن حدثك خيرا فخير، وإن حدثك سوءا فسوء. لقد اخترت أن تصعد إلى القصر، فافعل ما اخترت، أنا جئت من وادي الأبكار. محمولة بين ذراعي جنيات فاضلات. كل ما أمرت به، هو أن أصعد إلى الحافة وأتمدد عند قدميك، وها أنني فاعلة.
ظل الناس يتحدثون عن علي الحوات وسمكته، كل بما سمعه، أو بما أبدعه خياله، مضيفا ما استطاع إلى الرواية التي بلغته، في حين لزم علي الحوات الصمت التام.
كأنما هو منهمك في التفكير بمشاكل العالم أجمع. وعندما دخل القرية لم يرد على سؤال أحد واتجه مباشرة إلى كوخه حيث قضى بقية ليلته.
فصل من رواية «الحوات والقصر»، 1974
عميد الرواية الجزائرية
ولد الروائي الجزائري الطاهر وطار (1936ـ2010) في بيئة ريفية أمازيغية، تجمع الحسّ الوطني العالي ضد الاستعمار الفرنسي، والانتماء الإسلامي العميق دون تشدد، والوجاهة الاجتماعية العالية. كان جدّه هو المضيف الأكرم لعابري السبيل، والمبادر إلى افتتاح كتّاب لتعليم القرآن مجاناً؛ وفي توصيف هذه البيئة، التي سيكون لها الأثر الأعمق على كتاباته، يقول وطار إنه ورث الكرم والأنفة عن جدّه، والزهد والتواضع عن أبيه، والطموح والحساسية المرهفة عن أمّه، والزهو والفنّ عن خاله.
أمّا السياسة، التي شكّلت الشطر الثاني من اهتماماته، بعد الأدب، فقد وفدت إليه مبكرة من خلال احتكاكه بزملائه في جامع الزيتونة، حيث رحل إلى تونس سنة 1952 بقصد الدراسة، فانضمّ إلى جبهة التحرير الجزائرية وبقي يناضل في صفوفها حتى سنة 1984، حين غادرها بعد خلافات، وبعد قيام السلطات بإغلاق صحيفة «الشعب» التي كان يصدرها، على خلفية تحويلها إلى منبر للمثقفين اليساريين. كذلك كانت الماركسية قد استهوته، في مرحلة مبكرة ورغم وجوده في «جبهة التحرير»، الأمر الذي أدّى إلى صدامات متقطعة مع السلطة؛ لعلّ أبرزها معارضته لانقلاب 1965، ورفض إلغاء انتخابات 1992، والاحتجاج على الاعتقالات التعسفية لآلاف الشبان الجزائريين.
ولا مبالغة، كبيرة، في افتراضات نقدية تذهب إلى أنّ بعض روايات وطار كانت، إلى جانب التقاط منعطفات حاسمة في الحياة الاجتماعية الجزائرية، إنما تعكس أيضاً موقف الروائي تجاه منعطفات سياسية: «الزلزال»، 1974، انتقدت برامج الإصلاح الزراعي؛ والقصة القصيرة «الزنجية والضابط»، 1974، نقلت إلى ميدان السرد خلاف وطار السياسي مع الرئيس هواري بومدين، إلى درجة أنّ الأخير أبدى انزعاجه منها (كما يروي أحمد طالب الإبراهيمي في مذكراته).
ومع إفراد مكانة خاصة لأعمال عبد الحميد بن هدوقة، وخاصة روايته الرائدة «ريح الجنوب»، 1971؛ فإنّ مكانة عميد الرواية الجزائرية حُسمت، بإجماع عريض، للطاهر وطار، الذي رحل عن 11 رواية، بينها «اللاز»، و»الزلزال» 1974؛ و»عرس بغل»، و»العشق والموت في الزمن الحراشي»، 1983؛ و»تجربة في العشق»، 1989؛ كما ترك ثلاث مجموعات في القصة القصيرة، وثلاث مسرحيات.
نصّ: الطاهر وطار