الحوار المتصل والعروج على موقف العثمانيين من العرب

اعتماد الاقصاء والصدام والعسكرة نهجا بديلا عن العمل وفق الثوابت الوطنية والقواسم المشتركة وتكافؤ المصالح المشروعة، والبعد عن مآلات الفساد ومواطن الانحراف، كثيرا ما يؤدي إلى الأحادية في التعامل مع الأحداث والمتغيرات، وتحذر قوى سياسية واجتماعية وكثير من المثقفين من الوقوع في شراك الاستقطاب الأحادي تحت إغراء هذه النظرية أو تلك.
وقد واجهت موقفا في شبابي، كانت له دلالات؛ وقتها كنت مشاركا في إعداد وتنفيذ برامج تثقيف وتأهيل الشباب سياسيا؛ بالتدريب والتوجيه السياسي وحلقات النقاش والحوار الفعال.. وكنت أتقاسم العمل مع زميل يتولى المسؤولية الأولى وأتولى المسؤولية الثانية معه؛ كنا على موعد مع موفد من المكتب الفني للجنة التنفيذية العليا للثقافة والفكر والإعلام؛ لبحث ملاحظات أُبدِيَت على مواد التثقيف التي تم اعتمادها بعد نكسة 1967، وكنا قد استشعرنا أثرها السلبي على الأوضاع الداخلية في ذلك الوقت..
كانت هناك مواد صريحة ومباشرة في موقفها من تأجيل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتجميدها؛ أي تعطيل التنمية في كل المجالات.. بما قد يفهم منه أن أهداف الحرب الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية والنفسية تحققت.. وكان رأي الشباب أنه أمر لا يستقيم مع رفض الشعب للهزيمة، ولا يستجيب لمطالب الجماهير التي خرجت بالملايين تهتف بإصرار شديد وحماس بالغ: «حنحارب.. حنحارب»، وعزمها على تحمل عبء استمرار المواجهة، والانخراط سريعا في المقاومة والعمل لإزالة آثار العدوان.. واعتبار ما حدث في 5 حزيران/يونيو جولة تتبعها جولات حتى النصر وتحرير الأرض..
جاء الموفد المكلف بالتعرف على وجهة نظر السكرتارية المركزية للتثقيف في منظمة الشباب، وينقلها للجنة العليا.. وكانت الجلسة قاصرة على ثلاثتنا؛ الموفد والزميل وكاتب هذه السطور.. وبدأ الموفد بالقول بعدم توقعه الوصول إلى نتيجة.. وكأنه جاء بموقف مسبق، وكان طبيعيا أن يُثار سؤال عن السبب.. وكانت الإجابة مفاجئة، وهي أن السكرتارية المركزية لتثقيف الشباب لا تأخذ بـ«التحليل المادي للتاريخ».. وما كان مني إلا أن بادرت: إذا كان الأمر كذلك لماذا هذا الاجتماع إذن؟ وانتهى الاجتماع قبل أن يبدأ.. ومن يومها تكشفت معضلة “النظرة الأحادية” وعجز أصحابها عن رأب الصدع أو التوصل لحل الخلاف.. وما زلت على قناعة بصواب رأي الشباب وسلامته في تلك المرحلة من تاريخ مصر.
وهذه مقدمة لها علاقة بالحوار الدائر على هذه الصفحة للاسبوع الثالث على التوالي حول فكرة «الوطن العربي الكبير» أو «الشرق العربي الجديد» وكنا انتهينا في الأسبوع الماضي بعبارة وردت في تعليق استاذ الطب د. محمود عبد الغني‫:‬ «غالبا مفيش فايدة».. وبدأ حيثياته فوصف العروبة والوحدة والقومية بـ«اشياء اتفقت عليها الشعوب وخانها وباعها الحكام علي مدي التاريخ العربي الحافل بالجرائم والخيانات المتتالية» وربط ذلك بسقوط الإمبراطورية العثمانية، وتصوره لرعاياها وهم يتحركون دون تصريح او حدود او وثيقة سفر. وعلق «كان هذا عهدا قديما ومضى وولى، ويبدو أنه لارجعة له»!.. وبدا الأمر ملتبسا حول تحميل العرب (كل العرب) مسؤولية سقوط الامبراطورية العثمانية!!.
وقائع التاريخ تقول بأن العرب وقعوا تحت نير الاحتلال والاستيطان والاستعمار وكانوا في الوقت نفسه يخضعون لحكم الامبراطورية العثمانية من قبل الحملة الفرنسية على مصر والشام 1798، وقبل وصول الاستيطان الفرنسي للجزائر عام 1830، وقبل سقوط الامبراطورية بحوالي قرن.. واكتمل احتلال الوطن العربي كله تقريبا في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
واستعان د. عبد الغني في تحديد موقفه بما جاء في مذكرات رجال المخابرات البريطانية، وما تضمنه كتاب »أعمدة الحكمة السبعة» لتوماس إدوارد لورنس (لورنس العرب).. وإبادة الفيلق «التركي»، وإن كانت التسمية ليست بالدقة الكافية.. فقد كان الفيلق عثمانيا؛ مكونا من عناصر وقوات من الشركس والشيشان والألبان والكرد والعرب وغيرهم، ولم يكن تركيا خالصا.. وإذا كانت النية الحسنة تستهدف رد الاعتبار للأتراك فلا يكون ذلك دون معالجة الآثار التي ترتبت على جور ودموية سلاطين بني عثمان، أو دون إعادة الأراضي العربية التي في حوزة تركيا.. وتعويض أسر الضحايا.
ومن اطلع على كتاب «الأمة المشلولة» يتعرف على جانب من أسباب الانحطاط العربي، التي كشف عنها مؤلف الكتاب محيي الدين صبحي والدور العثماني في هذا الصدد، وحرمان العرب عن التزود بالثقافة والعلوم والفنون، وقد احتكرها الأتراك لأنفسهم، وفي وقت استعانوا فيه بالفرس في تنظيم الدواوين وفنون الإدارة.. تركوا العرب لتلاوة القرآن الكريم والوعظ وخطب المنابر المكتوبة لا غير!!.
وضمن سياق وصف العرب بالخيانة وتحميلهم مسؤولية «سقوط الدولة الواحدة الممتدة من المحيط الي الخليج ومن الهند الي جبال الألب».. وذكر أن العرب فقد سقطوا سقوطا مدويا «في بئر الخيانة»!! كما جاء في التعقيب. وألصقت جريمة اغتصاب فلسطين بـ«العرب وخياناتهم».. وكأنها لم تكن جزءا من أراضيهم.. أو أنها لم تكن وديعة لدى العثمانيين، وكأن هذه الجريمة البشعة تمت من خلف ظهر سلاطين آل عثمان. وحتى الحركة الصهيونية لم تنشأ خارج الأملاك والأحوزة العثمانية، وكانت نشطة داخلها!!.
استعان د. محمود عبد الغني بمذكرات الملك فيصل ابن الشريف حسين حاكم الأردن!، وفي الحقيقة أنه كان ملكا على العراق وليس الأردن، وكان شقيقه عبد الله أميرا لشرق الأردن.. والتاريخ يشير إلى أن تقسيم العرب تم بإغراءات ورشاوى وتدخلات وضغوط سافرة من الامبراطوريات الغربية، التي استغلت الفساد العثماني، وقوة الانتداب البريطاني والاستيطان الفرنسي وزراعة الدولة الصهيونية، والاختراقات والتدخلات وضغط القواعد الأجنبية والأمريكية.
حُمِّل العرب مسؤولية توغل الصهاينة وتأسيسهم المستوطنات في الأراضي الفلسطينية طبقا لاتفاق وقع سرا بين فيصل (أعتقد أنه يقصد الأمير عبدالله) حاكم الأردن وحاييم وايزمان وغولدا مائير (ومصدر هذه المعلومة مذكرات الملك فيصل بن الشريف حسين) كما أوردها د. عبد الغني. بجانب إرجاع ما ذكره عن توريط مصر في حرب فلسطين إلي وعد يتم بمقتضاه قيام جيوش ألأردن والعراق ومصر بالعمل معا في حرب 1948، ومع وصول الجيش المصري انسحب الجيشان الأردني والعراقي؛ تاركين الجيش المصري «ليتم حصاره في الفلوجة».. وهذه نتيجة طبيعية لحرب قاد «الفيلق العربي» فيها جلوب باشا؛ الجنرال البريطاني “المستعْرِب” الذي حاز شهرة لورنس العرب. وكان للبطل أحمد عبد العزيز عبارة بالغة الدلالة حين رد على سؤال: «كيف تُهزَمون وأنتم سبعة جيوش عربية».. قال: «هُزمنا لأننا كنا سبعة جيوش عربية»!!.
والإشكالية تتلخص فيمن ينظر إلى وجه واحد للعُملة دون وجهها الآخر؛ حتى القمر الذي يتغنى به القوم له وجهان؛ أحدهما مضيء والثاني معتم‫..‬ وهكذا لا يمكن التعامل مع التاريخ وتفسيره اعتمادا على عامل أو بعد ووجه واحد لوقائعة أو أحداثه‫..‬ فلا التفسير المادي وحده يأمن ‫«‬مكر التاريخ‫»‬، ولا يقدر التفسير المثالي على الارتكان إلى العقل وحده لحل ألغاز التاريخ العديدة‫..‬
وكان من أبرز الفلاسفة والعلماء في القرن التاسع عشر اثنان ظهرا في حقبة قريبة نسبيا؛ هما جورج هيغل وكارل ماركس‫؛‬ وكانا على طرفي نقيض. فالأول اعتبر أن الفكر هو الذي يحدد المادة بينما، ورأى ماركس العكس ان المادة هي التي تنتج الفكر، وسميت فلسفة هيغل بـ‫«المثالية التاريخية‫»‬ وعرفت فلسفة ماركس بـ‫«‬المادية التاريخية»‬.‫.‬ والوضع الآن استقر على أن كل أتباع وتلاميذ كل منهما يقفون في نفس المكان لا يبرحونه رغم ملكاتهم وقدراتهم الذهنية الفذة.
حوارنا متصل حول نفس القضية التي ما زالت تثير الجدل، وما زالت أصداؤها تصل تباعا‫.‬

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية