تعز ـ «القدس العربي»: ذكرت مصادر سياسية أن العاصمة اليمنية صنعاء شهدت خلال الأيام القليلة الماضية حملة (تجريف) واسعة واستئصال لقيادات حزب المؤتمر الشعبي العام من المشهد السياسي، منذ إعلان جماعة الحوثي المسلحة عن قتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح الإثنين الماضي، وقتل أو اعتقال بعض أفراد عائلته وبعض قيادات حزب المؤتمر الذي كان يرأسه.
وذكرت أن الوضع الأمني لقيادات حزب المؤتمر في العاصمة صنعاء يعد «أصعب وأسوأ مما يتصوره المتابع عن بُعد، حيث تحوّلت المدينة إلى سجن كبير لأتباع حزب المؤتمر الشعبي العام، ومناصريه وبالذات القيادات البارزة والمعروفة في مختلف المواقع الحزبية».
وأكدت أن قيادة حزب المؤتمر «أصبحت هدفا مباشرا لمسلحي جماعة الحوثي بعد مقتل صالح وفي مرمى نيرانهم خلال الأيام الماضية، وأن الحوثيين تحوّلوا من مقاتلة القوات الحكومية إلى الانتقام من قيادات حزب المؤتمر دون استثناء».
وكشفت أن «المسلحين الحوثيين بالغوا في الانتقام من صالح ومن أفراد عائلته والمقربين منه أو الموالين له، من القيادات العسكرية والسياسية لدرجة أنهم رفضوا حتى الآن تسليم جثته لمن تبقى من أهله وذويه من الدرجة الثانية، ولم يسمحوا حتى بإقامة مجلس عزاء في مقتله بصنعاء أو في مسقط رأسه، في بلدة سنحان، التي لا تبعد عن العاصمة صنعاء سوى بنحو 35 كيلو مترا».
مشيرة إلى أنهم كتموا على أنفاس أقرباء صالح وأتباعه حتى أنهم لم يسمحوا لهم بإظهار أي تعاطف أو إبراز حالة الحزن على مقتله، لا في الشارع ولا في بيوتهم ولا حتى في وسائل التواصل الاجتماعي. «وبالغوا في الإفراط في كتم أنفاس الموالين لصالح، بحيث أنه لم يتمكن حزب المؤتمر من ذكر جماعة الحوثيين كقتلة لصالح في بيان النعي المتواضع لمقتله، كما لم يستطع كذلك نجله الأكبر أحمد علي تسمية الحوثيين صراحة كقتلة لوالده في رسالة النعي التي نشرها الجمعة بعد نحو 4 أيام من مقتل والده»، وفقا لهذه المصادر.
العاصمة اليمنية صنعاء تحوّلت إلى كابوس بكل ما تحمله الكلمة من معنى لأتباع الرئيس السابق علي صالح السياسيين والعسكريين، حيث حملات المداهمات الحوثية للبيوت والاعتقالات للشخصيات الموالية لصالح على أشدها، ولم تستثن ميليشيا الحوثي أي شخص له نفوذ أو حضور مجتمعي محسوب أو موالي لصالح في حملتها القمعية، دون مراعات للعادات والتقاليد المجتمعية أو للقيم الدينية والإنسانية أو كبر السن أو المرض ولم يفرقوا بين رجل وامرأة، وفقا لمصادر عديدة تمكنت «القدس العربي» من التواصل معها بصعوبة بالغة.
وقالت إحدى القيادات السياسية الموالية للرئيس صالح بحرقة وحزن «أُصبنا باليُتم بعد مقتل الزعيم علي عبدالله صالح، حيث أذلّنا الحوثيون وأهانونا لدرجة أنهم يقتحمون بيوتنا ويفتشون نساءنا ويفتشون كل شيء فيه بما في ذلك هواتفنا النقالة التي أصبحت محتوياتها من رسائل وصور تعد أدلة جنائية ضد صاحبه إذا كان مضمونها مؤيدا لصالح أو متعاطفا مع حالة القتل التي تعرض لها الأسبوع الماضي».
وأوضحت أن «أغلب قيادات وأعضاء حزب المؤتمر البارزين والمعروفين من مختلف المواقع الحزبية في صنعاء أصبحوا إما في عداد القتلى أو في المعتقلات، أو مخفيين قسريا أو أجبروا على التخفّي والتواري عن الأنظار في ظل الإغلاق التام للعاصمة صنعاء التي حالت دون قدرتهم على الهرب إلى خارجها». المشهد السياسي والأمني لقيادات حزب المؤتمر وأنصاره أصبح قاتما بعد مقتل صالح، ليس في العاصمة صنعاء فحسب ولكن أيضا في كافة المدن والمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون باليمن، نظرا لاعتبار الحوثيين أن صالح انقلب عليهم بمد يده لقوات التحالف قبيل مقتله، وبالتالي يصير كل مناصر له متفقا على الخيانة التي ارتكبها قبل مقتله، والتي يشيعون أنها المبرر لإقدامهم على قتله بهذه الطريقة الشنيعة.
ولم تكن القبضة الحديدية التي فرضتها ميليشيا الحوثي على صنعاء وبقية المناطق والمحافظات التي تقع تحت سيطرتها إلا إحدى أسلحتها الفتاكة لاستلاب بقايا السلطة من حزب المؤتمر لوراثتها بقوة السلاح، وإجبار كافة قياداته السياسية على الانخراط أو الانضواء في إطار جماعة الحوثي، رغم البون الشاسع في معتقدات الطرفين، حيث تقوم الجماعة على أساس (الحق الإلهي) في الاستئثار بالسلطة وتعتقد أنها صاحبة الحق فقط بحكم البلاد بموجب (سلالتها الهاشمية) بينما يقوم حزب المؤتمر على أسس الديمقراطية والانتخابات للوصول إلى الحكم.
وفي ظل هذا الواقع المرير اضطر حزب المؤتمر إلى التواري عن المشهد العام في صنعاء حتى اللحظة، بفعل الصدمة الأولى وحملات القمع المرعبة التي تتعرض له قياداته وأتباعه ويجبرون على الالتحاق بجماعة الحوثي أو الإعلان عن مواقف تخوين لصالح، وشعر في ظل ذلك كل قيادي سياسي مؤتمري أنه أمام مواجهة مباشرة مع ميليشيا الحوثي كـ(شخص) بمفرده وليس كـ(كيان) حزبي، وأنه لو كان الكيان الحزبي ما زال قويا ومتماسكا لاستطاع من خلال أدواته العسكرية الوقوف إلى جانب علي صالح وحمايته وإنقاذه من الحالة المأساوية التي تعرض لها وانتهت بمقتله.