القادم إلى غزة والعابر لحدود البؤس الاحتلالية، يستثيره هواء الساحل وجنون إسرائيل التي حولت ما قبل الحدود إلى جنة أرضية تسكنها بيارات البرتقال وزهرات عباد الشمس وسنابل القمح الجاهزة للحصاد والحقول الخضراء، بينما حولت ما بعد حدود القهر إلى ركام وكثبان وجحيم.
العمر في غزة يفتقد لمقومات الحياة كما يريدها الناس في عصر المعلومات والفضائيات والتطور البشري والحضري، لكنه يبقى متوجا بحياة أخرى عنوانها الصبر والتحدي والصمود. صبر وتحد وصمود لا يشكل مجتمعا مفتوحا لأحد.
فالخطب الرنانة وخطابات اللحظة لم تعد تنفع الناس، فالشعارات لا تطعم جائعا ولا تسند يتيما ولا تبني منزلا ولا تعمر مدرسة ولا مشفى ولا حتى كوخا.
الناس في غزة ضاقت من الشعارات أيا كانت مصادرها، كما ملت الوعود والعهود والاتفاقيات وفشلها وانكفائها وتدهورها وانهيارها، بصورة فقدت معها الحس تجاه أي من الوعود. الناس هناك لا تؤمن إلا بالنتائج وبالأفعال ولا تحرك مشاعرها أي من التصريحات والوعود. اولويات الناس في غزة وأمام تراكم الانكفاءات تقزمت وتقزمت معها الحياة، إلى تصريح ومعبر ومساعدات تهبط من هنا وهناك. حياة لم تعد تمس كرامات الناس، بل باتت تدفعهم للسؤال عن جدواها وأهميتها ومدى سبل البقاء المحفوف بالشقاء. ومع ذلك فهي كفيلة بإعطاء الجميع شحنة ضخمة من الأمل والعزيمة رغم ضيق العيش وبؤس الحال.
غزة تبحث عن انتصار لكنه لم يعد انتصارا محصورا على الرغبة في الخلاص من المحتل، بل تبحث وبإلحاح شديد عن الانتصار العاجل على فراق الأشقاء وتمزق لحمتهم وانكفاء محاولاتهم للوحدة والتوحد والتركيز على السبب الأسمى الذي من أجله وجدت كل الفصائل الفلسطينية واستمرت: هدف إنهاء الاحتلال والخلاص منه. الناس في غزة تشرب الملح الذي يأتيها عبر صنابير جففت، ونتيجة الكثافة السكانية المياه العذبة وباتت تنقل عبر الأنابيب المتصلة بها ماء قادما من آبار تداخل الملح فيها مع المياه الجوفية، وهي لا تخلو من معدلات عالية للنترات القادمة من المياه العادمة. حياة صمود لكنها حياة بؤس تفطر القلب وتشرخ تجاويفه وكل خلية فيه بصورة لا تعفي معها الناس أحدا من الحاجة للإلحاح على ضرورة إنهاء الانقسام. فإذا كنا قادرين على مقارعة المحتل والانتصار لأهلنا وقيادة ثورات متعاقبة والحفاظ على الهوية، وقادرين على أن نثبت بقاءنا، رغم كل الاغتيال الجغرافي والمكاني الذي تمارسه إسرائيل، وقادرين على تقديم مخزون نضالي معمد بالشهداء والجرحى والأسرى، فإننا حتما قادرون على الانتصار على الانقسام لنكفكف دموع الثكالى وتعود الحياة للحياة. صرخة لمن يقرأ وصرخة أكبر لمن يفهم فيفعل!
٭ كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم