إسطنبول ـ «القدس العربي»: في تمام الدقيقة 09:05 من صباح العاشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1938 أعلن رسمياً وفاة مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، ومنذ ذلك التاريخ يحيي الشعب التركي على نطاق واسع شعبياً ورسمياً هذه المناسبة وسط جدل متجدد حول إرث باني الجمهورية الحديثة ومرسي أسس العلمانية في البلاد.
وكما في كل عام، وعند الساعة التاسعة و5 دقائق أطلقت صفارات الإنذار في جميع أنحاء البلاد، ما ينذر بتوقف الحياة بشكل تام في جميع أرجاء البلاد، حيث توقفت السيارات وجميع وسائل النقل في الطرقات والجسور ومترو الأنفاق ونزل ركابها للوقوف دقيقة صمت إحياءً لذكرى وفاة أتاتورك.
ومع انطلاق صافرات الإنذار، توقفت ملايين السيارات الخاصة وباصات النقل العام في طرقات الجمهورية ونزل ركابها للوقوف دقيقة صمت، وعلى الجسور الثلاثة الممتدة بين شقي مدينة إسطنبول فوق مضيق البوسفور وقفت السيارات ونزل الركاب في مشهد نادر لا يسمح به فوق الجسور في الأيام العادية.
وتحت الأرض، توقفت حركة القطارات وخطوط المترو ووقف الركاب خارج المحطات وداخل عربات النقل لمدة دقيقة، وفي الجو، انتشرت صور على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، لركاب طائرات تركية وهي بالجو وقفوا جميعاً عن مقاعدهم لمدة دقيقة إحياءً للذكرى الـ79 لوفاة مؤسس الجمهورية، وداخل مطار أتاتور وقف جميع المسافرين والعاملين لمدة دقيقة أيضاً.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي التي تصدرتها وسوم إحياء المناسبة ونشرت عليها مئات آلاف التغريدات والمنشورات تصدرت العديد من الفيديوهات والصور اهتمام الشارع التركي، ومنها صوراً لمجموعات من عمال البناء وقفوا دقيقة صمت أثناء عملهم على ارتفاعات شاهقة وفوق آلاتهم الرافعة في مخاطرة كبيرة.
وفي الحقول الزراعية، نشرت صوراً لعشرات الفلاحين من السيدات وكبار السن وقفوا جميعاً دقيقة صمت بهذه المناسبة، فيما قامت جميع المدارس والجامعات ورياض الأطفال بفعاليات واسعة في عموم أنحاء البلاد، وفي المدارس كتب الأطفال اسم أتاتورك ورسموا صورهم بأشكال فنية خطوها بأجسادهم. كما جرى إحياء هذه المناسبة بالوقوف دقيقة صمت في جميع الممثليات والسفارات التركية حول العالم أيضاً، وأطلق اسم أتاتورك على العديد من المواليد الذين خرجوا إلى الحياة، الجمعة، وفي إزمير التي تعتبر أبرز معاقل العلمانية و«الأتاتوركيين» في البلاد نظمت أوسع الفعاليات الشعبية وجرى نشر صور أتاتورك على نطاق واسع من بينها بوستر ضخم بطول 350 متراً.
وفي الغرفة التي فارق فيها الحياة بقصر دولما بهتشه بإسطنبول توافد عشرات آلاف الأتراك الذين اصطفوا في طوابير طويلة وألقوا الورود على سريره الذين توفي عليه عن عمر 57 عاماً بعد صراع مع المرض. يذكر أن أتاتورك ولد في 19 أيار/مايو 1881، في مدينة سيلانيك الواقعة اليوم شرقي اليونان.
وبينما أضافت معظم الفضائيات التركية صورة وجه أتاتورك إلى جانب شعارها وقامت بتغطية كاملة لهذه الذكرى من خلال سرد سيرة حياته، خصصت وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية الموالية والمعارضة للحكومة مساحة واسعة لإحياء هذه المناسبة.
رسمياً، وفي العاصمة أنقرة، زار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، برفقة وفد رسمي، ضريح أتاتورك، حيث وضع إكليلا من الزهور على قبره، ووقف دقيقة صمت برفقة رئيس الأركان، خلوصي أكار، ورؤساء أكبر أحزاب المعارضة التركية.
وفي التدوينة التي كتبها أردوغان في دفتر زوار الضريح، قال: «اليوم نستذكر بكل احترام، وترحم، وإجلال، الذكرى الـ 79 لوفاة، قائد حرب الاستقلال، ومؤسس الجمهورية، وأول رئيس لجمهوريتنا مصطفى كمال أتاتورك»، مضيفاً: «نواصل العمل ليلاً ونهاراً في اتجاه تحقيق هدفه بإيصال تركيا إلى مصاف الحضارة المعاصرة التي نعتبرها واحدة من أهم الموروثات التي تركها لنا أتاتورك».
واستغل أردوغان كلمته في حفل تأبين رسمي أقيم في أنقرة لشن هجوم جديد على حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك بالتأكيد على أن الحزب الحالي لا يمثل أتاتورك، داعياً إلى ضرورة التفريق بين أتاتورك و»الأتاتوركية»، على حد تعبيره.
وقال: «الانقلابيين وقوى الوصاية والمعادون لتاريخ البلاد وقيم الأمة، حاولوا التخفي تحت ستار الأتاتوركية»، واتهم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة باستغلال اسم أتاتورك، مضيفاً: «هناك فرقا بين أتاتورك الذي يحظى بمحبة الأمة، ومفهوم الأتاتوركية، الذي تم صياغته بعد رحيل مؤسس الجمهورية»، مؤكداً على أن «أتاتورك هو من الزعماء الذين قادوا بلادهم إلى التحرير وحققوا انتصارات وإنجازات كبيرة عبر التاريخ».
وجرت جميع هذه الفعاليات وسط إجراءات أمنية مشددة جداً، في ظل خشية السلطات التركية من نية تنظيم الدولة شن هجمات في البلاد، فيما أعلنت السلطات التركية، الجمعة، اعتقال 100 شخص جديد بتهمة الانتماء للتنظيم لينضموا إلى مئات آخرين جرى اعتقالهم في الأيام الماضية بالتهمة نفسها.