لندن ـ «القدس العربي»: تتزايد الأصوات في داخل الولايات المتحدة وخارجها لوضع قوات برية في العراق لمواجهة خطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش».
وفي مقال في صحيفة «صنداي تايمز» لجيمس روبن المسؤول السابق في إدارة بيل كلينتون إن صعود «داعش» مرتبط بقرارين لإدارة باراك أوباما: عدم تسليح المعارضة السورية والإنسحاب من العراق عام 2011.
ويقول إن الكذبة التي اختلقها ديك تشيني لاحتلال العراق عام 2003 وهي دعم صدام حسين للإرهاب أصبحت اليوم حقيقة، فها هو العراق يعاني من تهديد إرهابي، لكن الخطر في تزايده بسبب عدم تعافي القوات العراقية من هزيمتها في الموصل وعدم كفاية الغارات الجوية.
ويرى أن لا الجمهوريين ولا دول التحالف ولا الرأي العام الأمريكي لديهم «العزيمة الصلبة» (اسم العملية ضد داعش) للإنتظار حتى تحقق الحكومة العراقية تقدما، وعليه فيجب البحث عن حلول وبشكل سريع.
وكان مراسل صحيفة «فايننشال تايمز» جيف داير يوم أول أمس السبت قد حلل معالم الضغط على أوباما و»المنحدر الزلق» الذي يجد نفسه يواجهه خاصة مطالب دول التحالف بضرب نظام بشار الأسد في دمشق و»داعش» أيضا وهو ما لا تريده الإدارة في الوقت الحالي.
وظل وضع الأسد في معادلة الحملة الجديدة محلا للرفض من دول عربية مشاركة وتركيا، لكن واشنطن تؤكد على أهمية مواجهة «داعش» أولا.
وعلى ما يبدو فالأسد مستفيد من الحملة الحالية وإن لم يشارك فيها. ففي مقال أعده الكاتب الأمريكي تشارلس غلاس ونشره موقع «نيويورك ريفيو أوف بوكس» تحت عنوان «سوريا التي لا نعرف» قدم صورة عن وضع الأسد اليوم وصور فيه آثار الحرب على الطائفة العلوية والتي سقط العديد من أبنائها لكونهم جنودا في الجيش السوري النظامي. ويبدأ غلاس مقالته بصور شاهدها على تليفون ذكي لفتاة علوية من دمشق،و هي لابن عمها الذي قطع رأسه في الرقة بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على قاعدة الطبقة العسكرية، حيث كانت جثته ملقاة إلى جانب خمسة من رفاقه الذين لاقوا المصير نفسه.
وكان ابن عم الفتاة جنديا في الفرقة الـ 17 من جنود الإحتياط حيث ألقى مقاتلوا «داعش» القبض عليهم في قاعدة الطبقة وأمروهم بالمشي نصف عراة في الصحراء قبل أن يذبحهم، حدث هذا في 24 آب/أغسطس الماضي.
وبعد أيام من المذبحة لقي صحافيان أمريكيان وعاملا إغاثة بريطانيان المصير نفسه، جيمس فولي، ستيفن سوتلوف، ديفيد هينز وألان هيننغ.
حنق في جبال العلويين
ويشير الكاتب إلى أن الحكومة السورية لا تنشر أرقاما حول القتلى من بين جنودها ولا طوائفهم ولكن في جبل العلويين شرق ميناء اللاذقية الذي يعتبر مركز الطائفة العلوية، تركت الحرب آثارها عليهم، من ناحية العدد الكبير من القتلى الذين سقطوا في المعارك مع المعارضة السورية.
ويقول الكاتب إن حياة العلويين في القرى لم تتغير حيث لا يزال يقطنها الفلاحون الفقراء رغم ما يقال عن استفادة الطائفة من سيطرة عائلة الأسد على الحكم منذ أربعين عاما.
صحيح أن بعض التجار العلويين في المدن مثل اللاذقية وطرطوس استفادوا من الوضع لكن هذا ينطبق على السنة والمسيحيين والدروز وغيرهم من مكونات الشعب السوري «وهذا يفسر، حسب مشاهداتي أن نسبة لا يستهان بها من السنة في سوريا الذين يشكلون نسبة 75% من السكان لم يحملوا السلاح ضد النظام، ولو فعلوا هذا لما بقي النظام في الحكم» حتى الآن.
ويتحدث الكاتب عن حالة الحنق التي لاحظها بين العلويين بسبب قتل العديد من أبنائهم الشباب أو إصابتهم بجروح خطيرة أثناء خدمتهم في الجيش أو في الميليشيات التي تدعم النظام. فالعلويون لا خيار أمامهم سوى القتال من أجل النظام كما يقول. كما أن ملاحقة الجهاديين لهم تعني دعمهم للنظام الذي يرفضه الكثيرون منهم ويعارضونه ويلومونه على الورطة التي وضعهم فيها.
وقد زادت مظاهر الحنق على النظام بسبب تداعيات الطبقة، فبعد مقتل ابن عم الفتاة التي تحدث إليها الكاتب تركت جثته وجثث الآخرين في شوارع الرقة، فيما واصل «داعش» حملته وقتل 200 من الجنود السوريين، وعندها كتب أحد المعارضين العلويين على صفحته في «فيسبوك» «الأسد في القصر وأبناؤنا في القبر».
المعارضة السلمية مهمشة
ويقول غلاس إن حالة الإحباط التي يعيشها العلويون تترافق مع التهميش الذي تعانيه حركات اللاعنف التي بدأت الإنتفاضة ضد نظام الأسد «فمقاهي دمشق التي قابلت فيها الناشطين المعادين للأسد في بداية الإنتفاضة فارغة الآن»، فهؤلاء الناشطون إما معتقلون أو فروا من البلاد للمنفى ومن بقي منهم تخلى عن حلم التغيير.
ومثل بقية العلويين الذين يعبرون عن تذمرهم بالسر لا يملك الناشطون السلميون القدرة على التأثير. ويقول ناشط إنه قضى ثلاثة أيام في السجن كانت تشبه ثلاثة أيام في جهنم، وبعدها «عدت لوظيفتي وتركت السياسة»، ويخاف هذا الناشط من داعش أكثر من قوات الأمن ويحاول تجنب الطرفين.
ويكتب غلاس عن مشكلة المعارضة «المعتدلة» التي بنت كل استراتيجيتها على تدخل غربي على غرار تدخله في ليبيا، وعندما لم يحدث هذا في سوريا لم يكن لدى الجيش السوري الحر ولا أطراف المعارضة خطة بديلة كما أشار باتريك كوكبيرن، الصحافي في صحيفة «إندبندنت» في كتابه الجديد «عودة الجهاد: داعش والإنتفاضة السنية الجديدة»، فبدون دعم جوي تحولت الحرب بين النظام من جهة والجيش السوري الحر إلى حالة من الجمود.
وهنا تكرر الوضع فقد حل «داعش» محل الجيش السوري الحر، وهذا الأخير صعد بعد فشل التظاهرات السلمية. وعلى خلاف الجيش الحر، فقد أظهر قدرات عالية وقسوة وقدرات مالية، واعتمد على الهجمات المفاجئة.
وحقق «داعش» ما لم يستطع الجيش الحر تحقيقه وهو جر الولايات المتحدة إلى سوريا والعراق، ولكن ليس بالطريقة التي كانت تريدها المعارضة السورية أي التدخل للإطاحة بنظام بشار الأسد.
ويعلق غلاس الذي غادر دمشق قبل بدء الغارات التي استهدفت مواقع ل «جبهة النصرة» وتنظيما لم يكن معروفا وهو «خراسان» أن نظام الأسد يأمل بتحوله لحليف سري للولايات المتحدة التي عملت كل جهدها للإطاحة به.
العلاقات الأمريكية – السورية
ورغم تأكيد الولايات المتحدة أن لا دور للأسد في الحملة الحالية ضد «داعش» إلا أن اتصالات بين النظام والولايات المتحدة حدثت في حزيران/يونيو في أوسلو عندما التقت بثينة شعبان مستشارة الرئيس الأسد، الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر ومساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق جيفري فيلتمان في أوسلو.
وكان فيلتمان يحضر مؤتمرا بصفته مسؤولا في الأمم المتحدة ولكن لديه صلاته مع الخارجية.
ونقل بعض الحاضرين للقائه مع شعبان «نعرف أن الأسد سيبقى في الحكم، وتعرفين ما قاله الرئيس أوباما، فكيف سنحل المشكلة؟ فبعد ثلاثة أعوام من دعوة الرئيس الأمريكي لرحيل الأسد، فلا يعرف كيف سيفسر أوباما بقاء النظام السوري». ويرى الكاتب أن ما تحدث به أوباما هو صورة عن طبيعة العلاقة الأمريكية ـ السورية من العداء إلى التعاون.
ونذكر هنا بالعلاقات في السنوات الأولى لحكم حافظ الأسد التي بدأت في عام 1970 ورفضت فيها إدارة ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر التعاون مع أنظمة تميل نحو الكتلة الشيوعية.
هذا الموقف تغير في أثناء حرب تشرين/أكتوبر 1973 حيث زار كيسنجر دمشق واجتمع مع حافظ الأسد الذي وجده «في السياق السوري معتدلا» وأنه «مال نحو السوفييت كمصدر للمعدات العسكرية، ولم يكن بأي حال عميلا للسوفييت».
وفتحت واشنطن سفارتها في دمشق عام 1974 حيث تمتعت الدولتان بشهر عسل قصير حتى دخول سوريا في لبنان.
ولكن انتصار المقاومة الفلسطينية في لبنان عام 1976 أدت بكيسنجر الطلب مرة أخرى من الأسد التدخل وإنقاذ مسيحيي لبنان.
وحدثت نفس الدورة في العلاقات عام 1982 أثناء الإجتياح الإسرائيلي الذي أخرج القوات السورية من معظم لبنان.
وبعد ذلك بسنوات طلبت إدارة بوش من سوريا العودة مرة أخرى، وتبع ذلك فترة جمود في العلاقات حتى طلب جورج بوش من خلال وزير خارجيته جيمس بيكر من الأسد المشاركة في حرب الخليج الأولى لإخراج صدام من الكويت، وقبل الأسد المشاركة.
وبعد هجمات إيلول/سبتمبر 2011 تعاونت الولايات المتحدة مع سوريا ورحلت عددا من المشتبه بتورطهم بالإرهاب إلى دمشق، وانتهت العلاقة باغتيال رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق في شباط/فبراير 2005 وهو ما أدى لخروج مهين للقوات السورية من لبنان بعد 30 عاما هناك.
نجاة الأسد
مثل والده الذي رحل عام 2000 كانت لدى بشار الفرصة للنجاة والسيطرة على الإنتفاضة التي صورها منذ البداية أنها انتفاضة «متطرفين وإرهابيين يريدون العودة بسوريا إلى العصور المظلمة».
وهنا يصف غلاس الوضع في المدن ذات الكثافة السكانية والواقعة تحت سيطرة الحكومة بالقول «بتحسن منظور مع كل طلعة جوية أمريكية، تعيش دمشق والمدن ذات الكثافة السكانية راحة من الحرب»، ويشير لما قاله وزير التعليم عن عودة الحياة الدراسية إلى 17.000 مدرسة من بين 22.000 مدرسة في مناطق البلاد، وكيف تعمل الأسواق في المدن خاصة السوق في البلدة القديمة الذي يتوفر فيه كل شيء وإن بأسعار مرتفعة، والشيء الوحيد الغائب هو السياح، ولهذا لا يرتاد بوتيكات السياحة في سوق الحميدية سوى العدد القليل من موظفي الأمم المتحدة ومن تبقى من الدبلوماسيين في البلاد.
ويقول إن المطاعم في دمشق تعج بالزبائن. ولا تزال الشوارع مزدحمة بالسيارات وتشهد اختناقات مرورية، وتعاني العاصمة من قطع مستمر للكهرباء ومن لديه الإمكانيات المالية يمكنه استخدام المولدات في الساعات التي تنقطع فيها الكهرباء.
هذا في داخل دمشق أما في الأحياء المحيطة بها فالوضع مختلف، ففي كل صباح كان يسمع صوت المقاتلات السورية في طريقها لقصف مناطق في جوبر التي هرب معظم سكانها، ودمرت بيوتها بالكامل أما مقاتلو المعارضة فيقال إنهم يختبئون في الأنفاق التي حفروها ويطلقون بين الحينة والأخرى قنابل هاون لم يعد أهل دمشق يهتمون بها.
ويعلق الكاتب «يرفض سكان المدينة مشاهدة أو الإستماع للعنف في الأحياء تماما كما تجاهل سكان بيفرلي هيلز الشغب في حي واتس في لوس أنجليس عام 1965 و1992، وأصبح من السهل التظاهر بعدم وجود حرب» إلا في حالة انفجار قنبلة قريبة من السكان ويقتل جراؤها أشخاصا تعرفهم.
ويتذكر الكاتب كيف أصابت مقذوفه صاروخية خزانا للوقود في منطقة أبو رمانة، وكيف تصاعد الدخان ولكن المتسوقين واصلوا نشاطهم وكأن شيئا لم يحدث.
الركوع أو الجوع
جوبر ليست المنطقة الوحيدة بيد المعارضة لكن النظام نجح في عقد اتفاقيات مع مقاتلين في مناطق أخرى.
ويرى مسؤول في الأمم المتحدة شارك في المحادثات إن ما يقوم به النظام هو جزء من الحملة العسكرية ضد المعارضة وتقوم على تقسيم المناطق، عزلها، محاصرتها حتى يفهم المقاتلون أنهم لن يربحوا الحرب ويجب عليهم التفاوض «تطلق المعارضة على هذا «الركوع أو الجوع»، وتستخدم الحكومة عبارة «مصالحة» ونقول إنها «استسلام».
وينقل عن صديق درزي حاول مثل غيره تجنب دعم طرف على طرف قول إن الناس «متعبون» وحتى الذين قاتلوا النظام يريدون المصالحة.
ويقول عامل الإغاثة في الأمم المتحدة إن الوضع في دمشق أكثر هدوءا، مع أن هناك معارك في مناطق أخرى إلى الشمال والشرق من المناطق المأهولة بالسكان.
المشهد من الطريق
ويشير الكاتب لسياسة النظام تأمين الطرق المجاورة للمناطق التي يعتبرها مهمة لنجاته، خاصة طريق دمشق- حمص ـ اللاذقية، فقد تركت الحرب أثرها على المدن والبلدات الواقعة قربها، فحرستا مدمرة وشبه مهجورة، ثم عدرا المدينة الصناعية التي احتلها الجهاديون العام الماضي ثم استعادتها الحكومة.
وفي حمص التي اعتبرت معقل الثورة السورية منذ عام 2011 اضطر المقاتلون للخروج منها بأسلحتهم الخفيفة في أيار/مايو الماضي، واليوم كل حمص تحت سيطرة القوات الحكومية باستثناء حي الوعر المحاصر.
شمالا لحمص، تعيش مدينة حلب حربا مستمرة بين النظام والحكومة، وتتعرض لغارات النظام بالبراميل المتفجرة. ويشير الكاتب للطريق نحو البحر المار عبر قلعة الحصن التي استعادها النظام وكذا منطقة القلمون وبلدة القصير.
ولا تزال الحرب بعيدة عن مدينة طرطوس التي تعج بالحياة والنشاط كما يقول الكاتب، ولا تزال العبارات من المدينة لجزيرة أرواد نشطة حيث يذهب السكان لتناول طعام الغذاء فيها. وفي اللاذقية المشهد نفسه يمتلىء الشاطىء بالناس، وقد تعرضت المدينة لهجوم عندما قام المقاتلون بقصف قرى علوية لكن النظام رد بسرعة.
وهناك مخاوف من حملة يقوم بها «داعش» والجماعات الجهادية الأخرى قد تنهي كل هذا الهدوء بهذه الجيوب الآمنة.
ويقول غلاس إن الكثيرين في سوريا يجدون صعوبة في فهم كيف تتعاون الدول في الخليج التي دعمت هذه الجماعات مع الولايات المتحدة لضربها، وربما شعرت هذه الدول أن هذه الجماعة وغيرها ذهبت بعيدا ولم تعد تشكل خطرا على سوريا بل وعليها وعلى كل المنطقة.
وينقل في النهاية عن دبلوماسي عربي في دمشق صور الخطر الذي بات يمثله «داعش» على من دعموه بأنه «مثل مروض الأسد» «يقوم بإطعام الأسد وتدريبه ولكن الأسد قد يقتله في اللحظة المناسبة». وهذا يصدق على الأسد المتهم هو الآخر بالتحالف مع «داعش» أو تسهيل صعوده.
إبراهيم درويش