«اللي بعيش بتعلم» هكذا يقول المثل والخبرة الشعبية الذي يظهر بنفس ايجابي محاولا التغطية على أن بعض التعلم والدروس تكون قاسية ويدفع فيها المرء من صحته النفسية والجسدية بالذات كلما تقدم به العمر في وقت يحتاج اليه إلى الاستقرار والأمان وحصاد غرس الخبرة التي تعلمها في سنوات الشباب.
إلا أنه بالرغم من العمر والعلم والخبرة والوصول إلى مرحلة النضوج العقلي والرشد الذهني قد يقع الإنسان في فخ التجارب المؤلمة وضحية الاستغلال والخديعة فبعض المعرفة في الشر والألم والكذب وكل مفردات السوء قد تكون نظرية لم يواجهها المرء الا في الكتب والقصص إلى أن يراها متجسدة في شكل انسان تفوق على المكتوب في الكتب خديعة وأذى وحينها لا تغني التجربة النظرية في المقاومة والرد والتجاوز فتقع صريع مثالياتك وتربيتك ونبلك الذي ما زال يقول أن الدنيا بخير وفي الناس أبدال.
لا شيء يمكن أن يؤهلك لتلقي صدمات واختبارات الأذى غير المبرر من الناس، لا حقنة ولا مطعوم ولا حبة دواء يمكن ان تحصنك أوتعطيك مناعة ضد التأثر، ضد الشعور المرير بالخذلان، ضد الرغبة في الثأر مع عدم القدرة، حتى النسيان لا يسعفك أحيانا مع رغبتك الشديدة به فمناطق الألم واسعة المكان وطويلة الأثر في العقل ويكون الأمر اسوأ اذا تداعى له القلب بمزيد من الوجع.
اسوأ ما في هذه التجارب السيئة أنها تفسد بعضا من فطرتك السليمة، من طهرك، من أمانك مع الناس، تجعلك تتكلف ما ليس فيك من شدة وقسوة واهمال ومعاملة بالمثل حتى تطور دفاعاتك الشخصية غير القابلة للاختراق من أناس يحسنون التمثيل والتظاهر ويستغلون طيبة قلبك أو«هبلك» أوسذاجتك الظاهرة عليك والتي تغري المجردين من الضمير باستغلالك وأنت لا تظن بهم الا خيرا، فأصحاب المبادىء صيد سهل لمن يعتبرون البشر فئران تجارب لأهوائهم!
اسوأ ما في هذه التجارب السيئة انها تمتحن إيمانك بقسوة وانت ترى لمن آذاك يدا طولى واستطالة وأنت تلوك خيبة أملك وتعمد إلى الإنكار وتحاول التبرير وتلوم نفسك وتحاول ان تعذرهم مرارا وتكرارا مخافة أن تواجه الحقيقة المرة أنهم خدعوك وآذوك عن سابق ارصاد وترصد.
اسوأ ما في هذه التجارب السيئة ان تأتيك عند الكِبر في المرحلة التي تحتاج فيها إلى السكينة والأنس بالناس وفك الحصار عن قلبك وتسريح جنود عقلك واعطاء إجازة للحذر والتوجس، الم يوص الإسلام بالكبار وتوقيرهم حتى يعطيهم أمانا من كل غوائل الشر ومصائب البشر، أليس الأصل ان يكون المسلم للمسلم أمانا وسَلَما وعضدا؟ فما بال أناس يتقدم بهم العمر وهويسيئون صنعا لغيرهم ولا ينتهون ولا يرعون؟
في زمان لا يتيح لك مجالا للراحة ولا استراحة المحارب سيظل قلبك على حذر وعقلك على وجل وأنت تتوقع الضربة والاساءة حتى من أقرب الناس اليك وممن أنزلتهم السويداء.
ليس من قليل أن أجاب الإمام أحمد عندما سئل «متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال «عند أول قدم يضعها في الجنة».
هناك فقط لا مكان للمنافقين ولا للمتلونين ولا لإخوان العلن أعداء السريرة، ولا لذلقي اللسان خائري العزيمة الذي يعدون كلاما وينكثون فعلا، هناك فقط يوضع العنت والرهبة والحذر اما ما قبل ذلك فلا يحق لنا الشعور بالأمان ولوشاب الشعر وانحنى الظهر وتقلعت الأسنان.
ما أصعب دروس الكِبر وما ألمها ويا ليتنا نتعلم…
د.ديمة طارق طهبوب