«هي الأحرف ذاتُها، تكتُـبُنا إذ نكتُبُها.
فَـلْـنَكْـتُـبْها «الآن»، ولْنَترُك للماضي ما كَـتَـبَه.
يكفيه ما قد وَشَـمَـه فينا حين كَتَـبَـنا ذاتَ ولادة»
بِـاسْــمِ الحَــنـيـن:
لست عاشِقةً للحنين. وسأشاطركم في هذا المـقـام بعضا من أسباب عدم عشقي له، حتى إن شدوتُ مع فيروز في كل يوم هواه فيروزي: «أنا عندي حنين».
أقول لست عاشقة للحنين، وأنا أدرك المسافات الممتدة بين غياب العشق وحضور الكراهية. فكلنا نميل إلى الحـنين في ظرف أو في آخر، وجميعـــــنا نمارسه بِـتَـشَــفِّ زمنٍ بـائــد زال وانقضى ألـقُه في زمن مُستحْدث مازال طريّاً شقـيّاً يبحث لأحداثـــــه وحوادثه عن موطئ نُضج.
فلا أعتقد أنـنا نـحـيا الحـياة في كل أعمارنا من دون أن نتشوَّق ونتشوَّف للآتي، ومن دون أن نستعيد ونتشدَّق ما مضى. تلك لعبة نتـقـنُ إبدالاتها دوما في إصرار متواصل على تجاوز اللحظة الآنية.
ذاك بعضُ الحنينِ والباقياتُ الصالحاتُ تستلهمها انفعالاتُـنا استطراداً لحياة أو درءً لنقص أو ادعاءً لحكمة.
فما من حنين سلـيم الـنـوايا خـالص الـذمة. هو خـيانة للـحـاضر باسـم الوفاء للماضي، أو هو رحيل نحو الـ»هناك» وعزوف عن الـ»هنا»، إنه سفر في عمق الزمن من دون أجهزة تحكُّم عن بعد، لآلة اقترفـنا آثامها وسميناها «الذاكرة».
أَسْـرَى الأَمْـس:
قَصص وحكايات عديدة تُسَـيَّج وجودَنا قبل الميلاد، قبل الأسماء والألقاب والكُنْيات. فمسقط الـرأس مجـرد مُـفـارَقـة وُجـوديـة ابـتـدعْناها بفـائـض رغبة في الـتحكّـم والتسيـير والتقـيـيد والتوثيق، كي نحدِّد بدايَـتنا، وكأننا بالفعل «نُوجَد» على قيد الحياة من دون سوابق تاريخية أو خلفيات سوسيوثـقافية أو مرجعيات أيديولوجية أو محدِّدات جيوسياسية أو خواص جينية أو جينيالوجية.
مِنْ «أبصَرتِ النور سنة كذا» إلى «ازدادَ عام كذا» تحتفلُ الحياةُ بالأرقام الجديدة التي نُدِّونها بالأيام والأشهر والسنوات، لكنها تنحتُ كذلك ضِمناً عبورَنا الإضافي، فالنور سابق في الوجود لعتَمَتِـنا الوليدَة التي تستشرف البصر، والازديادُ نموٌ وتقدُّمٌ وتوسُّعٌ وتكاثُـرٌ فيه المُزدادُ حَصِيصٌ (من عدد وكمية وجسد وروح) ينضاف إلى الحصيص المتراكَم قبل ولادته. لأجل ذلك تندغم ملامح الجد والعمة والخال وابن الخال في وجه «الـوليد» الجديد، وتتماهى ملامح «الوليدة» المُزدادة وملامح الجدة الأولى من جهة الأم وملامح الجدة الثانية من جهة الأب وملامح الأم والخال و…
لكن بعيدا عن قسمات الوَجه ومقادير النَّسَب والنِّسَب ووُسْع الذاكرة، نحن لا نحيا «عُبُورَنا الإضافي» في الحـياة وللحـياة، صـفـحاتٍ بيـضاءَ صافيةً من أي خدْشٍ أو توقيع أو وشم أو ترميم أو ترقيع. والمولودة أو المولود مهما ولدا على الفطرة في ظاهر الطبيعة، إلا أن الثقافة والتصنيع تلْحقُهما في جزيئيات الجسد والروح والعقل والقلب عبر ما يحفل به الوسط المُوَلِّدُ والمُنْتِج والمُصَنِّعُ والذاكرة الاجتماعـــية والجماعية والجَـمْعِيَّة، بل إن التكوين البيولوجي الذي في صلبه معطى طبيعي ليس بريء الذمة وفق ما تؤكده الأبحاث العلمية المتلاحقة في الشيفرة الوراثية والجينوم البشري وتكنولوجيا فك التسلسل في الطب التجديدي وهندسة الأنسجة وعلم الأحياء الجزيئي، حيث علوم الأحياء والكيمياء وجهان لهندسة واحدة.
إننا نَصْنَع بناتِنا وأبناءَنا قبل أن نُولَد نحنُ، أو قبل «أن يُصَنِّعوننا» أولئك الأجدادُ البعيدون القدماء وأولئك الأجداد القريبون الجُدد والآباء والأمهاتُ في أعقابهم.
الغُـرْبَة الوُجُـودِية:
قد يكون الحـنـين في أبعاده النـفسـية الفـرديـة قوَّة َجذب للفرح المُفتَقد، تتجاوز مُنْجَز النَّدم إلى استدعاء لحظات انـتـشاء أو فـوز أو حـب أو ضحـك أو وِصـال. قد يكون استـعادةً لبـيـت الطفـولة الآمـن والمستـقر والمُسالِم ولـزمـن الـصفـاء والـبـراءة وراحـة الـبـال. لأجل ذلك يـنصح عـلـماء النـفـس واختصاصيوه باقتناص لحظات السعادة والصفاء قدر الإمكان، كي تغدو تلك اللحظات لاحقا ما ترمِّمُ به الذاكرةُ في فسحات «النـوسـتـالجـيا» تصدُّعاتِ العُمر المُقبِل وثَغراتِ أحزانه.
لكن الحنين لا يلوح في سقـف فـوضى المـشــاعر إلا في عــمق الإحـــساس بالـضـياع أو بالحـزن أو بالحرمان أو بالافتقاد أو بالاغتراب… إن الحنين تَكْمِلَةٌ لفراغ وجودي يتجاوز الأمكنة والأزمنة إلى تقدير الذات لذاتها. ففي كل حنين تكمُن «أزمةُ» هويَّةٍ تتلطَّف وهي تكتسحُ الأجواءَ، فتجعل الماضي المارق مرفأ أمان لم يُتِحْه الـحـاضـرُ المُقـيـم.
إن تفويت اللحظة/الراهن لصالح لحظة مُستعادة من زمن قد ولى يغدو في الممارسة الاجتماعية والثقافية والجَمْعِيَّة لـ»مجتمعاتنا» و«جماعاتنا» و«أمَّـتِـنا» ارتكانا إلى الماضي «البـائد»؛ ذلك «العصر» الذهبي الذي احتـضن كلَّ الجـمـال والـرخـاء والـسـلام والـنُّـبـل والنــقاء والاستقامة والعلم والفكر والإبداع والتَقَدُّم.
إن الحنين ـ حينها ـ وهو يتحوَّل من ممارسة فردية في مجتمعات «الآخر» تستكين إليها النفس المُتْعَـبَة للتـرويـح عن كآبتها أو إحباطها العابِـرَيْن، إلى مـمارسة «جَـمْـعِـيَـة» سـائـدة ومتواصلة ومتوارثة في مجتمعاتـ «نـا» «نحن» يغدو ارتِـهـانـاً لا نهائـيــا للوقوف على الأطلال والبكاء عليها. وقد يغدو ـ في مستوى أخطر نواكبه بوجع وحسرة ـ ارتهانـاً إلى مقايضةِ الحياة بالموت الرمزي الذي قد أفضى بالبعض مِـ»نـا» ـ هنا وهناك وهنالك ـ إلى استشراف «جنَّات الخُلْدِ» و«الحور العين» و«أنهار الخمر المُصفَّى» بتنفيذ حُكْمِ إيقاف حياتهم الدنيا لصالح أخراهم، وتطبيق «حُكْمِ» مصادَرَة حياة من يروه في «جهادهم» لا يستحِق الحياة رغم أنها عطية الخالق لأولئك وأولائك.
فمِمَ سـنَـفِـرُّ وإلى أين؟ فلا الزمن لنا، ولا الأرض لنا، ولا هويتُـنا مكتملةُ الأركان معافاةُ الروح صافيةُ الامتداد.
حِساباتُ النِّسـيان:
في منتصف الطريق بين الفرد والجماعة، وبمعزل عن ذلك المشترَك الذي يرسُم الأفرادَ وينحتُهم على مقاس الجماعة التي تشكِّل المجتمع وتستقيم لاحقا ملامحَ لهويَّة مميَّزة بما لها وبما هي له من وجدان وموقف وفكر وتسيير ولغة ومصير، تلوح التربيةُ والتنشئةُ الاجتماعيتان مدارَيْـن للإنـتاج وإعادة الإنـتـاج والـتـرويـض والـتـدجـين والتنميط، أو مدارَيْنِ للتدوير وإعادة التصنيع والاستغلال والإصلاح والتعديل والتغيير.
إن الحنين تلك المتعة الحزينة التي تؤاخي في لحظة واحدة بين زمنين تقْـتَصُّ فيها للماضي «الأجمل/الجميل»من الحاضر»الأقل جمالا/البشع»، لا تمرُّ ـ في غياب الوعي المركَّب بالحالة واللحظة والوضع ـ من دون خسائر في التربية. إنها تردِمُ وتنسِفُ في الأعـمال والآمال والـمآل الهـوةَ الطبيعية بين الأجـيال في الواقع والاحتمال والافتراض؛ فيغدو الحنين وضعاً عاماً، ويصبِح التقدُّم في العُمر المعتاد والطبيعي ـ في ظل اقتراف «الحنين الجَـمْـعِي» ـ حالةً أوليَّـةً وعامَّة من أعراض «الزهايمر». فالذاكرة البعيدة تشتغل بقدرة فائقة لتستعيد بصفاء «ذكريات نوستالجية» باختيار يتقصَّد كُوَّات الضوء في التجربة الحياتية السابقة اللامعة. أما الذاكرة القريـبة فتـتـضاءل مـساحـتها وتـضيـق اسـتحـضاراتها وكُوَّاتها. وكأن الحـيـاة كانـت في الماضي وللماضي ومن أجل الماضي، في حين ليس الحاضِرُ سوى تَكْـمِلَةٍ على الحاشية التي تركها متنُ الزمن السابق الأجمل.
و على الرغم من كون العلم الحديث أثبت أن الحنين حالة طبيعية وليست وضعاً مَرَضِيّـاً مثلما كان تقـدير ذلك سائداً في أوروبـا قـديـما، إلا أن الإصرار على إيـقاف الصيـرورة وتجميد الزمن والهروب إلى الماضي وإعادة إنتاج ذلك الهروب جيلاً بعد جيل يصبح شكلاً من أشـكال «الـرِدَّة» أو«الانتكاسة» في أبعـادهما الثـقـافـية والفكرية والاجـتماعـية والسـياسـية والحياتية والوجودية.
و تغدو لغة اليأس والرفض والقنوط من كل حاضر أو مستجد أو مستحدث في مجتمعاتنا أمرا نَمَطيّـاً، يعزِّز حالة «الفُصام» التي تضَعُ الإنسانَ بين ذات وهوية كانت له «تاريخياً» و«وجودياً» يشرئب إليها بفؤاده ونظره وفكره، رغم أنه واقعياً لم يعِشْها، بل «رأى النور» بعدها بأكثر من ثلاثة عشر قرنا، وبين ذات وهوية يحـياها حاضِراً/راهناً لكنه لا يراها صافيةَ المنزلة والتـقدير و«التقـديـس». إن الحنين بعضُ يأسٍ نَمَطِي تتفاوت درجته وحدَّته، يعيشه كل من يعتقد بديمومة وأبدية تحديد «خير أمة أُخرجَت للناس» مُفْـرٍغاً ذات التحديد من كل «تَسْدِيدٍ بالعَمل الصالِح».
أنا لا أعشق الحنين، ولن أعشقه وهو يكتسح مجتمعاتنا بكل فئاتها بصرف النظر عن شريحة العمر. إنه يغلِّفُ لحظتـ»نــا» وواقعــ»نــا» وشبابــ»نــا» ولغـتـ»نـا»، ويضع الحـاضـر (حـاضـرنـا) في مفـترق طـريق عـويص تـتـداخل فيه وجْهاتُ «الـذات الـكونية» و«الخـصوصية الهـوياتيـة» و«المُكـتَـسب الـرَّقمي» و«الـتنميط القيمي» و«ثقل الماضي» و«سرابية الحاضر». هل عليـنا أن نـأمل في الأخـيـر ألا يلـوح في أفـق مستـقـبلـنا يـومٌ نَحِـنُّ فـيه إلى هذه اللحظة الراهنة المارِقَة من دون أن نقتـنصَها؟ على ما يبدو هو تساؤل استشرافي، لكنه في فِكْرِ اللغة تَـلَـبُّسٌ مكشوف و«آثم» بالارتحال نحو الآتي..
٭ روائية من المغـرب
سعيدة تاقي