فِي مصَحَّةٍ مِنْ مَصحَّاتِ شِيكَاغُو أو واغادُوغُو، لا فَرقَ. الشاعِر الأَعْور يُعِيدُ تَصْحِيح النَّظر وترتيب الأشيَاء لِكَيْ يَرى مَشاهِد الحَياة بأِلوان فَاتِحَة وليست عَاكِسَة للرُّعب، أمَامَه أَدُونيِس يسحبُ دُخّان حَريق العَالم مِن غَليُونه المَصْنوع مِن قَرنِ غَزالٍ وَحْشي قتل غدراً في أدغال إثيُوبيَا،
وهَنْري مِيلر يشرب «بِيرات» باَرِدة مِنْ صُنْع ألماني ويَسُبّ العَالَم الذِي لَمْ يَمْنحه كُلّ شَيء، أما «بِيكِيت» فيَعُدُّ كرَاسي مَسرحيته المشؤومة وكرسيّا واحدا يُبقيه في الشاطِئ مِن أجل أرمَلةٍ عَمْياء، فِيما جَلست أغاثا كريستي تَكتب قِصة أخْرى عَن غُموض الحُبّ في الغابة وتُفَكّر فِي دم بِنْت ٍعذراء لتسقِي به أزهار حَدِيقَتِها، أما الأحمق فوكو فقد خرج إلى الشَّارِع الخلْفِيّ صَارِخاً «العَالم حَلبة مَجَانيِن»، وفرويِد يَقُول للمَرضَى بِاليَأس والكَبت «ألْعنوا أُمهاتِكم»، وهمنغواي يَكتُب رائِعته «الشيخ والبَحر» ويُفكر فِي رمي الذبابَة السَوداء التي ظلّت تطنُّ في رأسِه، أمّا فيتزجيرالد فَكاد هو الآخر، أن يُطلق رصَاصة مِن مُسدّسِه عَلى امْرأةٍ تمَردت على ضبّاط الحانة التي تُوجد فِي رواية «في هذا الجَانب مِن الفِردوس» وإن الكُحول صَاغَ فِي رأسِه الكَثيِر مِنَ الأفكَار عَنِ اللّيل ومُوسِيقَى الجاز والنِّساء، وإن الروايَة تَبدأ دائماً بامرأةٍ وتنتهِي بامرأةٍ أخرى في الحَقل المُجاور، وعِند مُنتصف الليل بقهقهات سكّير مُنتَفِخ البَطنِ في الزاوية المعتمة مِن خمّارة يَتبوّل عَلى حَائِطها الجُنود والعميَان، أمّا كافكا فإنه يُريد أن يَفْقَأ عَيْن جَارته التي تُراقِبه كلّ سَاعَات النّهَار ويَشتَهي أنْ يسرق عَين تِلك المَرأة /الشّيْطَان ليُطعِم بها القطط البائِسَة التي تمُوت جُوعاً في درج البناية النتِنَة، أمّا فاغْنر فَقد ماَت لأنَّ عَازفَ الكمَان الأحمَق نَسِى فِي رأسِه مُوسِيقَى الحَرب وحَماس الجُنود، أما ستِيف جُونز فقد قضم تُفاحَة وتَرك فيِها أسنَانه وسمّاها «الآيفونْ» أما رُولان بَارت فقَدْ صَدمَته سيّارة سَوداء عَابرة للأفُق يَقودها سِكّير ثَخِين شَرب الكَثير من «الفودكا»، ولَم يَجِد حَلاً لاخْتِلاَلِ تَوَازنِ العَالم والضَباب الكثيف فِي كَأسِ «البِيرّة»، رسَّام مَشْهُور أعلَن ألاَ رَبِيع فِي لَوحَة فَان جُوخ، وأنَّ الدّم يَسِيل منْ ضحَكة «الجوكاندا» في لوحَة دافينشي «وغودو» لا يَنتظر أحداً وأنَا مثله، لا أنتظر أحداً ولا أحبُّ مَن يَنتظِرني عِند مَحطّةِ القِطَار، لأنّ القِطَار لنْ يَأتي أبداً. أكره هَذا العَالم بِدمِه الفَاتِر، أكرهُكُم جَمِيعا وهذا مِن جُنوني، أكرهكم جميعا بشَسَاعِة الحُب وقسوة العالم.
*شاعر من المغرب
محمد نجيم*