«الخارج»… ثمرة ثقافة متجذرة وشمّاعة لاخفاقات مستمرة

أصبح الحديث عن «الخارج» (هكذا كأنه رجل له هوية) ومؤامراته تجارة مربحة لدى كثير من الدول والحكومات في الشرق والغرب.
ما من يوم يمر إلا وقعت فيه أحداث تضرب شعبية ومصداقية الحاكم. وما من حادث ضرب مصداقية الحاكم إلا بحث فيه مَن تضررت شعبيتهم عن مبررات بعيدة يعتقدون أنها تضمن براءتهم. وليس أسهل وأكثر زئبقية من السيد «الخارج».
دول المنطقة العربية، من الرباط غربا إلى دمشق والرياض شرقا مرورا بطرابلس والقاهرة، تزايد على بعضها في الاختفاء وراء هذا المشجب الذي تبدو فوائده أكثر تجليا عندما يتعلق الأمر بالإرهاب كتبرير للإخفاقات.
قبل عقدين وأكثر كانت الشعوب تجد صعوبة في تقبل اختفاء حكوماتها وقادتها وراء هذه الذريعة في تبرير العجز. لكنها في السنوات القليلة الماضية، ابتلعت الطعم وسقطت في الفخ.
لا يحتاج الأمر لذكاء خارق كي يقف على الأسباب. الحكومات العربية هي الأكثر إخفاقا تجاه شعوبها وإخلافا لوعودها وبرامجها. وهي الأقل رشداً وحكامة وعقلا. والأقل استعداداً لتحمل المسؤولية بحنكة وشجاعة أمام الرأي العام المحلي والدولي وأمام التاريخ. وهي الأقل استعداداً للحساب وتحمل تبعاته. قليلون جداً القادة والمسؤولون العرب الذين تجرؤوا على الاستقالة من مناصب المسؤولية بسبب الإخفاق في أداء الواجبات العامة الموكلة إليهم. وقليلون أكثر الذين وقفوا أمام الملأ وقالوا: أعترف بأنني فشلت، وأعتذر ممن وثقوا فيّ وعوّلوا عليّ.
ومع ذلك، أو بسبب ذلك، الحكومات العربية هي الأكثر هروبا إلى الأمام للاختفاء وراء ذريعة «الخارج» والمؤامرة الأجنبية.
هذه الثقافة غير المشرفة ليست وليدة الصدفة، ولم تأت من فراغ. إنها الثمرة الطبيعية لثقافة أوسع مستشرية في المجتمعات العربية والإسلامية تربت عليها أجيال فأجيال.
من البيت إلى المدرسة فالشارع فعالم الشغل، لا يتعلم الفرد في منطقتنا ما يقنعه بالتواضع والزهد. لا يصادف في طريقه نماذج تُحتذى. كل الناس تعرف في كل شيء. كل متهم أو مُلام يبحث عن آخرين يتهمهم ويلومهم كي يربح براءته. تتعطل سيارة في الشارع فيمر عشرة رجال كل واحد منهم يدلي بدلوه لصاحبها ويفتي له في سبب العطل. يصاب فرد بنزلة برد فينصحه كل مَن يعرفه بالوصفة الطبية المثالية وكأنهم جميعا أطباء. يشاغب تلميذ في الصف وعندما يسأل المعلم من فعلها، يطأطئ كل من في المكان رؤوسهم. وإذا سأل المعلم أأنت يا فلان؟ يأتي الرد: لا. ولا تُعرف الحقيقة إلا بالتهديد والوعيد.
قد يجد بعضنا هذه الصورة أقرب إلى النكتة، لكنها حالنا التي نشترك ونتشابه فيها.
الأمر يتعلق فعلا بانحراف في التركيبة الذهنية للفرد في هذا الجزء من العالم. بدايات خطأ تقود إلى نتائج خطأ.
هذه الثقافة لم تُربِّ الفرد على الثقة بنفسه. ولم تزرع فيه أن تحمّل مسؤولية أفعالك وإن كنت على خطأ. ولم تعلمه الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. ولم تعلمه الزهد والتواضع في ادعاء المعرفة. لم تغرس فيه أن «من قال لا أعلم فقد أفتى»، بل لقنّته أن «صمتك يؤخذ دليلا على جهلك وفشلك». فنتج عن كل هذا أجيال من «الفاهمين» في كل شيء، يعرفون أي شيء ويفتون في كل شيء من دون أن يرف لأحدهم جفن.
والمحصلة أن العرب والمسلمين كوّنوا لأنفسهم، وعن أنفسهم، صورة الفرد والمجتمع الخارق، في الأوهام والخيال فقط، بينما الحقيقة عكس ذلك تماما، مُرَّة ومخيفة.
ليس أدل على ذلك من هذا المثال الأقرب إلى النكتة: في تراث الحرب العالمية الثانية مقولة منسوبة للزعيم النازي أدولف هتلر، فحواها «أعطني سلاحا ألمانيًا وجنديا…. وسأغزو العالم كله». بسرعة ملأ العقل العربي الفراغ بما يختزن من أوهام وغرور، فأصبحت العبارة «اعطني جنديا مصريا» عند المصريين، وعراقيا عند العراقيين ومغربيا عند المغاربة، وفلسطينيا عن الفلسطينيين.. إلخ.
بل تطور الأمر بتطور مرضنا المزمن، فأصبح البحث يقودك إلى «اعطني جنديا سُنّيا» (أو شيعيا)، حسب! بينما القضية كلها خيال لأن الثقافة النازية ترفض الاعتراف بالآخر وله، ولا ترى غير العرق الآري أهلا للتفوق والتميز.
في هذا الزمن، الحكومات محقة إلى حد ما في الاختفاء وراء شماعة «الخارج» عندما يتعلق الأمر بالإرهاب فقط، لأنه أصبح خطراً عابرا للحدود والبلدان لأسباب لا تتسع لها هذه المساحة. لكن حتى هنا فهي معذورة إلى حد معين، ومن الخطأ تصديق هذه النظرية في المطلق. الحكومات لها نصيب من المسؤولية أنها وفرت الأرضية والمسببات، و»الخارج» أتم الجزء الباقي من المعادلة: الحكومات أخفقت و»الخارج» استغل الإخفاق.
لكن الذي يحدث أن الحكومات الفاشلة تعمل بنظرية الإسقاط، فتسقط بعبع «الخارج» على كل عثراتها. وأصبحت تستثمر هذا «الخطر» في تمرير خططها وفرض برامجها عبر تخويف الناس، لأن القرارات التي يصعب إصدارها وتبريرها في الظروف العادية، يصبح أمرها أسهل مع التخويف والترهيب.
هذا ناهيك عن فرض الديكتاتورية بذريعة محاربة الإرهاب بعد أن فُرضت طيلة عقود بذريعة محاربة إسرائيل.

٭ كاتب صحافي جزائري

«الخارج»… ثمرة ثقافة متجذرة وشمّاعة لاخفاقات مستمرة

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية