الخامس من حزيران والعاشر من رمضان

من الموافقات اللافتة هذا العام أن الخامس من يونيو/حزيران قد تزامن مع العاشر من رمضان، أي أن الذكرى الخمسين لهزيمة 1967 قد وافقت الذكرى الرابعة والأربعين لنصر 1973. يوم واحد يختزل جدلية الصراع العربي الإسرائيلي بين احتمال النصر واحتمال الهزيمة وبين حدّ الإرادة والتخطيط وحد الغفلة والارتجال. هذا مع العلم أن عبد الناصر لم يكن يخطط للحرب عام 1967، كما أن السادات لم يكن يخطط عام 1973 إلا لحرب محدودة تفتح على إمكانية التفاوض السياسي. صحيح أن عبد الناصر هو الذي ورّط مصر في حرب اليمن، أما حرب 1967 فإنه قد تورط فيها دون رغبة حقيقية منه. بل يمكن القول إنه اتخذ موقفا مسالما من إسرائيل في الأعوام العشرة التالية لحل الأزمة السياسية الناجمة عن العدوان الثلاثي عام 1956.
وكان الوضع القائم طيلة ذلك العقد يدل على أن مصر كانت الطرف العسكري الأضعف، إذ انها اضطرت للسماح بحرية الملاحة في مضيق تيران، وقبول انتشار قوات الأمم المتحدة في شبه جزيرة سيناء، بينما رفضت إسرائيل انتشار هذه القوات على جانبها من الحدود. ومعروف أن هذه أول قوة حفظ سلام تنشئها الأمم المتحدة منذ تأسيسها عام 1945، وأن صاحب فكرة قوات «القبعات الزرقاء» هذه هو وزير الشؤون الخارجية الكندي لستر بيرسون. وبما أن قرار عبد الناصر طلب سحب قوات الأمم المتحدة في 22 مايو/أيار 1967 يظهر الآن بمظهر القرار غير المحسوب، أو حتى العبثي، وبما أن التحليلات السياسية لكبريات الصحف الغربية قد اعتبرت آنذاك أن هذا القرار دليل قوي على تمهيد مصري فعلي لشن الحرب، فإن ما غاب عن الأذهان هو أن ترتيبات نشر هذه القوات لم تأت في إطار اتفاقية دولية رسمية. وإنما تمت المفاهمة في إطار مجرد تبادل رسائل بين عبد الناصر والأمين العام للأمم المتحدة داغ هامرشلد، ونصت على أن من حق مصر طلب سحب هذه القوات في أي وقت. ولمصر تفسير مشهور لهذا القرار، عبّر عنه عبد الناصر في تصريحات للصحافة الغربية، كما فصله محمد حسنين هيكل في «وثائق القاهرة»، وهو أن مصر لم تطلب من الأمين العام يو ثانت سحب قوات الأمم المتحدة من غزة وشرم الشيخ، ولكن فقط من جزء الحدود الممتد بين رفح وإيلات، أي أن الطلب لم يكن يتعلق بانسحاب شامل لكامل القوات.
وبينما يعتبر بعض الباحثين الغربيين أن هذا تفسير لا جدال في صحته، فإن باحثين آخرين يرون أنه مجرد مرافعة يمكن إضافتها لملف الدفاع، خصوصا أن عبد الناصر عمد إلى التذكير بأن يو ثانت قرر سحب كامل قوات القبعات الزرقاء بتأثير من مستشاره الأمريكي رالف بانش (الذي حصل بعد ذلك على جائزة نوبل للسلام). إلا أن الثابت أن عبد الناصر ظل طوال السنوات الأربع أو الخمس السابقة على حرب 1967 يحاول تعقيل القادة السوريين الراغبين في الدخول في مواجهة العسكرية مع إسرائيل. إذ إن ضغوط القيادة السورية على القيادة المصرية قد تصاعدت بعد فشل تجربة الوحدة في سبتمبر/ أيلول 1961 وتفاقمت في شكل مزايدات لا حد لها.
وقد نشر الزعيم البعثي السوري أكرم حوراني بيانا في يونيو/حزيران 1962 ينعت فيه عبد الناصر بأنه حليف الصهيونية، ويقول إنه كثيرا ما كان عبد الناصر يعترض في اجتماعات حكومة الجمهورية العربية المتحدة في القاهرة على أي اقتراح يقدمه الوزراء السوريون باتخاذ إجراءات حازمة ضد إسرائيل، وخصوصا بشأن منعها، عام 1959، من تحويل مياه نهر الأردن. والواقع أن الموقف الذي حدث أول الأمر في مؤتمر القمة العربية في القاهرة مطلع 1964 قد تكرر أكثر من مرة: القيادة السورية تطالب بالتعجيل بالمواجهة مع إسرائيل، وعبد الناصر يتدخل ليشرح بأن الوقت لم يحن بعد وأن إسرائيل تحظى بدعم حلفاء أقوياء، ثم ليطالب في المقابل بتوحيد الصف العربي، وبالعمل على إقناع العالم بشرعية الحقوق العربية من خلال تحسين الأداء الإعلامي، وبتعهد الدول الغنية، مثل السعودية والكويت، بالدعم المالي للقضية الفلسطينية. وقد عبر عبد الناصر عن هذا الموقف في مقابلاته مع وسائل الإعلام الغربية. من ذلك أنه صرح في 30 ابريل/نيسان 1964 بأن الحرب ليست حلا. بل إنه أعلن في بعض الخطب الرسمية، مثل خطاب 22 يوليو/تموز 1963، أنه ليس لديه حاليا أي خطة لتحرير فلسطين، ولا أي خطة للهجوم، بل مجرد خطط للدفاع.
وقد أكد إسحاق رابين ذلك عام 1968، بعد أن صار سفيرا في واشنطن، حيث قال إن عبد الناصر لم يكن يرغب في مواجهة عسكرية، وكان يظن أنه يمكنه حصر النزاع في النطاق الدبلوماسي.
كاتب تونسي

الخامس من حزيران والعاشر من رمضان

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية