جديد الكاتب السوري قصي أبو قويدر هو رواية تحدثت عن الأيام العشرة الأولى من عمر الثورة السورية، التي انطلقت من مدينة درعا، والتي كانت بلا شك الثورة الأكثر إيلاماً وحزنا عبر التاريخ، فمن تلك البدايات، يحاول الكاتب أن يضعنا أمام المصير المحتوم، الذي ذهب اليه الشعب السوري، من خلال رفضه المساس بكرامته، والانصياع للإذلال الذي أرادوا فرضه عليه بعد حادثة الأطفال الشهيرة.
فالخيارات لم تكن متاحة أمام السوريين هناك، فهم أمام نظام ليس كالأنظمة العسكرية المستبدة فحسب، بل أمام انواع من القهر والإذلال لا شبيه لها في امبراطوريات العسكر، التي إلى حد ما تضع بينها وبين شعبها نوعاً من الروابط بقصد إطالة أمد بقائها، فمنذ اللحظة الأولى يعيدنا الكاتب إلى وقائع تاريخية مؤلمة، وحوادث سابقة، من قتل واغتيالات وإبادة جماعية، كما حدث في مدينة حماة السورية عام 82 وينتقل بنا رويداً رويدا، إلى مشهد داخلي معقد، فالجيش القادم من الشمال إلى الجنوب السوري، هو جيش معقد التركيب، تشرف عليه نخبة تمارس أنواعاً بشعة من السلوك الإنساني، يبدأ بالقتل ولا ينتهي بالاغتصاب، ولكنه اغتصاب من نوع مختلف، إنه أمام العائلة والناس.
تبدأ القصة من زعيم الأمن السياسي في درعا وقصة الأطفال، ولا تنتهي بالمساس بكرامة تلك الإنسانة العفيفة مريم، في نوع من الوحشية الغريبة، وهي ما اعتدنا على سماعه خلال السنوات الخمس الماضية.
الأيام العشر الأولى هي فاصلة بكل معنى الكلمة، حاول جمهور الخبز الأحمر من خلال حواراتهم أن يصلوا إلى نتيجة، فلم يجدوا أمامهم إلاً الحراك السلمي، لكن هذه السلمية لم تواجه بحسب الرواية بالاعتقال أو بعض أنواع القهر التي يبديها العسكر ضد شعوبهم، وإنما كان قدرهم أمام صورة قاسية، وهي المساس بالأعراض، وهذه إحدى أبرز مبررات العمل العسكري، أو رد الفعل الطبيعي للناس، الذي يقدمه الكاتب، والذي بدأ بأقل الممكن.
في عالم الرواية العربية، يضعنا أبو قويدر، أمام تشكيل للرواية العربية بأسلوب ومنهج مختلف عما اعتدنا عليه. والذي ربما يكون نوعاً من السبق في تحقيق فن روائي جديد ومميز، يختلف عن الصورة التي يكتبها الروائي عادة، والقائمة على أخذ القارئ إلى عالم الكاتب نفسه، حيث يسبح فيه برهة من الزمن، ويرى من خلال عين الكاتب تلك ما يريد الكاتب ذاته تقديمه لقرائه. لكنها تبعية من نوع قهري، تجعل القارئ يتتبع أدق التفاصيل لكي يبقى متابعاً للمسار الذي اختاره الروائي. ولكن في رواية «الخبز الأحمر» المسألة تبدو مختلفة تماماً، فالسردية التي تكاد أن تختفي بحيث لا تجد لها سوى وقت قصير، يقوم الكاتب من خلاله بتعريفك بالأشخاص بطريقة تلفزيونية، سريعة، فهو لا يقيدك برؤية الأشخاص كما هو يريد، بل يترك لك مساحة واسعة، لكي تتخيل تلك الشخصية، ثم تبدأ بنفسك بمتابعة الوقائع والأحداث، معتمداً على الصورة التي تستطيع تشكيلها بنفسك، ولذلك فأنت بذكائك الخاص تشارك عالم الخبز الأحمر برسم الوقائع والأحداث وفق مساحة واسعة من ذاكرتك.
ليس الجانب الفني الجديد والجميل في الرواية فحسب، فـ«الخبز الأحمر» محاولة لتحرير القيود والخلاص من مركزية وعقدة الرجل الأوحد صاحب الحلول، أو الرجل الأسطورة، فهي تتسلل في أعماق كل قارئ ليستشعر في لحظة معينة أنه في مكانه وزمانه يمكنه أن يكون جزءا من المستقبل الذي يعني بالضرورة الانتقال من القهر للتغيير.
«الخبز الأحمر» رواية مختلفة تماماً، قد لا تجد الإنصاف المطلوب في الواقع الحالي، نظراً لأن الأدب ظل دوماً جزءاً من ملحقات السياسة ولم يستطع يوماً الانفصال عنها، فجيل الروائيين الرواد ظل دائماً يكتب الوقائع والأحداث التاريخية متأخراً بعض الشيء، حتى أن الرواية تعتبر بمثابة النص التاريخي الثاني، الذي بحسب العادة، يعرض جملة من الوقائع التاريخية، مضافا اليها تفاصيل يومية أو غيرها تتعلق بسيرة أشخاص محددين، كان يعمل الكاتب العربي على إسقاط رؤيته السياسية أو التاريخية من خلال حوار مفترض، يحاول أحيانا استحضار التاريخ وإسقاط الوقائع اليومية في السياسة وغيرها عليه، وربما كانت المسلسلات ذات الرؤية التاريخية هي الشاهد الذي يحاول استحضاره كتاب الدراما، أو حتى القصة والرواية.
ربما من الصعب جداً تجسيد صورة الثورة السورية من خلال عمل روائي معين، فجيل الروائيين التقليديين قد يكتفي بالسردية في جزئية معينة، أمام زخم الأحداث الكبير والمعـــقــد، والذي كل يـــوم يأتي بجديد على الصعيد الإنســـاني أو الســــياسي، غير أن الخبز الأحمر، رصدت عشرة أيام من عمر الثورة السورية كاختصار كبــــير لتاريخ مرحلة كاملة، أراد كاتبها أن يقدم فهما ثقافـــيا ورؤيـــة سياسية للمشهد السوري كجزء من مشهد أمة ربما تترقب المصير ذاته.
٭ كاتب فلسطيني
أيمن خالد