الخدمات الصحية شبه معدومة والسياحة حصلت على تأشيرة جهنم والأسعار ترتفع ومصر مازالت تنتظر ثمار الثورة

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» : على عجل تذكر الرئيس السيسي أمس ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني مخاطباً في الذكرى السادسة لها من شاركوا فيها، والعديد منهم مازالوا وراء القضبان: «إنني على ثقة كاملة بأن التاريخ سينصف هذا الجيل من المصريين، الذي تحمل خلال السنوات الماضية ما يفوق طاقة البشر».
وأضاف السيسي، خلال كلمته في الاحتفال بالذكرى السادسة لثورة يناير، أن الشعب استطاع أن يحافظ على بلاده من الخراب والتدمير، وشرع في إصلاح الأوضاع الاقتصادية بشجاعة وإصرار، متحملا في سبيل ذلك الصعاب، من دون أن يلين عزمه، أو يقل تصميمه. ومن المؤكد أن السيسي يعلم أن الثوار منذ أن أدخلوا إلى الزنازين الباردة، لا يبحثون عن شهاد تكريم فقط، بل يحتاجون إلى العدالة.
الثوار سواء من يقبع منهم داخل السجون، أو من هم في منازلهم، يطلبون من الرئيس أن ينصفهم هو أولاً وليدع أمر التاريخ جانباً، فالبيوت التي أنهك أهلها طول الانتظار بعودة أبنائهم أو آبائهم المختفين في الزنازين، لا يقبلون بعد مرور كل تلك الأعوام أن يحصلوا على شهادة من التاريخ، بل يريدون من النظام الذي قذف بذويهم في الأقبية والسجون أن يحكم بالعدل. ومن الطبيعي أن يشعر الرئيس بأنه مدين لتلك الثورة التي فجرها المصريون قبل أعوام ستة، فقد أفضت به للمقعد الرئاسي في نهاية الأمر، بعد أن استقر الأمر بالرئيس محمد مرسي إلى السجن، ومازال هدفاً مستباحاً هو وعائلته لوسائل الإعلام، التي لم تترك نقيصة إلا نعتته بها.
وأمس الأربعاء 25 يناير احتل الكلام عن الثورة العناوين الرئيسية للصحف المصرية، وانقسم الكتاب بين غالبية تمجدها، وأقلية تعتبرها من الشرور وتحملها مسؤولية الخراب الذي حل بالبلاد. وإلى التفاصيل:

الثورة في القلب

أمس الأربعاء احتفلت مصر بثورة 25 يناير، لكن السؤال الذي يشغل بال أسامة الغزالي حرب في «الأهرام» هو: «كيف نقدم هذه الثورة لأبنائنا؟ وأين نضع هذه الثورة في تاريخ مصر الحديث؟ تقديري هو أن تلك الثورة تستكمل حلقات بناء الأمة المصرية كدولة مدنية ديمقراطية في القرن الواحد والعشرين. فثورة 1919 (التي يجدر أن نحتفل بها في 9 مارس/آذار من كل عام) كانت هي ثورة مصر من أجل الاستقلال الوطني ضد الاحتلال الأجنبي، وأسفرت عن حصول مصر على استقلالها عام 1922 كدولة قومية، ووضع دستور 1923 الذي رسم ملامح دوله مدنية عصرية، قادتها نخبة من كبار الملاك والرأسماليين، ودشنت حقبة ليبرالية شهدت ازدهارا ثقافيا و اقتصاديا واجتماعيا رائعا، تزامن مع كشف أسرار وأمجاد التاريخ الفرعوني. ثم كانت ثورة 23 يوليو/تموز 1952 التي كانت بالأساس ثورة الطبقة الوسطى ـ من خلال أبنائها في القوات المسلحة – من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، ولم يكن مصادفة أن أول وأهم إنجازاتها كان هو قانون الإصلاح الزراعي، الذي استهدف تحطيم الملكيات الإقطاعية الكبيرة. وأدى صدام الثورة مع القوى الاستعمارية إلى تحولها أيضا إلى منارة للتحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. في هذا السياق تأتي ثورة 25 يناير باعتبارها ثورة سياسية من أجل الديمقراطية، أشعل الشباب شعلتها، وتحلق الشعب كله حولها في مظاهرات مليونية سلمية أبهرت العالم وحولت ميدان التحرير إلى رمز للثورة في العالم، وأسقطت النظام القديم بعد أن انحاز الجيش إلى الشعب، وقاد فترة الانتقال إلى النظام الجديد على نحو حمى مصر من توابع زلزال الثورة! وأخيرا، فقد حوكم مبارك ورجاله وأسرته».

الفرق بين هنا وهناك

«حسب الإرشادات والتعليمات التي أعلنها منظمو التظاهرة الكبرى التي خرجت في واشنطن، رافضة الرئيس الجديد بعد تسلمه السلطة في 20 يناير، تم اتخاذ مجموعة من الترتيبات أبرزها ما يلي: جرى توفير دورات مياه متنقلة للمتظاهرين، وخدمات علاجية طارئة لكبار السن والأطفال. وتولى عشرة آلاف متطوع من الرجال والنساء مهمة الحفاظ على نظام المسيرة، وهو ما تم بالتعاون مع رجال الأمن والمختصين، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني، وفي المقدمة منها المنظمات الحقوقية وجمعية المثليين الوطنية، وحزب الخضر وجمعية الصليب الأحمر. وانضمت إليها عدة منظمات تابعة للحزب الديمقراطي… هذا الوصف اهتم به فهمي هويدي في «الشروق»، كما اهتم بالجماهيرالغفيرة المحتجة. كان من بينها صورة لوزير الخارجية السابق جون كيري الذي شارك في المظاهرة مصطحبا معه كلبه. لم أتوقف عن الدهشة وأنا أقرأ التفاصيل، حتى قلت إننا حسدنا الدول الغربية التي تتولى فيها الشرطة حراسة المظاهرات وتأمين مسيرتها، لكننا لم نسمع عن أن هناك مظاهرات «سبعة نجوم»، يدلل فيها المتظاهرون إلى الحد الذي يتم فيه توفير دورات المياه لهم إلى جانب الرعاية الطبية لكبار السن والأطفال. وهو ما لا بد أن يثير استغراب أمثالنا، ممن قيل لهم إن المظاهرة عمل إرهابي، وإن المشاركة فيها مغامرة كبرى، باعتبار أن الذاهب إليها لن يعود إلى بيته وإذا قدر له أن يظهر فقد يرى في سجن العقرب، أو أمام نيابة أمن الدولة. تذكرت في هذا السياق الفتى محمود محمد الذي كانت جريمته أنه ارتدى قميصا كتب عليه عبارة «وطن بلا تعذيب»، وبسبب هذه «الجريمة» فإنه قضى أكثر من 500 يوم في السجن، لذلك كان مفاجئا لي أن هؤلاء الذين خرجوا في واشنطن في مظاهرة معادية لرئيس الجمهورية الجديد عادوا إلى بيوتهم بعد الظهر معززين مكرمين. الدهشة التي انتابتني حين وقعت على المظاهرة ذات النجوم السبعة لم تختلف كثيرا عن دهشة المؤرخ المصري عبدالرحمن الجبرتي الذي عاصر الحملة الفرنسية على مصر، واستغرب نظام الضبط والربط في الجيش الغازي، فكتب قائلا إنه: من عجيب أمر الفرنجة أنهم إذا قال لهم كبيرهم «مارش» فإنهم يمشون، حتى قلت إنه لو بعث في زماننا لكتب قائلا إن من عجائب أمر الفرنجة أن المتظاهرين يعودون إلى بيوتهم سالمين..».

«إدفع وانت ساكت»

«لم تكن ثورة ينايرمجرد ثورة على حاكم أو نظام حكم، كما يظن الكثيرون، بل كانت ثورة على ظرف يصفه محمود خليل في الوطن بـ«الظرف الانتحاري» الذي انخرط فيه المصريون طيلة ثلاثين عاماً من حكم مبارك. عقود ثلاثة تعرضت فيها الأعمدة التي يرتكز عليها هذا المجتمع للنحر والتجريف، تآكلت أعمدة الصحة والتعليم بفعل الإهمال، وعمود السياسة بسبب التجفيف والتصافق ما بين نظام حكم فردي ومعارضة إخوانية مصنوعة، وعمود الاقتصاد بسبب الفساد، واكتملت الخماسية بانهيار منظومة القيم والأخلاق، بعد أن أصبح المال والاستهلاك يتسكعان على رأس أجندة أولويات المصريين في الحياة. الظرف برمته كان ظرفاً انتحارياً، دفع قطاعاً من المصريين إلى التحرك في 25 يناير 2011، لإنقاذ المجتمع. السنوات الست الماضية التي مرت على ثورة يناير 2011، يمكن وصفها بسنوات دفع الثمن، وتقديري أن أمامنا عاماً آخر، حتى تكتمل السباعية التي شاء الله تعالى أن يجعلها مدى زمنياً لمآسى المصريين، فكل محنة نعيشها تستغرق على وجه التقريب 7 سنوات: «السبع العجاف» بالتعبير القرآني. لم يفلت أحد على مدار السنوات الماضية من دفع الثمن، مبارك ورجاله دفعوا، الإخوان دفعوا، أنظمة الحكم الانتقالي دفعت، نظام الحكم الحالي يدفع، رجال الأعمال يدفعون، مؤسسات الدولة تدفع، وأخيراً كل مواطن في هذا البلد يدفع الثمن، وليس أدل على ذلك من المعاناة المعيشية المضنية التي يشتكي منها المصريون على اختلاف مستوياتهم الاقتصادية والاجتماعية. يصح أن يختلف الثمن الذي دفعه ويدفعه كل طرف من هذه الأطراف، كماً ونوعاً، لكن ذلك لا يمنع من أن الكل يدفع. وما تحسبه ثمناً يسيراً يدفعه غيرك، قد يكون الثمن عنده كبيراً، والله تعالى له حكمته. الكل يدفع وهو ساكت. من أكبر كبير إلى أصغر صغير، لأننا جميعاً شاركنا في المأساة التي وصلنا إليها، طيلة عصر مبارك، وتحركنا للتخلص منها مع قيام ثورة يناير. كل القوى السياسية التي عبثت داخل المشهد السياسي خلال فترة حكم مبارك وساهمت معه في إفساد حياتنا السياسية، أصبحت اليوم مطاردة من الجميع، والمحظوظ منها تم وضعه فوق «رف السكات»، رجال الأعمال الذين أثروا، بالحق والباطل، خلال عصر مبارك، ولم يرضوا بأن يمدوا يد المساعدة إلى الاقتصاد المصري في محنته، يتعرضون منذ مدة لعملية تقليم أظافر».

يستحقون المزيد من الحفاوة

«نبوس التراب اللي مشي عليه الشهداء ونحن على طريقهم مستمرون». بهذه الديباجة يحتفي عبد العزيز الحسيني في «البداية» بذكرى ثورة يناير: «تحية لأرواح شهداء الثورة والدفاع عن أرض مصر ضد المحتل والعدو، تحية لمصابي الثورة والأرض.. وتحية لسجناء الرأي. تحية لجيل جديد علمنا أن الاستشهاد ليس فقط دفاعا عن الأرض، الذي مارسته أجيالنا السابقة، ولكن الاستشهاد من أجل العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. بفضل نور الشهداء في نفوسنا انتصرت الحركة الوطنية في معركة مصرية جزيرتي تيران وصنافير.. بالشباب والكبار وبالمحامين والقضاة العدول، وهذا يعطينا دفعة معنوية قوية لنكمل الطريق دفاعا عن الأرض وأهداف الثورة. هناك مخاطر حقيقية وشديدة على الأرض.. أرض سيناء بفعل الإرهاب، وبسبب أفعال السلطة، وبسبب اتفاقية كامب ديفيد التي نعيش الآن المرحلة الثانية منها، وهي تعميق وتوسيع الاتفاقية.. تعميقها تطبيعا و«سلاما دافئا»، وتوسيعها جغرافيا وعربيا. جغرافيا بمخاطر جديدة ليس فقط على أرض فلسطين التي احتلت في عام 1967، بل أيضا على خليج العقبة وسيناء.. وعربيا بإدخال السعودية ودول الخليج في عمق التطبيع، بل والتنسيق مع العدو الصهيوني ضمن مخطط أمريكي والتزام السعودية بكامب ديفيد، لاسيما ما يخص تيران وصنافير في حالة حصولها عليهما تقع ضمن هذا المخطط».

خانتها النخبة

ونبقى مع نقد للثورة فبحسب عادل السنهوري في «اليوم السابع» فإنه: «لا يمكن لأحد مهما كان أن ينسب لنفسه هذا الخروج العظيم والمشهد المهيب للشـــعب المصــــري، فليس هناك في ذلك الوقت من كان قادرا حتى على حشد أهل بيته خارج منزله، ولا يمكن لأحد أن يحتكر لنفسه مبخرة الثورة، فالشعب سبق النخبة ولم ينتظرها، ورموز هذه النخبة ارتدت أفخم ثيابها للظهور أمام شاشات الفضائيات لادعاء البطولة الزائفة وحصد الثمار مبكرا، وقبل أن يسدل الليل ستاره، وتدور المؤامرات حول ثورة الشعب البريء الذي ثبت في الميادين مطالبا بالتغيير.
كان يمكن أن تنتصر الثورة وتحكم وتحقق مطالبا لولا «خيانة النخبة» وانقضاض طيور الظلام من الإخوان والتنظيم الدولي عليها، ومقايضاتهم مع نظام الحكم المتهاوي على بقائه مقابل الاعتراف الرسمي بهم ودخولهم القصر ومجلس الوزراء وكل مؤسسات الدولة، رغم رفضهم النزول ورفضهم مطالب تنحي مبارك. الكل بدأ يخطط لمساره السياسي وأطماعه الشخصية وتركوا الناس في الشوارع يواجهون بصدورهم العارية العنف والقوة حتى قطف الإخوان الثمرة كاملة».

هل يستحق ما حدث؟

يتساءل حسام فتحي في «المصريون»: «هل مبارك ونظامه كانا يستحقان ما حدث؟ والإجابة: طبعا.. وتأكيدا ودون شك أو لحظة تردد هي «نعم» كبيرة، يضاف إليها أن ذلك تأخر كثيرا جدا، وكان يجب أن يحدث منذ منتصف التسعينيات، وآه «لو» فعلتها وتركت الكرسي يا «أبو علاء» لكنت اليوم أيقونة المصريين التي يعشقونها، ولكنت «الرئيس الوالد»، مدى الحياة.. معززا.. مكرما.. بطلا غاليا من أبطال أكتوبر/تشرين الأول، وتعرف كم أن المصريين عاطفيون، ولكن آه من «لو» هذه يا سيدي أنها لا تفتح المجال لعمل الشيطان فقط، ولكن أيضا تفتح أبواب الحسرة وكهوف الندم وسراديب اللوعة. سامحنا الله إذ تركناك تفعل بنفسك وبنا ما فعلت، ولعن الله اثنين: «كرسيا» أودى بشعب إلى ما نحن فيه، و«بريق سلطة زائلة» فعل بصاحبه ما فعله بك. من المبكر أن يحسم التاريخ ومؤرخوه توصيفا دقيقا لما حدث صبيحة 25 يناير/كانون الثاني 2011، بالنسبة لي شخصيا فإن الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع هم ثوار قاموا بثورة على نظام مستبد، مارس ضدهم كل أنواع القهر والتنكيل، مستخدما ذراعا أمنية لا علاقة لها بالإنسانية، ومن مات منهم احتسبه عند الله شهيدا بإذنه تعالى، ومن أصيب أو فقد عضوا من جسده فقد فعل ذلك وهو يدافع عن وجودنا ومستقبل أبنائنا، وله في قلب كل مصري حر كل التقدير والاحترام، وهؤلاء الشهداء والمصابون هم خيرة شباب مصر، وانضر الورد تفتحا في بساتينها، شاء من شاء وأبى من أبى، ولا أقبل أن يصفهم أحد بـ«النكسجية» أو الثورجية».

فعلاً وطن مهلهل

«ماذا يفعل الترقيع في ثوب مهلهل؟ يتساءل في «البديل» بدوي البيومي، بالطبع لن يسد خروقاته، وإن نجح في التئام ثقب ستتفتق عشرات الثقوب الأخرى؛ لأن الخرقة بالية تدب في ثناياها «العثة» ويتخلل خيوطها العفن.. إنه حال التعديل الوزاري المرتقب. «الواد بلية زي الواد زلطة زي الواد شغتة»، كلهم صبيان المعلم تيفا، بينفذوا أوامره «خد ياد يا بلية روح ياد زلطة» مفيش فرق بالنسبة لنا، المعلم «بيمشيهم على العجين ميلخبطوش.. انتوا هتعرفوا أكتر مني الحكومة دي كويسة ولا لأ! أنا اللي بقعد معاهم كل يوم».. هكذا التعديل الوزاري الوشيك؛ يظل وزير الصحة أو يغادر، الإبقاء على وزير التربية والتعليم أو استبداله، التمسك بوزير الخارجية أم تسريحه، واستغلال حيز الفراغ الذي يشغله وكمية الأوكسجين التي يتنفسها، عملًا بنصائح التقشف التي طالما يطالبنا بها القائد العظيم. الأحوال البائسة التي وصلنا إليها لا تخفى على أحد سوى أنصار الملك المُحنك، الذين يتغنون بإنجازات مولاهم التي لا يراها سواهم، حيث احتلت مصر المرتبة 134 من إجمالي 139 دولة في مؤشر جودة التعليم الابتدائي، والخدمات الصحية أشبه بالمُعدمة؛ فالمرضى على الأبواب وفي طرقات المستشفيات يموتون في اليوم ألف مرة، والآثار بتتسرق كل يوم، والسياحة حصلت على تأشيرة جهنم، والأسعار كالحصان الجامح لا يبلغها أحد، حتى وصل سعر كيلو السكر إلى 15 جنيها واللحمة بـ120 جنيها، والفراخ بـ30 جنيها.. والقائمة طويلة، حتى اقترب المواطنون من شراء السلع بالتقسيط».

مطلوب وزير

«لم يعد سرا أن هناك من يعتذرون عن قبول مناصب وزارية، وهذه الحالة ليست في مواجهة حكومة شريف اسماعيل فقط، فهي حالة ممتدة منذ ما يقرب من ست سنوات، وفق ما يرصده سامح فوزي في «الشروق»، بالتحديد منذ عام 2011. في الخبرة المصرية المنصب الحكومي، ناهيك عن الوزارة، له بريقه، يسعى البعض له بالمشوار كما يقال، وهناك في ثقافة التندر شخصية «عبدة مشتاق» الذي يريد أن يكون وزيرا، في أي وزارة لا يهم، الأمل أن يكون وزيرا، ثم يظل يتحرك في المجال العام بمسمى وزير سابق بعد ترك الوزارة. الحال تبدل الآن، هناك من لا يريد الوزارة، ويرى أنها عبء، أكثر من كونها منصبا وجاها. هذه الحالة حصيلة جملة من الأسباب منها، أن المنصب لم يعــــد مغنما، فالعائد المادي ليس مبهرا، ويمكن للشخص المعروض عليه المنصب من أصحاب الكفاءات أن يحصل على أضعافه خارج العمل الحكومي.
ومن الأسباب أيضا أن الخيارات المتاحة أمام أي وزير لأسباب مالية وفنية أصبحت محدودة، أو هي تحرك في الهامش أكثر منه في القلب، ما يجعل اللاحق مثل السابق، الكل يتحرك في مجال محدد، ليس له مساحة واسعة من الاختيار، حلم الإصلاح الشامل في ظل جهاز إداري عتيق ومترهل غير قابل للتحقق، ولاسيما أن المسألة تحتاج إلى إرادة سياسية، وموارد مادية كبيرة، ورغبة في إعادة رسم الخريطة السياسية والاجتماعية في المجتمع، وهذه جميعا تتجاوز صلاحيات وسلطات الوزير أيا كان. وأخيرا فإن الإعلام يلعب دورا في تطفيش الناس من قبول وظائف عامة. أحيانا تختلط المساحات ما بين النقد والافتئات والابتزاز في الرسائل الإعلامية، وتتعرض شخصيات عامة كثيرة لتجريح، ونيل من الكرامة، والمصداقية في أوساط اجتماعية على نحو يجعل البعض غير مرحب بدخول المعترك من الأساس».

تبرؤ مرفوض

مازالت قضية القبض على مستشار وزير المالية تثير جدلاً واسعاً، وبدوره هاجم حمدي رزق في «المصري اليوم» تبرؤ الوزارة من المتهم بزعم أنه مجرد مستشار وليس معيناً فيها: «تبرؤ وزير المالية على لسان متحدثه الرسمي لا يغني عن مساءلة الوزير، كيف اخترته، وفيم استشرته، وهل أخذت باستشارته، وفيم أشار عليكم؟ أخشى أنها ليست أول رشوة وليست أول جريمة ولن تكون آخرها، سقوط مستشارين في الصحة والمالية متلبسين بالرشوة وبالصوت والصورة والشيكات فضيحة مدوية، لم أسمع عن استقالة وزير الصحة يوم تم القبض على مستشاره في قلب الوزارة وتقليعه هدومه حتى الشراب، الذي كان يخفى فيه شيكات الرشوة، وها هو وزير المالية يتبرأ من مستشاره، ويذهب إلى عبثيات يقول بها متحدثه «القفاص»، ويقول ليس له سلطة ولا توصيف، «ناقص يقول ولا نعرفه البتة». إمبراطورية المستشارين، التي تتساقط تباعاً على أيدى رجال الرقابة الإدارية، لابد من نفضها والتخلص منها، الوزارات مش ناقصة مستشارين، أقله ضغطاً للنفقات، أعلم أن هناك مستشارين بلا أجر، وحتى هذا لا ينفي أن في مكنتهم استشارات بالملايين، وأعلم أن غالبيتهم معين على سبيل المجاملة.. ما الذي يملكه مستشار وزير المالية من صلاحيات ليرتشي بأربعة ملايين جنيه، ويقبض الدفعة الأولى، مليون جنيه، أليس هذا يحتاج إلى بحث في سلطاته وتوصيفاته الوزارية؟».

لماذا يرتشي الأثرياء؟

«كانت ظاهرة الرشى مقصورة على صغار الموظفين في الإدارات الحكومية، خاصة الوظائف الخدمية التي تتعامل مع المواطنين، وكان حجم الرشوة، كما يذكرنا فاروق جويدة في «الأهرام» بضعة جنيهات يضعها المواطن في درج صغير في مكتب الموظف، حتى يوقع الأوراق أو يحيلها لموظف آخر لديه هو الآخر درج صغير، لكن هناك تطور غريب في ظاهرة الرشوة في مصر الآن، أن نجد وزيرا يحاكم أمام العدالة أو نائب وزير يُلقى القبض عليه متلبسا في قضية رشوة أو مدير مشتريات لديه خزائن من المال في بيته، فهذا يؤكد أن قضايا الفساد لم تعد مقصورة على موظف صغير يبحث عن حلول لأزمة مالية، أو زيادة دخله، ولكن رشوة الوزير أو نائبه أو وكيل الوزارة تعني أن هناك خللا كبيرا في الجهاز الإداري للدولة.. لقد ألقت الرقابة الإدارية القبض على أكثر من مسؤول كبير وهم في حالة تلبس في قضايا رشوة بملايين الجنيهات ولا شك أن الظاهرة تحتاج إلى دراسات أمنية ونفسية واجتماعية للوصول إلى أسبابها. وهل كانت موجودة والمجتمع غافل عنها؟ أم أنه نشاط الأجهزة الرقابية التي تحركت أخيرا لتواجه هذه الانحرافات؟».

برلمان لا يليق بالثورة

نتحول للمعارك ضد البرلمان على يد عبد الناصر سلام في «المصري اليوم»: «لنا أن نتخيل تلك الأزمات الطاحنة التي يعاني منها المجتمع على كل المستويات، وتلك الأزمات السياسية والقانونية التي تعاني منها الدولة الرسمية على كل الأصعدة، في ظل برلمان يبحث من خلاله الأعضاء عن تحقيق مصالح خاصة، أو إشغاله بأزمات شخصية، في غياب أحزاب حقيقية، كان يجب أن تحمل على عاتقها الكثير من أوجه المسؤولية الوطنية، التي تشرذمت، وتفرقت دماؤها، بين الأفراد تارة، والجماعات تارة أخرى، حتى بدت الأمور وكأن السياسيين، كما البرلمانيين، هم الأكثر تفريطاً في الأرض والعرض، نتيجة وصول من لا يستحق إلى بهو البرلمان، أو من ليس أهـلاً للمسؤولية إلى سدة السلطة التنفيذية. آمل من الدكتور علي عبدالعال، رئيس مجلس النواب، أن يعمل على إرساء قواعد أخلاقية وقانونية لممارسة العمل البرلماني، أن يعمل على تهذيب أداء بعض النواب، الذي أساؤوا كثيراً لهذه المسؤولية السامية، أن يتعامل مع ما يتم عرضه من الأعضاء بالقدر الذي يستحق، من دون انحياز للعضوية، ومن دون تشهير بأحد، ذلك أن الحالة التي نحن بصددها نالت كثيراً من سمعة وقدر ذلك الصرح الطبي في أكبر محافظات مصر الإقليمية، ممثلاً في جامعة المنصورة، التي كانت ومازالت تؤدي مهمة وطنية، لا تضاهيها فيها أي جامعة أخرى، سواء فيما يتعلق بعمليات زراعة الكبد، أو الكلى، أو غيرهما، ناهيك عن ذلك العدد الكبير من الطلاب الوافدين».

أبوتريكة على الخط

«الضجة التي تم التعامل بها مع اللاعب محمد أبوتريكة بعد حكم المحكمة، عنوانها الأول وفقاً لحسين القاضي في «الوطن» التلاعب بالعقول من أجل إرضاء المجتمع والحصول على أكبر قدر من الإعجاب على مواقع التواصل الاجتماعي، مع أن القرار ستترتب عليه إجراءات ليس من بينها حبس اللاعب أو ضبطه، وقد شمل القرار 1537 غيره وعلى رأسهم الدكتور مرسي والبلتاجي ومهدي عاكف والشاطر، ومع ذلك لم يذكره أحد، بعد أن كان الشباب يموت من أجلهم وفي هذا عدة دلالات ليس هنا موضعها. ركب البعض موجة أن اللاعب خلوق، وكأن باقي المدرجين في الحكم لم يكونوا كذلك؟ ونسوا أن كثيراً من الإرهابيين اتصفوا بالخُلق وكثرة الصلاة والصيام، بل لم نر واحداً في زهد أسامة بن لادن، الذي ترك حياة الأمراء والسلاطين ليعيش هارباً مطارداً وسط الكهوف والجبال، ومع ذلك فإن زهده لم يمنعه من زعامة أكبر التنظيمات الإرهابية، كما كان الخوارج أكثر الناس صلاة وقراءة للقرآن، ومع ذلك تلوثت أيديهم بقتل أفضل الصحابة، فهل العدل أن تسري الأحكام على المغمورين، وتستثني المحكمة «أبوتريكة» لأنه معشوق القلوب، وغداً تستثني محمد صلاح – لو أخطأ- لأنه نجم العرب، وتستثني رمضان صبحي لأنه معشوق المراهقات؟ على أنهم لو كانوا يفقهون لعلموا أن الحكم بإدراج اللاعب كان ضد رغبة السلطة، ولو أن القاضي أراد أن يجامل السلطة لاستثنى اللاعب من القائمة؛ لأن البلد لا يسمح بصدمة جديدة لمشاعر الناس بعد صدمة ارتفاع الأسعار والغضب من توقف برنامج إبراهيم عيسى».

مصر تنهار أمام إيطاليا

«الفيديو الذي أذاعه التلفزيون المصري الرسمي قبل أيام للباحث الإيطالي المغدور جوليو ريجيني وهو يتحاور مع بائع جوّال، تبين أنه نقيب الباعة الجوالين، يمثل تطورا خطيرا للغاية في ملف قضية ريجيني، وقد علمنا أن إذاعة الفيديو كانت باتفاق بين جهات التحقيق الإيطالية والنائب العام المصري، غير أن النسخة التي أذاعها التلفزيون المصري حذف منها حوالي نصف دقيقة، كما وضح من مقارنتها بالنسخة التي أذاعها الإيطاليون، وتبين من الشريط المصور أن نقيب الباعة الجائلين كان يطلب من ريجيني أموالا بدعوى أن زوجته مريضة بالسرطان وابنته تعاني مشكلات، والباحث الإيطالي يعتذر له بأنه باحث أكاديمي وليس هذا دوره ولا يملك المال ولا يستطيع أن يعرض على المؤسسة البحثية أو النقابية البريطانية أن تدفع أموالا بشكل شخصي، وإنما تساعد نقابات مماثلة في إطار اتفاقيات قانونية ودولية .
كما يشير إلى ذلك جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون»متابعا، قال محمد عبد الله نقيب الباعة أن هذا الشريط سجل في أول يناير/كانون الثاني 2016 أي قبل اختفاء ريجيني وقتله بحوالي عشرين يوما على الأقل، وهو تأكيد لما انتهى إليه التحقيق الإيطالي، من أن الشرطة المصرية كذبت في ادعائها أنها لم تكن تعرف ريجيني، وأنها لم تتابعه قبل اختفائه في 25 يناير، وهو ما أكده النائب العام المصري في النهاية، وأثبت أن ريجيني كان يخضع للرقابة الأمنية، ليكون هذا أول اتهام للشرطة المصرية بتضليل العدالة، ويأتي هذا الشريط المصور ليضيف «مصيبة» جديدة، وهي أن الجهاز الأمني كان يراقب ريجيني ويصور تحركاته ويرصد نشاطاته بدقة طوال ثلاثة أسابيع على الأقل، وهذا يعني ـ بداهة ـ استحالة الادعاء بأن الأمن المصري لا يعرف كيف اختطف ريجيني؟ وأين اختفى؟ وكيف عذب وقتل بتلك الطريقة الوحشية التي كشفت عنها جثته؟ خاصة وأن نقيب الباعة يقول إنه كان يشعر بأنه «جاسوس» وأنه كان يتعاون مع الأمن بخصوص ريجيني على هذا الأساس، وبالتالي من المحال أن يترك الجاسوس بدون متابعة على مدار الساعة. الحصار يضيق بالفعل على جهاز أمني مصري، هذا ما فهمه الجميع أول أمس بعد إذاعة شريط الفيديو، وقد اضطرت جهات التحقيق القضائية المصرية ممثلة في النائب العام إلى السماح لفريق تحقيق إيطالي بأن يأتي إلى مصر ليحقق بنفسه في بعض مستندات القضية».

أحرص الناس على الحياة

أحمد بان في «البديل» عنده ما يقوله: «كانت أكثر القضايا المهدورة هي قضية فلسطين التي تحولت من قضية مركزية على الأقل في وعى الشعوب إلى ظل باهت في ذاكرة الشرائح الأوسع، بينما بقيت بقية قليلة لم تفقد إيمانها بالقضية واعتبارها البوصلة الصحيحة للحركة والفعل، وهو ما جسدته حركات مقاومة في عالمنا العربي والإسلامى مازالت ممسكة بجمرة النضال، رغم تصاعد موجات اليأس والتآمر التي بلغت الحلقوم. صحيح أن الأنظمة التي كانت تحكم العالم العربي قبل موجات الربيع العربي لم تكن داعمة لتحرير كامل التراب الفلسطيني، أو حتى التمسك بالحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني سوا،ء تجسد ذلك في حل الدولتين أو أي مقاربة استسلامية أخرى، إلا أن هامش المناورة لا شك كان أفضل نسبيا مما هو عليه الآن، خصوصا بعد أن وصلت شعوبنا إلى حالة من الإنهاك، جعلت جل جهدها واهتمامها يتلخص في البقاء فقط على قيد الحياة أي حياة. على الرغم من أن ذم بني إسرائيل في القرآن تعلق بهذا الوصف «ولتجدنهم أحرص الناس على حياة» أي حياة عماها الذل والفضيحة والعار والشنار، إلا أن جل العرب والمسلمون تعلقوا بحياة مماثلة بددوا فيها كل الفرص التي تكفل لهم حياة الأحرار. فشلت رهاناتهم السابقة على الأعداء في توفير الأمن والسلام، التي أكد فيها هذا العدو في كل مرة أنه وفيّ فقط للكيان الصهيوني في كل ما يفعل، رغم ذلك مازلنا نسمع صيحات بعض الأعراب التي يستبشرون فيها بقدوم السيد ترامب إلى البيت الأبيض، معتقدين أنه سيخلصهم من العدو الذي أحاط بهم ونشر الإرهاب في ربوعهم وحول العالم».

الخدمات الصحية شبه معدومة والسياحة حصلت على تأشيرة جهنم والأسعار ترتفع ومصر مازالت تنتظر ثمار الثورة

حسام عبد البصير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية