ضربه معلمه بالعصا دون سبب.. فسأله المأمون : لمّ ضربتني؟!
قال المعلم : اسكت.. وكلما سأله المأمون، قال له المعلم : اسكت..
وبعد عشرين سنة، عندما تولى المأمون منصب الخلافة، استدعى معلمه، فقال له : لم ضربتني عندما كنت صبياً؟!
فابتسم المعلم وقال : ألم تنس؟
فقال المأمون : والله لم أنس.
فقال له المعلم : حتى تعلم أن المظلوم لا ينسى!
لا تظلم أحداً، فالظلم نار لا تنطفئ في قلب صاحبها، ولو مرت عليه السنون.
صديق عزيز أرسل لي هذه القصة عن الخليفة المأمون في رسالة يدعوني من خلالها لأن أجعلها مقدمة لمقال أكتبه !
قرأت الحكاية مرّاتٍ علّها تلهمني كتابة مقال يحمل مضموناً مختلفاً جديداً، وفي كل مرّة أذكر نفسي بعدد المقالات التي كتبتها وكان مضمونها الظلم، هذا المعنى الذي صار بوقتنا الحاضر يكبّد أبجديتنا العربية استهلاكاً كبيراً من طاقتها الإبداعية مقابل المعاني الجميلة الأخرى التي وإن صار وعشناها للحظات فلا بدّ أن تكون نهايتها مختومة بذكريات دامعة، مثل الحبّ ومثل الفرح!
أريد الخروج من دوامة بحار الظلم يا صديقي، إلى شطآن العدالة والتسامح والرحمة، فإذا كان الغرق هو المعبر الوحيد للوصول، فليكن في بحور الفكر والتجدد بكل ما يمكن أن تحتويه من متع لعقل الإنسان وروحه.
تلك الشطآن «بالنسبة لي « هي الجنة، وأنا أريد الخروج إلى الجنة، فيا ليتك بعثت لي بما يحفزني على الكتابة عنها بأسلوب فكري عصري جديد مبتكر.
لقد قرأت فيما سبق الكثير مما كتبه المؤرخون عن عهد خلافة المأمون وقبله الأمين، واستنتجت الآن بعد قراءتي الحكاية التي أرسلت، أن ضربة العصا التي علقت بذاكرة المأمون منذ طفولته ما كانت درساً له ليكون وفياً لميثاق والده الرشيد، فما إن اعتلى أخوه الأمين ( ابن زبيدة / العباسية ) عرش الخلافة حتى لوى قلب المأمون (والدته فارسية) أمام عصا الفتنة التي أدت إلى مقتل أخيه على يد أحد قواده واستلامه العرش !
يبدو أنه كان على ذاك المعلم أن يلقنه درساً مباشراً في الابتعاد عن الفتنة وآخر في معاني الحبّ والوفاء، وهو العارف أنه ابن الخليفة الرشيد ويوماً ما ستصبح الخلافة له !
ثمّ لماذا عليّ أن أستنجد بأمهات الكتب وقصص الأنبياء، وحكايات الخلفاء، وروايات الأولين والآخرين ممن خلفوهم لآخذ منها لأي موضوع وجداني أكتبه حكمة وعبرة، وواقعنا ملآن بالحكم والعبر وأنا شاهدة واقعٍ ومحيطي كله كذلك، ويمكن لأجسادنا أن تصطف للشهادة في مضامينها وعند كل باب من أبواب المعاني !
لماذا أعود إلى الماضي البعيد فآخذ بحكمٍ أطلقه في أوانه فلان ثمّ نقله عنه فلان ثمّ فلان ثمّ فلان وصولاً لآخر جيل في هذا الزمان ؟!
هل خلت ذاكرتنا الجمعية التي وثقت أحداثا أقرب لحاضرنا من شخصيات يمكن أن نقتضي بها ؟!
لا شك أن قصص الأولين تشكل ينبوعاً لثقافتنا العربية، وعلينا كدارسين ـ كتاباً ومثقفين ـ استيعاب أحكامها جيداً بالزمن الذي أتت به، وكذلك يتوجب علينا حمايتها من الضياع إن في غبار المكتبات القديمة أو في مواقع التوثيق الالكتروني غير الموثق، تماماً مثلما نطالب اليوم بحماية حق الملكية الفكرية لأي منتج ثقافي أوعلمي، لكن يبدو لي أن تلك القصص باتت للكثير منّا وللبعض من جيل شباب اليوم المغترب عن ماضيه بسبب عولمة التعليم ما هي إلا حكايات مملة، ولبعضه الآخر مثيرة للضحك من قدم حبكتها، وربما.. ربما للأجيال المقبلة تصبح بمثابة الأسطورة !!
ماسة بشار الموصلي