الخريطة العربية الجديدة وانهيار حُلم الوحدة

حجم الخط
1

خريطة العالم العربي البائسة أصلاً تتجه نحو مزيد من البؤس والبشاعة، فالخطوط التي تقسم البلاد والعباد تزداد ولا تنقص، والخلافات تتعمق بين ملوك الطوائف، ولا يوجد ما يدفع الى الاعتقاد بأن البديل عن خريطة «سايكس- بيكو» سيكون أفضل، بل هو إنتاج أكثر رداءة ولا يدفع إلى التفاؤل.
تتجه الدول العربية المفتتة أصلاً، الى مزيد من الانقسام والتشرذم، ويتجه العالم العربي لتشكيل خريطة جديدة، بات من الواضح أن للولايات المتحدة واسرائيل يد فيها، وهي خريطة تقوم على تقسيم ما يمكن تقسيمه من هذه الأرض العربية، لإنتاج دويلات عربية أكثر ضعفاً من أي وقت مضى.
وتتضح الرؤية تدريجياً لما يجري في المنطقة، فاليمن أصبح واضحاً أنه يشهد صراعاً استراتيجياً كبيراً من أجل تقسيمه وإعادته الى دولتين، كما كان في السابق، فالحراك لاستقلال الجنوب وتأسيس دولة فيه، بات أكثر من أي حراك آخر، بما في ذلك الحراك لاستعادة الشرعية واستعادة العاصمة صنعاء من أيدي الحوثيين، فيما يبدو الان واضحاً أكثر من أي وقت مضى أن التحالف العربي لا يتجه للحسم في اليمن، وربما لن ينجح برنامجه هناك.
وبينما يتجه اليمن الى التقسيم، فان سوريا أصبحت مقسمة الى ثلاثة أقاليم، كل منها مستقل بنفسه بحكم الأمر الواقع، في ما لا يعلم أحد مستقبل البلاد بعد انهيار دولة «داعش» في الرقة والمناطق الشرقية. أما العراق فهو في أحسن أحواله مقسم الى دولتين – بحكم الأمر الواقع أيضاً- إحداهما هي العراق الذي نعرفه، والأخرى هي اقليم كردستان الذي يتصرف أصلاً كدولة مستقلة، وليس جزءا من دولة اتحادية، ولا حتى كإقليم يتمتع بحكم ذاتي.
وقبل سوريا والعراق واليمن فقد السودان نصفه الجنوبي، وأصبح السودان دولتين كل واحدة منهما أضعف من الأخرى، واحدة منهما عربية والأخرى إفريقية لا تعترف بالعرب ولا تزعم أنها جزء من هذه الأمة أصلاً.
وعلى وقع عملية التفتيت التي يشهدها العالم العربي، والخريطة التي يُعاد رسمها، فقد نجحت إسرائيل وبصمت في تقسيم القضية الفلسطينية برمتها، فقامت بتفتيت الشعب وتفتيت الأرض، إذ بجملة الاغتيالات الاسرائيلية التي استأصلت قيادات الاجماع الوطني الفلسطيني، وعلى رأسهم الشهيدين ياسر عرفات وأحمد ياسين، انتهى الواقع الفلسطيني الى انقسام جغرافي (الضفة والقطاع) وانقسام سياسي (فتح وحماس)، وأصبح الفلسطينيون بقيادتين وسلطتين وإقليمين، وحدث ذلك كله بعد عامين فقط على اغتيال كل من الشيخ أحمد ياسين (مارس 2004) وياسر عرفات (نوفمبر 2004).
لم يعد هناك أي شك في أنَّ الخريطة العربية يُعاد رسمها حالياً، ولا شك أيضاً في أنها ستصبح أسوأ من السابق، وأن أحلام الوحدة العربية سوف يصبح تحقيقها أصعب من أي وقت مضى، أما السبب الرئيس في ذلك فهو أن بعض الأنظمة العربية لديها الاستعداد المسبق لأن تفعل أي شيء في مقابل البقاء والتمترس على الكراسي، كما أن بعض الحكام العرب يفهم المصلحة العامة في تحقيق مصالحه الشخصية وبقائه في الحكم، ولذلك فانه مستعد لتقديم البلاد بما فيها ومن فيها من أجل أن يظل حاكماً، ومن أجل أن يحقق مصلحته الشخصية.
وخلاصة القول هو أنَّ أحلامنا بأمة عربية واحدة، ووطن واحد من المحيط الى الخليج، تتحطم اليوم على صخرة مزيد من التقسيم والتفتت وانهيار الدول القائمة، أما السبب وراء ذلك فهو أن «ملوك الطوائف» الذين يحكمون العالم العربي يتهافتون على الحفاظ على كراسيهم مهما كلفهم ذلك من ثمن، ومهما دفعت شعوبهم وبلادهم من تكاليف، في ما يبدو أنَّ الخروج من هذه المرحلة البائسة يحتاج الى يقظة شعبية عربية، توقف عمليات التفتيت التي تتسبب بها أنظمة حُكم ترعى مصالحها ولا تراعي مصالح أيّ من شعوبها.
كاتب فلسطيني

الخريطة العربية الجديدة وانهيار حُلم الوحدة

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية