«الخزنة7» صفعة لـ «سي آي إيه» وضربة لمؤسسة تعتز بالسرية وتستخدم تقنياتها لضرب أهداف أجنبية… وألمانيا قلقة من ظهور مواد قد تؤثر على حملة ميركل الانتخابية

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: للمرة الثانية تتعرض الاستخبارات الأمريكية لاختراق مدمر استهدف هذه المرة أسرار القرصنة التي استخدمتها للتنصت على الهواتف والتلفزيون الذكي وأجهزة الكمبيوتر.
وعلى خلاف الهجوم السابق الذي تم في شهر آب/أغسطس واتهمت فيه روسيا فقد حدث الاختراق بأيد أمريكية وربما من أفراد لهم علاقة بعمليات القرصنة كما ورد في بيان موقع «ويكيليكس» الذي تحدث عن تداول الملفات بين المسؤولين الاستخباراتيين لمدة طويلة وربما قام أحدهم بتزويد الموقع بجزء منها.
وأطلقت «ويكيليكس» على الوثائق «الخزنة7» واعتبر الاختراق الأسوأ منذ تسريب الملفات التي قام بها خبير الكمبيوتر في وكالة الأمن القومي، إدوارد سنودن بتسريب عشرات الآلاف من الملفات عام 2013.
ويكشف الاختراق الجديد عن الكيفية التي قامت بها وكالة الاستخبارات الأمريكية «سي آي إيه» ببناء قوة من 5.000 للحرب الألكترونية على مدار الأربع سنوات الماضية. وقال موقع «ويكيليكس» إن الـ 8.761 وثيقة تمثل جزءًا من أرشيف حصل عليه وسيقوم بالكشف عنه.
وقال جوليان أسانج، المحرر للموقع الذي يقيم في السفارة الإكوادورية إن «سي آي إيه» فقدت السيطرة على «ترسانة القرصنة».
وتكشف التسريبات عن الدور الذي لعبته المخابرات البريطانية في تصميم نظام لمراقبة تلفزيون سامسونغ ونظام تشغيل أندرويد وغيرها من التطبيقات المعمول بها على الهواتف الذكية.

معركة المخابرات

وتأتي التسريبات في وقت تواجه فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب جدلاً حول علاقتها مع الروس أثناء الحملة الانتخابية.
وحاول موقع «ويكيليكس» إثارة الجدل عندما قال إن «أمبريج» وهو ملف ملفات «سي آي إيه» حول معلومات عن أساليب القرصنة التي ساعدت الجواسيس للقيام بهجمات إلكترونية وساعدتها على القيام بعمليات قرصنة بحيث يتركون «بصمات» خاطئة من أجل توريط الآخرين.
وقال الموقع إن بعض الأساليب تم اختراعها في روسيا. وطالما اعتبرت المخابرات الألمانية موقع «ويكيليكس» بأنه أداة في يد المخابرات الروسية.
وتتوقع ظهور مواد تؤثر حظوظ المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في انتخابات إيلول/سبتمبر المقبل. وكانت المخابرات البريطانية «أم أي فايف» قد حذرت العام الماضي أن روسيا تستخدم «مستويات عدة» ضد الغرب.
واعتبر أسانج التسريبات «خزنة7» «استثنائيا من ناحية سياسية وقانونية وتشريحية». وقال سنودين المقيم كلاجيء في روسيا إن الملفات تبدو «حقيقية» وأن «سي آي إيه» وجدت ضعفا في أنظمة أبل وأندرويد.
وعلق جوليان بورغر مراسل صحيفة «الغارديان» في واشنطن قائلاً إن المؤسسة السياسية في واشنطن تعاملت مع التسريبات على أنها جولة جديدة من المعركة بين المخابرات الأمريكية والروسية وساحتها السياسية أمريكيًا، وهي معركة ينظر فيها لويكيليكس تقف وبشكل قوي في الزاوية الروسية.
وأضاف أن الرئيس ترامب خاض حرباً مع المخابرات الأمريكية وقلل من قيمتها بدرجة قارنها مع النازية الألمانية على خلفية «الدوسيه القذر» الذي كشف عن إمتلاك المخابرات الروسية معلومات فضائحية عن الرئيس تعرضه للإبتزاز.
وفي الوقت نفسه مدح الرئيس تسريبات «ويكيليكس» عن رسائل منافسته هيلاري كلينتون أثناء الحملة الانتخابية ووصل به المدى لاتهام إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بالتنصت عليه.

اتهامات

ويقول بورغر إن تقنيات «سي آي إيه» للقرصنة تغذي النزاع وبشكل مباشر بين الرئيس وقادته الأمنيين.
فقد لمح عدد من داعمي الرئيس إلى أن عملية القرصنة الروسية ما هي إلا «عملية مخابرات سرية» قامت بها وكالة أمنية محلية ومن يعادون الرئيس.
ومن هنا فستقدم «الخزنة7» ذخيرة لهم للهجوم على مناوئيهم. ويرى جيمس لويس، نائب مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أن التسريب يهدف للتأكيد على الجهة السرية التي يزعم معسكر ترامب بأنها وراء القرصنة.
ويقول «قد يكون هذا واحداً من التفسيرات لهذه التسريبات ـ وستساعد البيانات على بناء حالة من أن التدخل الروسي والصلات ما هي إلا مؤامرة قامت بها «الدولة العميقة» كما تظهر في المعلومات التي نشرها موقع ويكيليكس».
وأضاف لويس أن «ترامب الذي نفى غاضباً في العام الماضي نتيجة الوكالات الاستخباراتية تدخل الروس في الانتخابات الرئاسية لتعزيز حظوظه قد دعا موظفيه واللجنة في الكونغرس التي تحقق في التأثير الروسي على الانتخابات الكشف عن الأدلة من أن أوباما قاد الجهود للتجسس عليه».
ويعلق بورغر أن موقف الغرب من ويكيليكس قد تغير منذ قيام هذه عام 2010 بتسريب وثائق سرية عن حربي العراق وأفغانستان وكذا برقيات السفارات الأمريكية السرية.
وحظي الموقع ومؤسسه أسانج بدعم معارضي الحروب الأمريكية والداعين للشفافية في الحكم. إلا أن الدور الذي لعبه في الانتخابات الأمريكية عام 2016 جعل الكثيرين ينظرون إليه نظرة شك وأنه تحول إلى ألعوبة بيد الروس.
فقد ركز الموقع تسريباته على طرف واحد في السباق الرئاسي ـ كلينتون وجاءت في لحظات حرجة من الانتخابات. فبعد تسريب 2000 رسالة إلكترونية لكلينتون قال ترامب معلقاً «أحب ويكيليكس».
وكتب روجر ستون، المستشار السابق لترامب يوم السبت أن «لديه قناة خلفية قانونية» لمؤسس «ويكيليكس»، أسانج ثم قام بحذف ما كتبه.
وفي كانون الثاني/يناير أكدت «سي آي إيه» وإدارة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الفدرالي وبثقة عالية أن المخابرات العسكرية الروسية تحدد مقرصنين معروفين مثل «غوسفير 2.0» و»دي سي ليكس» سرقوا معلومات من مسؤولين ديمقراطيين بارزين وسربوها لـ «ويكيليكس».
وجاء في نتيجة الاستخبارات الأمريكية أن «موسكو اختارت «ويكيليكس» لأنها معروفة بالمصداقية. ومن هنا فالتسريب عبر ويكيليكس لا يحتوي على أية أدلة للتزييف».
ويشير بورغر إلى أن الموقع لم ينشر أية مواد مضرة بروسيا، حيث قدم مرة خاصة برنامجه الخاص على قناة «روسيا اليوم» قبل لجوئه إلى السفارة الإكوادورية التي يقيم فيها منذ أربعة أعوام.
ونقل الكاتب عن سوزان هينسي، المحامية السابقة لوكالة الأمن القومي والباحثة حاليًا في معهد بروكينغز «هناك الكثير من الأدلة الظرفية والتي تشير للعلاقة بين أسانج وروسيا» و«ليس مصادفة أن تختار المخابرات العسكرية الروسية ويكيليكس لنشر المعلومات عن القرصنة التي قامت بها على الديمقراطيين».
وقالت أن «تورط ويكيليكس يثير الكثير من الشكوك، فقد كرس نفسه لوضع مواد مضرة للمصالح الغربية فيما تجنب الموقع وبدأب نشر مواد قد تكون مضرة للمصالح الروسية».

عام الصفر

ويعتبر التسريب الجديد الذي أطلق الموقع عليه «خزنة7 عام الصفر» الأسوأ لأنه يحتوي على آليات لاستخدام برمجيات خبيثة. ونقل موقع «ديلي بيست» عن جيك ويليامز، مؤسس «رنديشن إنفوسيك»، «بالنسبة للسي آي إيه فهذه خسارة كبيرة» و»بالنسبة لأشخاص يردون على الأحداث فهذا كنز».
ويضيف الموقع أن «ملفات القرصنة هي الكشف الثاني لـ»ويكيليكس» من كمية كبيرة من الوثائق التي تطلق عليها «خزنة7» وكشفت الأولى في شباط/فبراير عن مراقبة «سي آي إيه» الانتخابات الفرنسية في عام 2012 والذي دعا البعض لاتهام أمريكا بالنفاق خاصة أنها تحقق اليوم بالتدخل الروسي في انتخاباتها الرئاسية.
وقال الموقع إن التسريبات الجديدة أثارت اهتمام مستخدمي التواصل الاجتماعي حيث اتهم البعض في ثرثراتهم المخابرات بزرع برنامج خبيث لتوريط الكرملين وفلاديمير بوتين في عمليات القرصنة على الحزب الديمقراطي وفي محاولة لتبرير التجسس على «برج ترامب».
ولاحظ روبرت أم لي، مؤسس شركة للأمن الألكتروني «دراغوس» أن هناك ترابطاً في الثرثرات التي تهدف لدق إسفين بين الرئيس والمخابرات.
ويرى الموقع أنه رغم التشابه بين القرصنة على الديمقراطيين والتسريبات الحالية إلا أن الملفات الأخيرة تشير إلى أنها عمل داخلي قام به أشخاص من داخل المؤسسة الأمنية وليس نتيجة لعملية قرصنة.
فروسيا حسب اعتقاد الكثيرين لم تستطع اختراق المخابرات الأمريكية بالطريقة نفسها التي اخترقت فيها اللجنة القومية للحزب الديمقراطي وهذا يعني أن موظفين في الوكالة أو متعهدين لديهم إذونات قاموا بتسريب المعلومات. ويعود تاريخ آخر ملف في المجموعة الأخيرة إلى شباط/فبراير 2016 ومن هنا فستقوم المخابرات بالبحث عن الشخص الذي قام بالتسريب وتحديد دوافعه أو دوافعها.
وعادة ما لا يعلق موقع «ويكيليكس» على المصادر التي أوصلت إليه المعلومات وينفي علاقة روسيا بها.
وفي هذه المرة أكد الموقع أن المعلومات هي محل تداول بين المتعهدين والموظفين السابقين في المخابرات وهم من أوصلوها له.
وانتقد مسؤولون في المجتمع الأمني ما قاله أسانج من أن «المصدر يرغب بتحفيز حوارعام حول الأمن والإبداع واستخدام والتحكم الديمقراطي في الأسلحة الألكترونية. إلا أن ويليامز، القرصان السابق الذي عمل مع الحكومة يرى أن أسانج ربما قال الحقيقة وأن من سرب الوثائق شخص يريد قول الحقيقة وقلق على وضع الحريات المدنية.

«كاتالوغ»

وأياً يكن الحال فالتسريب يضع ترامب أمام منعطف صعب «فقد مدح ويكيليكس في السابق» كما يقول لي و«الآن سيتعامل مع ما سيصبح لاحقاً كارثة أمنية جماعية»، خاصة أن المعلومات المسربة تبدو كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» كتاغالوغ من الأدوات حول القرصنة على الأجهزة الذكية.
ومن بينها برنامج اسمه «ريكينغ كرو» ويوضح الكيفية التي يتم من خلالها الهجوم على جهاز كمبيوتر، وهناك برنامج يوضح الكيفية التي سيتم من خلالها سرقة كلمة السر. وهناك برامج تحمل أسماء مثل «كرنتشي لايمسكايز» و«إيلدر بيغي» و«أنغر كويك» و«ماكناغيت».
وتقول الصحيفة إن التسريبات تعتبر انقلاباً للمنظمة التي تكافح السرية وصفعة قوية للمخابرات الأمريكية والتي تستخدم أدواتها في القرصنة للقيام بهجمات ضد أهداف أجنبية.
وأشارت الصحيفة إلى أن «سي آي إيه» والمخابرات المتعاونة معها استطاعت اختراق تطبيقات أبل وأندرويد مما سمح للضباط العاملين في هذا المجال للدخول إليها بدون الحاجة لفك الشيفرات الخاصة على الخدمات المعروفة مثل «سيغنال» و«واتساب» و«تليغرام».
وعلى خلاف تسريبات سنودين التي كشفت عن هوية الضباط وأسماء وطرق التنصت فإن المجموعة الأخيرة لا تحتوي على أمثلة حول كيفية استخدام الأدوات ضد أهداف أجنبية وهو ما يقلل من الضرر. ومع ذلك تظل التسريبات محرجة لوكالة تعتمد في عملها على السرية. وشبه روبرت تشيسني، الخبير في قانون الأمن القومي بجامعة تكساس بأوستن الكنز الجديد لـ»سي آي إيه» بتسريبات وكالة الأمن القومي والتي كشفت عنها مجموعة تطلق على نفسها «شادو بروكرز» (رجال الظل) وقال «لو كان هذا صحيحاً فهو يكشف أن وكالة الأمن القومي ليست الوحيدة التي تعاني مشاكل متقدمة وأمنية في هذه الأدوات»، «ويتم قرصنتنا المرة بعد الأخرى».
وأشارت الصحيفة إلى أن بعض مسؤولي الحكومة والمخابرات يعتقدون أن الوثائق حقيقية خاصة أسماء البرامج السرية التي تستخدمها «سي آي إيه».
وعلق بيو وودز، نائب مدير «مبادرة إدارة الأمن الألكتروني» بالمجلس الأطلنطي في واشنطن إن الناس الذين يعرفون الكثير عن الأمن والقرصنة افترضوا أن «سي آي إيه» يقومون بالاستثمار في هذه القدرات ولو لم يقوموا فهناك آخرون سيفعلون مثل الصين وروسيا وإيران بالإضافة لفاعلين غير دول».
وقال إن الكشف سيثير القلق حول مصداقية التكنولوجيا خاصة أن الأمن الألكتروني يترك أثره على الحياة الإنسانية والسلامة العامة.
ولا توجد أدلة تشير لاستخدام تقنيات القرصنة ضد مواطنين أمريكيين إلا أن بن وينزر، مدير برنامج حرية التعبير والخصوصية والتكنولوجيا في اتحاد الحريات المدنية الأمريكية إن الحكومة سمحت عن قصد بمظاهر الضعف في الهواتف والأجهزة الأخرى من اجل التجسس عليها بسهولة. و«لن يتم استغلال مظاهر الضعف هذه من قبل الوكالات الأمنية ولكن القراصنة حول العالم كما يقول وينزر».
ودعا للتغلب على الثقوب في أمن الهواتف الذكية حتى يشعر مستخدموها بالأمن.
وأشارت الصحيفة إلى إمكانية تسريب قوى أجنبية للوثائق وهو رأي لويس، من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية والذي يغلب فكرة تورط جهة اجنبية وليس شخصًا «مثقل الضمير داخل سي آي إيه».
وتعتقد «نيويورك تايمز» أن «خزنة7» تشبه تسريبات المحللة السابقة في الاستخبارات العسكرية تشيلسي مانينغ التي سربت وثائق مهمة عن حربي العراق والخليج.
وتشبه أيضاً ربع مليون برقية لمراسلات السفارات الأمريكية حول العالم بالإضافة لتسريبات سنودين. وفي عالم المال والأعمال والحسابات في مناطق التهرب الضريبي عرت أوراق بنما النشاطات التي لجأ إليها الأثرياء للتهرب من الضرائب.
ومما سهل تسريب وثائق كهذه هي القدرة على تخزين وتحميل وتصنيف ملايين الوثائق وإرسالها في ثوان وهو تحول كبير مقارنة مع تسريبات سابقة حيث تم الاعتماد على التصوير البطيء كما في أوراق البنتاغون التي سربت عام 1971.

«الخزنة7» صفعة لـ «سي آي إيه» وضربة لمؤسسة تعتز بالسرية وتستخدم تقنياتها لضرب أهداف أجنبية… وألمانيا قلقة من ظهور مواد قد تؤثر على حملة ميركل الانتخابية

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية