الخطاب السياسي في فرنسا بعد فضيحة «البوركيني»

حجم الخط
2

بعد الضربات الإرهابية التي تعرضت لها فرنسا مؤخرا من طرف بعض القوى المتطرفة، وبعد أن سحب البساط من تحت قصر الشانزيليه الفرنسي، وإبعاده من التداول والمشاركة في الكعكة التي كانت تنفرد بها الدول الاستعمارية كانكلترا، وفرنسا وألمانيا واسبانيا والبرتغال.
وبعد الانتقاد الواسع الذي تعرضت له فرنسا بسبب مشاركتها في الحرب ضد الارهاب في مالي وليبيا، التي لم تسفر نتائجها عن شيء مما جعل سياسة أولاند تتراجع بسبب تعهداته السابقة بانتهاء ما يعرف بسياسة (أفريقيا- فرنسا) التي مثلت امتدادات للهيمنة الفرنسية على أفريقيا، بالإضافة للأموال والعتاد التي صرفت في مالي ووجود خسائر بشرية ومادية، سقوط مروحيتين- رهائن فرنسيين..، لم تستفد منها فرنسا وخرجت خالية الوفاض.
كل هذه العوامل جعلت النظام الحاكم في فرنسا، يبحث عن مخرج من المأزق الذي وقع فيه، فشن حملة على المسلمات المرتديات «للبوركيني» ومنعهن من ارتدائه على الشواطئ، خصوصا شاطئ نيس وفي المسابح العامة.. وقد كانت جريدة» دايلي ميل» البريطانية سباقة الى نشر خمس صور تتعلق بمطالبة رجال الأمن الفرنسي لامرأة بخلع جزء من ملابسها وتحرير المخالفة المالية.
وقد تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الدولية والجرائد الإلكترونية العربية والغربية فيديوهات ومقالات، وأصدرت بيانات تستنكر هذا السلوك الأرعن والأهوج، من دولة تدعي الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان.
وكانت مؤسستان فرنسيتان قد تصدّرتا المشهد هما، الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان، ومؤسسة إسلام فوبيا، في مدينة فيلونييف- لوبيه، من خلال تقدّمهما بطعنٍ أمام هيئة القضاء الأعلى الفرنسية ضد القانون، وحصلتا نهاية المطاف، على قرارٍ أوّلي (احترازي) يقضي ببطلانه، ومنع العمل به، باعتباره غير قانوني، وينتهك الحريات الأساسية بما فيها حرية الاعتقاد والحريات الشخصية، خاصة في ظل عدم وجود دلائل ملموسة يمكنها تهديد النظام العام.
فقد شجب رئيس الحكومة الايطالية رينزي، قرار منع السلطات الفرنسة للبوركيني واعتبره قرارا غير ذكي. كما أن رئيس حكومة كندا جاستن ترودو هو الآخر أفصح عن موقفه من هذا الإجراء، واعتبره اجراء غير سليم، كما سبق أن انتقد قضية منع الحجاب في المدارس.
على أي حال، ورغم أن قرار المحكمة الاحترازي، يُوجب تعليق قانون الحظر في كافة البلدان والمدن الفرنسية الـ30 التي سارعت إلى فرضه، إلاّ أن العديد منها لا يزال متمسكا بالقانون، ويرفض الانصياع للقرار القضائي، باعتباره غير نهائي.
وإذا كانت بعض الدول الفرنكوفونية والأنكلوسكسونية، خصوصا أمريكا قد أصدرت بلاغا لمواطنيها باحترام القرار الفرنسي القاضي بمنع الحجاب باعتباره شأنا داخليا للدولة الفرنسية، إلا أن وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية بموضوع «البوركيني» هو ضمنيا بمثابة قرار سياسي له شرعيته الدولية، وهو أيضا بمثابة أمر وإشارات قوية تلتقطه الدول التي تدور في فلك أمريكا، باعتبارها القطب الوحيد والأوحد المتحكم في المنطقة. فمن الواضح أنه يصعب في مجتمع متعدد الثقافات، ومتعدد الأعراق مثل المجتمع الفرنسي أن يزعم أن «البوركيني» وحده قادر على تقويض العلمانية الفرنسية، أو ينتقص من سياستها وحضارتها. «البوركيني» لا يستطيع أن يهدد أمن الدولة الفرنسية، وهو ما يطرح تساؤلا أكبر هو بروز نوع من الخطاب السياسي في فرنسا يمكن تسميته «بنظرية الدولة المشككة في العديد من الثقافات» ومن بينها الثقافة الدينية، وهو ما يسقط فرنسا مرحليا وفي الظرف الدولي الحالي في خانة «الدولة المنغلقة» عكس ما تجهر به في اللقاءات الدولية، ما يدل حسب العديد من المحللين السياسين، على أن السجل التاريخي والسياسي لفرنسا من قضية «البوركيني» لم يعد مشجعا لعدة أطراف أخرى عربية من أجل الاستثمار والسياحة في فرنسا، بل يؤدي أيضا الى فتور العلاقات الدبلوماسية بينها وبين الدول التي كانت معجبة بديمقراطيتها التي أوشكت أن تدخل طي النسيان.
لقد انتقلت فرنسا من خلال قضية «البوركيني» لخانة الدول ذات العداءات القومية والدينية والعرقية، اعتقادا منها أن محاربة «البوركيني» هو محاربة للإرهاب، ولو تعاملت مع القضية بتقييم هادئ وواقعي لتمكنت من إغلاق مجموعة من الأبواب التي هي في غنى عن فتحها.
فما زال العالم يتذكر العدوان الدولي على العراق سنة1991 حيث انفرد جورج الابن بخطاب عرقي شديد اللهجة يقول فيه «إن الحرب ضد العراق هي حرب ضد الاسلام» ولكنه سرعان ما تراجع ليقول إن الحرب ضد العراق هي حرب ضد الارهاب»، والفرق واضح بين الكلمتين. لكن يبدو أن فرنسا ما تزال تعيش مرحلة من التعنت السياسي في تدبير الاختلافات العرقية والدينية والإثنية. وأن مسألة العولمة التي تنادي بها فرنسا تحولت الى آلة مدمرة للانسان، بمفهومه الكوني الشمولي. ومن الواضح أن هذه الحتمية التي يتسم بها ذلك التناظر مع الآلة تصبح عويصة في المقاربة الفرنسية، لأنها لا تخلق سوى نظرات ونظريات انعكاسية وعدوانية، هي بالضرورة والمنطق السياسي، تأكيد للطبيعة المنفرة للحياة الاجتماعية للمسلمات، مع ما تنطوي عليه محاربة «البوركيني» من غموض.
وبعد شد وجذب في هذا الملف الفضيحة الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، قرر مجلس الدولة في فرنسا تعليق قرار منع الحجاب، وقد جاء في القرار الموجه الى ثلاثين بلدية «منع ارتداء البوركيني ماس خطير بالحريات الأساسية وهي حرية التنقل وحرية المعتقد والحرية الشخصية» وبذلك يكون تأييد رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالس الانحياز الى تطبيق الاجراء وتأييده علانية، يضرب في العمق جوهر المبادئ الثلاثة التي انبت عليها الدولة الفرنسية بفلسفتها وتوجهها الداعي للحرية والإخاء والمساواة.
لقد سبق لفرنسا أن بعثرت أوراقها السياسية، إثر تدخلها في مالي ضد الجماعات الاسلامية المسلحة، عبر التفاوض مع جماعة أنصار باتكائها على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2085 الذي يسمح، بإنشاء قوة دولية لدعم مالي في حربها لاستعادة الشمال، وهذا التدخل الفرنسي اعتبر انتكاسة حقيقية لفرنسا في هذه المنطقة من جهة، وحماية مصالحها بمالي، كونها دولة استعمارية وطمعها في الثروات النفطية والغازية والمعدنية بمالي، ولقربها من حقول النفط بالجزائر، بالإضافة الى إقحام نفسها بليبيا هذا التدخل الذي أثار حفيظة السلطات في طرابلس، التي اتهمت باريس بانتهاك أراضيها، مشددة على ألا شيء يبرر تدخلا أجنبيا بدون إشعارها.
إن الدوافع الحقيقية لمنع السلطات الفرنسية «البوركيني» يمكن أن نحددها في النقاط التالية:
فشل السياسة الخارجية لفرنسا بمالي وليبيا واستبدالها بالاشتغال على السياسة الداخلية.
ملف مايسمى «البوركيني» هو امتداد للسياسة العدوانية لفرنسا، بعد فضيحة منع الحجاب في المدارس سنة2011.
رغبتها في كسب التعاطف الدولي بعد التفجيرات الارهابية التي تعرضت لها مؤخرا.
لفت أنظار المنتظم الدولي، باعتبارها دولة رائدة وحريصة على محاربة الارهاب بجميع أشكاله في المنطقة. تسويق صورة جديدة لسياستها بالمنطقة، وامتصاص الغضب الشعبي لسياستها الداخلية والخارجية. قرار التشديد على منع البوركيني، إجراء تكتيكي وسياسي تسعى من ورائه فرنسا الى تمكينها من لعب دور مهم بالمنطقة من جهة، وجس النبض للحلفاء بأهميتها حفاظا على مكانتها. خلاصة القول إن فرنسا بقرار منع البوركيني والتراجع عنه لاحقا، حولها الى حلقة أضعف في الاتحاد الأوروبي، وجعل مستقبلها السياسي والاقتصادي على كف عفريت ومن المرجح أن تتعرض لضربات ارهابية محتملة، خصوصا أن التطرف الأعمى يقيس الأمور بمنطق آخر، بعيدا عن التوازنات الدولية ورهاناتها الماكرو سياسية.
محلل سياسي مغربي

الخطاب السياسي في فرنسا بعد فضيحة «البوركيني»

خالد عبد اللطيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية