الخطيب التلفزيوني كصانع سرديات

تزدحم الفضائيات العربية بدعاة يتزيّون بلبوسات الوقار والوعظ والتوجيه والتنبيه. ويعتمدون في خطابهم على استذكار ماضي الأمة، من خلال ترديد مآثر شخصيات مترسبة في التاريخ والوجدان بشيء من التنزيه والتمجيد. والهدف هو ترسيخ نموذج قيمي مستل من سياق واحد وهو الإسلام، بدون موضعة تلك النماذج في مداراتها الإنسانية لاختبارها على هذا المحك الكوني.
بذلك الانتقاء الثقافي الطهوري في مقاصده يحاول أولئك الدعاة تعزيز قيمة دائرة أحادية لابتناء سلوك يعتقدونه مثالياً وصالحاً لكل البشر. وعليه لا تخلو تلك الاستدعاءات من رثاء لحال المسلمين الذين تنازلوا عن منظومة قيمهم ليختلسها الغرب منهم ويعيد إنتاجها وفق مصالحه. وهي إدعاءات جوفاء يلعب الداعية أو الخطيب على أوتارها بالتنويع الصوتي والأداء الحركي للتأثير على الجمهور باعتباره صانع سرديات. وهذا الوعظ الإرتكاسي الموجه، الذي يُراد به غسل خطايا الأمة، وتطهيرها من وصمة الجهل والتخلف، لا يمكن بحال اعتباره جزءاً من سلوك إنساني شمولي السمة. لأنه مجرد حيلة تؤديها فئة مطرودة من التاريخ للالتفاف على لحظة الاستحقاق، والهروب من الراهن، واختلاق منظومة من الأوهام المخدرة. وهو أداء يتقن فنونه الدعاة الجدد، الذين يجدون له موطئاً في الفضائيات، بما يمتلكونه من قدرة عجائبية على السرد الميلودرامي، الذي يتناسب مع احتياجات العقول والذوات الخاوية، التي تبحث من خلال تلك الحكايات البسيطة في مركباتها الواقعية والمتخيّلة عن الطمأنينة، واستشعار حالة الإيمان السطحية، لاستعادة الهوية الضائعة والإحساس بقيمة (الأنا) التائهة في الفراغ. هكذا يلعب السرد الرومانسي المصنّع في مختبر الخطيب التلفزيوني دوره في مهمة التبليغ، ضمن استراتيجية دعوية لا تنهض على مفهوم القيمة المجردة للفعل الإنساني، إنما تقوم على تصعيد البعد الشخصاني، أي تبئير الحدث والقيمة والمادة السردية أيضاً في شخصيات متجاوزة أو خارقة. وهي شخصيات نقائية من ذلك المنظور طالما مارس الخطاب الديني الحفر فيها، وتوطينها في الوعي الجمعي. الأمر الذي يسهل على الداعية، كسارد، مهمة حقن الشخصية المراد تقديمها بالخلاصات المناقبية والأخلاقية الكونية، والدفع بها ناحية جمهور مستجلب من بُنى الخوف والفراغ واللاطمأنينة، فهو أقرب إلى وضعية (المستلقي) منه إلى مواضعات (المتلقي).
إن السرد في هذه الحالة المتحوّلة من صيغة الكلام الوعظي المباشر إلى أدائيات جسدية مسنودة بإخراج مسرحي مؤثر، هو الذي يعزز حالة التواصل ما بين الداعية التلفزيوني والجمهور، حيث تتضاعف قوة السرد في الإبلاغ والتأثير والإقناع. كما يلاحظ ذلك من خلال تنويعه على نبرات صوته لاستمالة قلوب الجمهور، وتلوين خطابه بالإنفعالات والتوترات المصنوعة لاختراق بنية اللاشعور عندهم، بالإضافة إلى جُملة من التمويهات الصوتية والبصرية التي تشكل نظامه التبليغي. من خلال الخروج عن متن الحكاية الأم وإضافة الحواشي الثقافية ذات الدلالة. وتلك هي آليات اشتغاله داخل نسق يعمل في فضاء وجداني صرف.
السرد إذن هو خيار الداعية، الذي يراكم الحكايات والأساطير والخوارق المتعلقة بشخصية ما من الشخصيات الاصطفائية، وتحشيدها في خيط سردي لا عقلاني، فهو لا يخاطب الوعي بقدر ما يستفز مواطن العاطفة، التي لا تحتاج إلى برهنة أو إقناع، بل تطالب بالمزيد من سيناريوهات البطولة والفروسية والمناقبية الأخلاقية، الموجبة بالضرورة لصد هجمات الآخر والحد من تفوقه، بل قهره ولو بالمعنى المجازي. بمعنى أن الخطيب هنا يبلور من خلال السرد حالة تجهيل مضاعفة.. يمارس فيها تغييب الذوات المستمعة أو المشاهدة عن اللحظة، وهو أداء يستلزم العبث بالزمن والقيمة والمقصد الإنساني، تماماً كما يفعل الخطيب السياسي، إذ يمكن لتلك الطاقة الانفعالية المتولدة من تلك السرديات المتخيّلة تحويل الطابع الكمي للمرويات إلى سلوك ارتكاسي، وهو أمر تحتمه السرودات الموجهّة. هكذا تتحول المادة التاريخية القابلة للجدل والتأويل وفق آلية سرد الخطيب إلى حكاية مسبوكة بمتانة، بدون شقوق ولا احتمالات، فهو يتكئ على جزء واقعي من المروية فيما يختلق بانوراما من الحكايات الملفقة والمصعدة لتمديد أثر الشخصية في الزمان والمكان، وكأن الحكاية المعاد إنتاجها بوعي السارد الجديد المتمثل بالداعية، لا تقبل المساءلة، فهو يسرد نصياً ما يتوفر في الكتب. وبنبرة صوتية وقورة، حالمة، استرواحية.. تضفي على النص الأصلي شيئاً من القدسية، كأنها أي تلك النبرة المروحنة هي صوت التاريخ العنيد الذي لا يمكن المساس به، إلى أن يخدش الخطيب هذا النص الكلياني بنبرته الذاتية، وإيماءاته الجسدية، وانفعالاته المدبرة، ليشخصن المروية ويحشّدها في ذاته، وكأنها من عندياته متخلّقة في مختبره، بعد أن يسبغ عليها بعض الحميمية، فهو في موقع السارد المتماهي مع النص والبطل والقيمة.. إذ تنعدم المسافة بينه وبين ما يسرده من وقائع ماضوية.
كل تلك الطاقة الانفعالية المستجلبة إلى مسرح تمثيلي، والمستدخلة في حكاية مركبة، تكون لها مهمة أساسية تتمثل في تعطيل مُجمل آليات التساؤل والدفاع عند الجمهور، الذي يقع بدوره في سحرانية السرد، بحيث تكون كل ثيمات التاريخ ومنعطفاته مجرد حكايات أفقية محتلة بأبطال من صنع الداعية، فهم يتحركون بمعزل عن الظرف التاريخي وخارج السياق الاجتماعي، بل فوق النقد والمساءلة، بمعنى أنه لا توجد أي مسافة تُذكر بين الذاكرة الجديدة التي يؤسسها الداعية من خلال سلسلة محاضراته الموجهة، وبين الذاكرة التاريخية، حيث يتم الربط بينهما بآليات وحكايات ساذجة، لإحياء المفاهيم والقيم والهوية المنهزمة داخل فاصل تلفزيوني يبتني مراداته على التخدير والتضليل والتزييف والتغييب.
السرد بهذا المعنى الذي يؤدي فروضه الخطيب ليس مجرد حكاية تقوم على تتابع الوقائع وتتالي العبارات، إنما هو خطاب مفخخ بألاعيب التفخيم والإيهام والتصعيد والتضخيم والتركيب والاختلاق والاستعارة واستدخال منظومة من الحكايات والمواقف والمناقب والآراء والقولات إلى وعاء الشخصية الضيق لتوسيعه والرهان به على الجمهور. والأهم والأخطر، أن الخطيب، وهو يمارس هذا التبئير السردي، فهو إنما ينزلق بشخصياته خارج الزمن ليجعلها عابرة للأزمان والأنساق الثقافية. فيما يؤكد من جانب آخر على منصة انطلاقها الإسلامية. وهو بالتالي يحاول الدفع بشخصية محبوسة داخل قفص عقائدي ضيق باتجاه فضاء إنساني على درجة من الرحابة، وكأنها تختزن من الحمولات الرمزية ما يكفل لها ذلك التأثير الكوني، وذلك اعتماداً على وهم السرودات الرومانسية التي تتعطل مفاعيلها بمجرد اصطدامها بجمهور متخفف من الأثر السحراني للداعية، الذي اكتسبه على أرضية خصبة من الخرافات وبواسطة قوى فطنة في إنتاج الداعية السارد.
الدعاة الجدد لا يتكلمون على المنابر لمجرد الكلام، بل يؤدون فروضات سردية لها طابع البناء الثقافي، يستمد قوته من الأصول والنصوص التاريخية ومن درايتهم العميقة بسلطة السرد ومن كفاءاتهم الفطرية والمكتسبة على الأداء المسرحي، فالدماغ البشري مصمم لاستقبال الحقائق والأفكار والمفاهيم في قوالب حكائية. وهنا تكمن خطورتهم، أي في قدرتهم على خلط المادة التاريخية بالقصص المتخيلة والمصنوعة بمزاج شخصي للعودة بالإنسان من لحظته الراهنة بكل استحقاقاتها إلى ما يصفونه بنبع اللحظة النقية، بمعنى تعليب الجمهور في غيبوبة رومانسية تكون ركيزتها العقيدة بمعناها الضيق، التي لا تعانق الفضاء الإنساني.

كاتب سعودي

محمد العباس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية