لقد كان تتويج دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة بلا شك مسرحية تجريدية. فصاحب المال، مالك شبكة الفنادق ودور الكازينو، المالك السابق لمسابقة الجمال «مس يونيفرس» ومقدم البرنامج السابق «المختص» ـ أصبح زعيم العالم الحر. لقد صدم العالم بأسره عميقا، باستثناء حكومتي روسيا وإسرائيل في اغلب الظن.
من شاهد تنصيب ترامب لا بد أنه صدم من خطابه. « أمر يكا أولا» كان شعار الجهات الانعزالية في اعوام 1939 ـ 1940، والتي عارضت دخول الولايات المتحدة إلى الحرب ضد هتلر والنازيين رغم إبادة اليهود. كما أن شعار «اعادة أمر يكا إلى عظمتها»، والذي يعني اعادة أمريكا إلى ايدي النخبة البيضاء، مقلق هو الآخر.
فالحديث يدور عن محاولة التمرد ضد الولايات المتحدة متعددة الثقافات والتي توجد فيه اقلية كبيرة من السود، الهسبانيين وعشرات ملايين المهاجرين. هذا نوع من الانقلاب ينفذه ترامب، ولكن دون اسناد من الحزب الجمهوري الذي عارضه بمعظمه.
يبدو أن باراك اوباما، الرئيس الاسود الذي تولى الرئاسة على مدى ثماني سنوات، كان صعبا جدا على الهضم بالنسبة لرجال الطبقة الوسطى البيض عديمي الثقافة في الولايات المتحدة.
أما ترامب فهو رجل أعمال ناجح، جلب معه إلى الادارة مليارديريين ناجحين. وهو كفيل بان ينجح في الاقتصاد، فما بالك أنه ورث اقتصادا أفضل بكثير مما ورثه أوباما من سلفه جورج دبليو بوش. ومع ذلك، من شأن ترامب أن يعرض للخطر النسيج الاجتماعي الأمر يكي. في اثناء ولايته قد تنقسم الولايات المتحدة وتعاني من اضطرابات اجتماعية متواصلة. ومن شأن الاقليات والمهاجرين أن يعانون، وكذا طائفة المثليين. كما أن الدستور الأمريكي، الذي هو أساس قوة الولايات المتحدة سيتحداه على ما يبدو زعيم هجر قيم المساواة. هذا هو السبب الذي لم يجعل 24 ساعة تمر من لحظة تنصيب ترامب، واذا بشوارع عشرات المدن الأمريكية تمتلئ بملايين المتظاهرين، نساء في معظمهن. وقد استبدلت القبعة الوردية «حفلة الشاي». ومن الآن فصاعدا ستكون هذه هي المعارض في أمريكا؛ اساسا نساء يكافحن في سبيل مواضيع كالاقتصاد، الامن القومي، التعليم، الصحة وكذا مواضيع تنبع من عدم مساواة بين الرجال والنساء، كالاجر المتساوي، الاجهاض، تنظيم الاسرة، الترفيع في العمل، حقوق المهاجرين وما شابه. في عشرات المدن في العالم تظاهر الناس تضامنا مع نساء الولايات المتحدة. قد تكون حقوق النساء هي موضوع حقوق الانسان الاهم في عصرنا. فلا يمكن للمجتمع أن يحاكم الا على اساس مستوى المساواة بين الجنسين السائدة فيه.
لم تعد المعركة السياسية في الولايات المتحدة بين الحزبين الجمهور والديمقراطي، او بين المؤسسة الحاكمة والحزب المعارض، مثلما في الماضي، بل بين حركتين: الاولى شعبوية وعنصرية، تتطلع إلى الانقطاع عن العالم؛ والثانية ليبرالية وديمقراطية تتطلع لأن تكون جزءا من العولمة في عالم بلا حدود.
لاسرائيل يوجد ما تتعلمه من الولايات المتحدة. مثل ترامب، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هو الآخر يريد أن تقوم سور حولنا، يكره الإعلام والنخب الثقافية ويتحدث غير مرة بشكل عنصري ضد الوسط العربي. هو أيضا يسيطر بفضل حركة ما اكثر مما بفضل حزب ما، أي حركة المستوطنين، فتيان التلال وشركائهم.
ما ينقصنا هي الحركة المضادة. فالخلاص لن يأتي من يوجد مستقبل أو المعسكر الصهيوني، بل من حركة للمواطنين. ينبغي الامل في أن تقود هذه الحركة النساء.
معاريف 30/1/2017
أوري سفير