لندن ـ «القدس العربي»: وصلت الخلافات والمنازعات داخل وكالة أنباء الشرق الأوسط الى مستوى غير مسبوق، وخرجت الى العلن لتتحول خلال الأيام القليلة الماضية الى حديث الوسط الصحافي في العالم العربي بأكمله، وذلك بعد أن قام صحافي يعمل بالوكالة ببث شكواه الى المشتركين فيها من مختلف الصحف والمحطات ووسائل الاعلام، في تصرف لم يسبق أن عرفته وسائل الاعلام من قبل.
ووكالة أنباء الشرق الأوسط هي وكالة الأنباء الرسمية الحكومية في مصر، كما أنها واحد من أهم مصادر الأخبار في العالم العربي، إلا أن السلطات تتدخل فيها بصورة مستمرة منذ ما قبل ثورة يناير(كانون الثاني) 2011، وذلك بسبب أنَّ نسبة كبيرة من الأخبار التي تنشرها وسائل الاعلام المحلية في مصر تكون الوكالة هي مصدرها، فضلاً عن أنها تقوم بتنفيذ التغطيات الاعلامية لكل الأنشطة والزيارات والتحركات التي تقوم بها الحكومة ورئيس الجمهورية في مصر.
رسالة استغاثة
وفوجئ متابعو الوكالة والمشتركون بخدمتها بخبر تبثه مساء الثلاثاء الماضي، ليس سوى «رسالة استغاثة بالرئيس عبد الفتاح السيسي»، أما صاحب الاستغاثة فهو المشرف على التحرير باللغة العربية في الوكالة الصحافي المصري سيد النشار، ويخاطب فيها السيسي شاكياً له من رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير علاء حيدر، متهماً إياه بأنه حوَّل وكالة الأنباء الرسمية الى «عزبة خاصة لخدمة مصالحه الشخصية».
وقال النشار في رسالته مخاطباً السيسي: «أستغيثُ بسيادتكم من تعنت رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط علاء حيدر ضدي والذي حول الوكالة الرسمية للدولة إلى «عزبة خاصة» لخدمة مصالحه الشخصية من خلال استغلال نفوذه في استعادة قطعة أرض كبيرة في ميدان رمسيس لعائلته، كما حولها أيضاً الى «خرابة» نتيجة لسوء الادارة والتخبط والتراجع في كل قرار يتخذه، وعدم معرفته بما يُنشر في المؤسسة نتيجة لانشغاله الدائم في السفريات للخارج التي تكلف الوكالة التي تعتمد على دعم كامل من الدولة آلاف الدولارات، بالاضافة الى انشغاله أيضا بالظهور الاعلامي في معظم برامج الفضائيات رغم ضحالة معلوماته، وإنه نظراً لرداءة المادة التحريرية التي تُنشر في الوكالة، تراجع مستواها ما أدى الى قيام أكثر من 90 مشتركاً بنشرة الوكالة الى إلغاء اشتراكاتهم التي كانت تساهم الى حد ما في ميزانية الوكالة للوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين بها».
وأضاف النشار: «أستغيث بسيادتكم – سيادة الرئيس – لما نعرفه من نصرتكم للمظلومين، إنقاذ وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية التي كانت من خلال قياداتها العظماء في السابق، المصدر الرئيسي للأخبار داخلياً وخارجياً، إنقاذها من علاء حيدر الذي نُشر عنه منذ أسابيع على المواقع الاخبارية تحت عنوان (عزبة علاء حيدر.. وكالة أنباء الشرق الأوسط سابقاً)، والتي قال فيها كاتب الخبر إن علاء حيدر حوّل وكالة أنباء الشرق الأوسط التي يديرها حسب ما يشاء ووفق وجهة نظره القاصرة من أكبر «وكالة إخبارية» الى أكبر «خرابة قومية»، وتمكن باتصالاته من حذف هذا الخبر من الموقع الاخباري وتقديم بلاغ للنائب العام ضد صاحب الموقع.
ضجة في الوسط الاعلامي
وأثارت رسالة الاستغاثة التي نشرها النشار بواسطة خدمة البث العامة للوكالة جدلاً واسعاً في الوسط الصحافي والاعلامي داخل مصر وفي العالم العربي، كما فتحت الباب واسعاً للتساؤل عما يجري داخل أكبر وكالة أخبار عربية، وداخل واحدة من أكبر المؤسسات الاعلامية المملوكة للحكومة في مصر.
ولاحقاً للاستغاثة أرسلت الوكالة اعتذاراً عن المادة التي تم ارسالها، وحذفتها واعتبرت أن ما بدر من الصحافي النشار «تصرف غير مسؤول تمثل في إذاعة أكاذيب وافتراءات على الوكالة عبر نشرتها الرسمية».
وقالت الوكالة في اعتذارها إنها شرعت في اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه الزميل عما بدر منه من خروج عن الأمانة الصحافية، وانتهاك ميثاق الشرف الصحافي، والتشكيك في القدرات المهنية للزملاء الصحافيين بالوكالة.
ورد علاء حيدر على الاستغاثة قائلاً إنه «بصدد الاجتماع بمجلس الإدارة ورؤساء الأقسام لاتخاذ إجراء ضد سيد النشار، مدير تحرير الوكالة لإيقافه عن العمل، وتحويله للتحقيق». وأضاف أنه سيقوم بتحريك دعوى قضائية ضده على ما ارتكبه من أخطاء مهنية، خصوصاً أنه «كانت له سابقة قديمة بقيامه بتزوير جواز السفر الخاص بالمكاتب الخارجية».
واعتبر الإعلامي والمقدم التلفزيوني المقرب من السلطات في مصر أحمد موسى ما حدث «فضيحة»، مشيراً الى أنها «المرة الأولى التي يتم فيها تسجيل مثل هذه الواقعة»، وتساءل: «من المسؤول عن نشر الأخبار؟ ومن الذي يراجعها قبل النشر؟ ومن الذي يعطي الأوامر بنشر الخبر أو عدم نشره؟ من الذي رأى هذه الكارثة وأغمض عينيه؟.. من الذي يمتلك مفتاح الوكالة؟».
وعرض موسى الخبر وقال لمشاهديه: «هذا الخبر أصبح موجوداً في كل أنحاء الدنيا، في كل مؤسسات البلد والوكالات الكبرى والصحف.. تخيلوا هذه الفضيحة والكارثة».
وقال حيدر لقناة «صدى البلد» تعليقاً على الحادثة إن «الصحافي النشار ارتكب أخطاءً مهنية كبيرة خلال ابتعاثه الى المغرب، وأعيد الى القاهرة بناء على ذلك، فحاول الحصول على مستحقاته المالية كاملة عن فترة تواجده في المغرب، فكان الرد عليه أن مجلس التحرير أعاده من المغرب بسبب ارتكابه أخطاءً مهنية، ومن ثم تم تشكيل لجنة ووجدت أنه ليس من حقه الحصول على الأموال التي طلبها، وهو ما أثار غضبه ودعاه الى أن يفعل ما فعل».
جريمة سيُعاقب عليها
واعتبر حيدر أن ما ارتكبه الصحافي النشار من إرسال رسالة استغاثة عبر خدمة الوكالة الاخبارية هو «جريمة»، مشيراً الى أن مجلس الادارة ومجلس التحرير اجتمعا، وجميع الأعضاء يشجبون شجباً تاماً ما صدر عن الزميل النشار. وقال: «سنقدم لنقابة الصحافيين شكوى تتضمن انتهاكه لميثاق الشرف الصحافي وارتكابه للعديد من الجرائم بحق وكالة أنباء الشرق الأوسط، وتحويله الى الشؤون القانونية للتحقيق معه لاتخاذ قرار بتسريحه من العمل».
ورأى أن النشار لا بد أن يُعاقب، والعقوبة ستكون شديدة ورادعة، وقال إن ما فعله هو «خيانة للأمانة، والقرار سيتم اتخاذه من قبل كل العاملين في وكالة أنباء الشرق الأوسط».
وأكد حيدر أنه تم تسجيل بلاغ لدى الشرطة ضد الصحافي النشار، كما سيتم إعلام النائب العام بالاجراءات التي سيتم اتخاذها بحقه كنتيجة للتحقيق الذي ستقوم به الجهات المختصة في الوكالة.
ورد النشار لاحقاً عبر شاشات القنوات المصرية، مؤكداً أن حيدر لا يعلم ما يدور في الوكالة ولا يقرأ ما تنشره الوكالة، مضيفاً: «الدليل على صحة كلامي هو أنني نجحت في نشر هذا الخبر»، مشيراً الى أنه «لا يعرف ما يحدث في الوكالة بسبب انشغاله في السفريات الخارجية».
وكشف النشار عن حادثة غريبة مضمونها أن زميلة صحافية سكبت على نفسها البنزين في مكتبه وحاولت الانتحار احتجاجاً على ما تواجهه داخل الوكالة.
يشار الى أن وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ.ش.أ) هي وكالة الأنباء الرسمية المصرية وتقدم خدماتها من خلال ثلاثة أقمار اصطناعية، وتبث يومياً طوال الأربع وعشرين ساعة ما يقارب من ربع مليون كلمة باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، وتصل خدماتها الإخبارية إلي جميع أنحاء العالم.
وترتبط وكالة أنباء الشرق الأوسط بعقود تعاون وتبادل إخباري مع خمس وعشرين وكالة أنباء عربية وإقليمية ودولية، وكانت قد تأسست في 15 كانون الأول/ ديسمبر 1955 كشركة مساهمة تملكها دور الصحف المصرية، وفي 8 شباط/ فبراير 1956 صدر قرار مجلس الوزراء المصري بإنشاء الوكالة رسمياً.