الخلافة بين الرمزية والواقع

حجم الخط
0

بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها تأسست دولة تركيا في شكلها الحالي نظاما وجغرفيا كدولة مسلمة بنظام علماني صارم كغيرها من الدول الإسلامية الأخرى طاوية معها راية الخلافة التي سقطت نهائيا وللمرة الثانية بعد أن سقطت قبلها أيام اجتياح المغول لبغداد وقتلهم الخليفة المستعصم.
وهنا تكمن معضلة غابت عن أطروحات الدارسين استخفافا أو تجاهلا وهي أن المسلمين بلا خليفة ولو مجرد صورة
فمنذ أن بزغ فجر الإسلام قبل 1400عام والمسلمون يحكمهم خليفة واحد لا ثاني له بدأ بالعصر الراشدي ومروراً بالعصر الاموي ثم العباسي حتى عندما غلب بنو بويه على بغداد أعلن الامير عبد الرحمن الناصر نفسه خليفة في الأندلس، إذ أن المسلمين لا يمكن أن يتصوروا الأرض بل خليفة مهما كان ظالماً أو عادلاً ولذلك عندما كانت الخلافة العباسية لا تحكم فعلياً سوى بغداد في مرحلة ضعفها كانت الإمارات الإسلامية ذات القوة كالزنكية والايوبية تخطب باسم الخليفة على المنابر مع ان الخليفة دون أدنى سلطة مدركين معنى رمزية الخلافة وبمجيء العثمانيين إلى الشام ومصر اصبحت راية الخلافة بايديهم بعد ان اخذ السلطان سليم الأول البيعة من المتوكل على الله محمد الثالث آخر الخلفاء العباسيين وظل الأمر على ما هو بوجود رمزية الخلافة حتى جاء عام1922 فانتهت الخلافة رسمياً بعد ثلاثة عشر قرنا.
إن معنى الخلافة عند المسلمين طوال القرون السابقة لم تكن تعني الحكم والشريعة كما يتصورها البعض بل هي مفهوم رمزي ملازم لثوابت الإسلام وحركة الشعوب الإسلامية واقدامها على كل خطوة عسكرية ام فكرية وسقوط هذه الرمزية يعني سقوط اي أمل في النهضة التي يحلم بها كل مسلم وان اخفى حلمه وراء ستار عصر العولمة فهي ليست عيباً او تخلفا بل هي حقيقة اثبتتها السنون الاخيرة من انتشار للجماعات الجهادية ووصولها إلى درجة مرض التكفير والعزلة بل ان فشل نسخ التجربة الاوربية في البلاد الإسلامية وبالأخص العربية في قرن الهوس القومي والعلماني اي القرن العشرين اكبر دليل وذلك لأن ثوابت الدين عندنا المتمثلة بالقرآن الكريم وكتب السنة النبوية لم تخدش طوال القرون السابقة وبقيت صافية.
ان فقدان رمزية الخلافة أفقد الهوية عند الشباب المسلم فصار يفتش عن هويته الضائعة في متاهات التكفير بهدف البحث عن الحلم المفقود ولعل إعلان خلافة جديدة من قبل تنظيم الدولة بكل جرأة في هذه الأيام يبين لنا مدى الانحدار التي وصلت اليه الأمة حتى تجرأت إحدى الجماعات الإسلامية على الإعلان عنها.
قد يفهم البعض ان المقصود هو إثبات ومباركة خطوة تنظيم الدولة والأمر خلاف ذلك فالمقصود هو البحث الجدي في سبب هذه الظاهرة وعلاجها بعيدا عن لغة الإبادة فانك لن تستطيع إبادة أشخاص يقبلون على الموت بكل سرور
وكفانا تقديم القرابين من شبابنا عن طريق الاستفزاز وإسقاط اللوم على الدين ولندرك عظم التغريب في فكر الشباب الذي يجرأهم حتى على التسابق إلى الموت فهم لم يأتوا من كوكب اخر بل من بني جلدتنا وبعضهم عباقرة ولعل أكثرهم من الدول التي تحارب الإرهاب فكيف تريد ان تطفئ النار بالزيت.
الحلم الضائع والفردوس المفقود شئنا أم أبينا هو راسخ في أذهان الشباب المسلم فهل من مدرك
وهل ثمة من أدرك عظم المصيبة التي لن تنحصر في بلد دون آخر مالم يقدم لها الترياق المناسب.

فاروق شريف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية