«الخلافة» ترد بقوة وتكشف ضعف بغداد ودمشق… والعراق تفكك فعليا وما ينتظره هو خريطة جديدة

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: يحمل سقوط مدينتين استراتيجيتين في كل من العراق وسوريا بيد تنظيم الدولة الإسلامية العديد من الدلالات المهمة عن قوة وتصميم التنظيم الذي يتعرض لغارات جوية مستمرة من التحالف الأمريكي، فهو يشير بالضرورة لضعف الحكومتين العراقية والسورية، ففي بغداد كما في دمشق جيوش منهكة من الفساد والحروب التي استنزفت الطاقات ودول باتت تعتمد على المليشيات أكثر من اعتمادها على الجيوش النظامية.
وتشير صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن حالة الإنفصام بين الحكومات والمواطنين تزيد من تفكك الدولة.
ففي تدمر التي تعيش فيها قبيلة سنية أدى قمع الدولة لانتفاضة فيها بداية الإنتفاضة لعلاقة معقدة بين السكان والقوى الأمنية. واعترف جندي علوي كان يخدم في المدينة أنه لا يشعر بعلاقة تربطة بالمدينة وبات يخاف على نفسه من الموت.
ونفس السياق يصدق على الرمادي التي تعيش قبائلها ولاءات متعددة. وقد بدا هذا واضحا في تدمر يوم الأربعاء الذي هزمت فيه القوات الحكومية، على خلاف الإعلام الحكومي الذي تحدث عن انسحاب الجيش بعد تأمين السكان.
تقول روايات من المدنيين والمعارضة والموالين للرئيس بشار الأسد وغيرهم إن الجيش هرب تاركا وراءه المجندين والسكان لمواجهة قدرهم.
وقال صاحب محل إنه شاهد المليشيات المؤيدة للحكومة وهي تهرب في حالة هرج ومرج إلى المروج القريبة ولم تكن تعرف أين ستذهب واصفا المشهد بـ «الخيانة».
ويقول المواطنون إنهم شاهدوا الطيران الحكومي وهو يقصف القلعة القديمة وتساءلوا عن سبب تأخر الحكومة في قصف المتشددين.
ويتفق الجميع على أنهم فقدوا الأمل في قدرة الحكومة على توفير الأمن حتى للموالين لها. ففي يوم الخميس عندما بدأ الجهاديون بقتل من اعتبروهم موالين للنظام اختبأ الناس في بيوتهم حيث شعروا بالخوف من الجهاديين الذين يذرعون شوارع مدينتهم ومن القصف الجوي لطيران الحكومة.
وعبر الكثير من السكان عن دهشتهم من إعلان إعلام الحكومة عن إجلاء كل السكان وربما كان هذا مبررا لمواصلة القصف الجوي.
ويقول خالد الحمصي أحد أعضاء اللجنة التي نظمت التظاهرات المعادية للحكومة في تدمر عام 2011 إن القصف الجوي كان مكثفا خاصة بعد الخسائر الكبيرة بين الجنود. وقال إن سكان المدينة خائفون وأصبح المخبز الوحيد فيها تحت سيطرة تنظيم الدولة. وهو وإن عبر عن فرحته بتحرير المدينة من النظام لكنه يشعر بالحزن لوقوعها تحت سيطرة داعش.

زيف الحقائق
وفي تعليق على سقوط تدمر والرمادي كتب إيان بلاك في صحيفة «الغارديان» ان الحدثين يعتبران ضربة قوية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ويكشف عن قصور في الإستراتيجية.
وقال إن انتصارات تنظيم الدولة تكشف أيضا عن زيف ما تم تسويقه في لندن وواشنطن وبقية العواصم العربية من أن تنظيم الدولة في حالة هروب.
والحقيقة أن إدارة الرئيس باراك أوباما هي من اعترفت بأخطاء وقصور وبحسب مسؤول أمريكي «فهي تقوم بالنظر وبشكل دقيق» لمدخلها «وستكون واهما لو لم تتعامل مع أمر كهذا وتسأل نفسك أين حدث الخطأ وكيف ستصلحه وكيف نصحح المسار؟».
وعبر وزير الدفاع الأمريكي السابق بعبارات أكثر صراحة حيث قال «في الحقيقة ليست لدينا استراتيجية وما نقوم به هو التعامل مع الواقع على قاعدة ما يجري كل يوم».
ويرى مارتن شولوف في «الغارديان» أن هزيمة الجيش السوري في تدمر والعراقي في الرمادي جعلت اللاعبين الإقليميين والدول المحيطة بالعراق وسوريا يعيدون النظر في القوة الجديدة في المنطقة. فمن بيروت إلى بغداد وحتى الرياض بات المسؤولون فيها يتعاملون مع تنظيم قادر على الإنتصار في معارك ومداهمة الخطوط الدفاعية العراقية والسورية.
ويعتقد شولوف أن الإنتصارين الأخيرين لتنظيم الدولة يعبران عن ضعف الدولتين العراقية والسورية.
ويمثل دخول التنظيم الرمادي تهديدا للمصادر الطبيعية ففي العراق تحاول القوات العراقية حماية مصفاة بيجي وفي تدمر انسحبت القوات السورية إلى منشأة الغاز التي توفر الطاقة الكهربائية لمعظم مناطق النظام.
وينقل الكاتب عن بعض الضباط العراقيين الذين فروا من الرمادي قولهم إن التنظيم انتصر ليس لقوته ولكن بسبب ضعف الجيش العراقي.

ثغرة في استراتيجية أوباما
وفي تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» جاء أن تقدم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام فتح ثغرة في استراتيجية الرئيس الأمريكي باراك أوباما.
وقالت الصحيفة إنه منذ أن بدأ المتشددون الإسلاميون من تنظيم الدولة تقدمهم في شمال العراق وفي سوريا العام الماضي كان رد إدارة أوباما واضحا، فالنزاع السوري قد يكون معقدا وغير واضح النتائج إلا أن أمريكا لديها خطة واضحة المعالم في العراق. لكن سقوط مدينة الرمادي الدرامي في الأيام الأخيرة فتح ثغرة في الإستراتيجية وأثار شكوكا حول طبيعة الرد الأمريكي.
وتقول الصحيفة «يؤكد المسؤولون الأمريكيون أن الرمادي لم تكن مهمة خاصة أن أجزاء منها كانت بيد تنظيم الدولة لأكثر من 18 شهرا. ولكن انهيار الجيش العراقي في محافظة الأنبار جعلت الكثيرين يتساءلون عن نجاعة وقدرة الحملة الأمريكية- العراقية ضد تنظيم الدولة. وبالنسبة للإدارة التي تحاول التعامل مع مشكلة تنظيم الدولة فسقوط الرمادي ذكر بسقوط مدينة الموصل، وزاد من المخاوف بعد سيطرة التنظيم على أهم مدينة تاريخية في العالم وهي «تدمر». ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في الخارجية الأمريكية قوله «لا نزال نجمع خطوط ما حدث بالضبط ولكن ما حدث ليس انهيارا كما في الموصل وتفككا في الوحدات».
وكان مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان الأمريكية أقل تأدبا عندما قال «لم تطرد القوات العراقية من الرمادي بل خرجت بنفسها». وأدت أحداث الرمادي كما تدمر لتوجيه النقد للإستراتيجية الأمريكية في العراق.
وتم التركيز على قوة وكفاءة القوات العراقية. فبعد سقوط الموصل أرسلت الإدارة مدربين ومستشارين لكن سقوط الرمادي كشف عن حجم التحديات. وتنقل عن كيرك ستويل المقيم في عمان وناشر تقرير «في داخل العراق» إن 8 فرق من الجيش العراقي في شرق الأنبار هي «فرق فارغة وكشفت عن قدرات الحكومة العراقية وقوات أمنها». وأضاف «لديك 300 من المدربين الأمريكيين العاملين مع القوات العراقية، فماذا سيفعل 300 مدرب؟».
وحال الجيش العراقي في الأنبار ليس استثنائيا بل في كل المناطق. ففي زيارة للخطوط الأمامية شهر شباط/فبراير تحدث المتطوعون الشيعة الذين جندوا من المناطق الجنوبية بنوع من الإحتقار عن القوات العراقية المتمركزة قريبا منهم.
ونقلت عن حامد الياسري أحد قادة المتطوعين «الجيش مليء بالفساد والنميمة» مضيفا أنه يحمي رجاله أكثر من حماية الجيش لجنوده.

تسليح السنة
ويقول التقرير إن الإدارة الأمريكية قامت بدعم خطة الحكومة العراقية من أجل زيادة التجنيد للجيش في الأنبار من أجل إعادة قوات الأمن. وعززت الحكومة الأمريكية من عمليات نقل السلاح لأبناء العشائر الذي يقاتلون تنظيم الدولة.
وقد كشف ضعف الجيش العراقي عن مشكلة أخرى وهي اعتماد الحكومة وبشكل متزايد على مقاتلي الحشد الشعبي الذين ترتبط جماعات منهم بإيران.
ودخلت الولايات المتحدة منافسة مع المليشيات وبالضرورة إيران حيث شنت غارات جوية على تكريت لإظهار عجز الحشد الشعبي عن دخولها لكن بغداد الآن استدعت المقاتلين نفسهم الذين حاولت تحييدهم. وسيخلق دخول المقاتلين مناطق السنة مشاكل طائفية.
وترى الصحيفة أن سقوط الرمادي قاد الحكومتين الأمريكية والعراقية للتفكير في طبيعة الحملة ضد تنظيم الدولة وإن كان يجب أن تظل مركزة. ففي الربيع تحدث الأمريكيون والعراقيون عن حملة لاستعادة الموصل، أما بعد سقوط الرمادي فقد أصبحت الأولوية هي إخراج تنظيم الدولة من الأنبار.
وهناك موضوع آخر يتعلق بالإدارة نفسها وإن كانت مستعدة لتوسيع الدعم العسكري المباشر في الحملة ضد الجهاديين رغم استبعاد الرئيس الأمريكي إرسال «قوات برية» رغم مطالبة العسكريين الأمريكيين المتكررة بالحاجة لقوات على الأرض ترشد الطائرات نحو الأهداف الصحيحة ومنح القوات الأمريكية الخاصة مرونة في التحرك.
ويقول المسؤولون العسكريون إن طلبا رسميا لم تقدمه البنتاغون لتغيير الإستراتيجية. ولكن على أوباما الآن الإجابة على سؤال صعب حول التدخل الأمريكي في العراق وما هي طبيعته وإلى أي مدى مستعد للتورط فيه.

الخلافة تضرب من جديد
وما تظهره الإنتصارات الأخيرة لتنظيم الدولة الإسلامية في كل من الرمادي وتدمر أنه لا يزال ناشطا ولم تتأثر قوته حسبما ترى مجلة «إيكونوميست» وتقول إن الأحداث الأخيرة تكذب مزاعم الحكومة العراقية بزعامة حيدر العبادي الذي أعلن انتصاره في «معركة معنوية» بعد إخراج قوات تنظيم الدولة الإسلامية من تكريت.
وهو ما أعطى فكرة أن التنظيم في حالة تراجع وضعف. وتقول المجلة إن سكان بغداد رقصوا فرحا بسقوط مسقط رأس صدام حسين واستمعوا للتسجيلات في سياراتهم وعبر الإذاعة للأغاني التي سخرت من داعش.
ولكن سقوط الرمادي في 15 أيار/مايو أفسد الحفلة وعكر المزاج وأصبحت شوارع بغداد مليئة بالترقب مرة أخرى. فلم يعد تنظيم الدولة يبعد سوى أميال عنها ويهدد مصفاة النفط في بيجي ومحطة الطاقة الكهربائية التي تعتمد العاصمة عليها. فقد كانت الرمادي التي تبعد 70 ميلا عن بغداد المدينة الوحيدة التي تسيطر عليها الحكومة.
ورغم سيطرة التنظيم على بعض أجزائها منذ أشهر، لكن وجود الحكومة في بعض المقرات هناك عنى أنه يمكن التخطيط للسيطرة على المدينة بالكامل واستعادة الأنبار. وترى أن الجيش العراقي لم يكن في وضع أحسن منه مما كان عليه عندما سقطت الموصل ثاني كبرى المدن العراقية في حزيران/يونيو 2014.
مضيفة أن التنظيم استطاع اختراق دفاعات القوات الحكومية عبر موجة من العمليات الإنتحارية التي دفعت بالمدافعين عنها للهرب. وتعلق على قدرة التنظيم بالقول «بعد عام تقريبا على بداية الحملة الجوية الأمريكية والعمليات التي تقوم بها المليشيات المدعومة من إيران يظهر أن تنظيم الدولة لم يستسلم بعد.
فرغم خسارته أراض في مناطق الأكراد وكذلك في المناطق المحيطة ببغداد وقتل عدد من قادتها بمن فيهم نائب أبو بكر البغدادي، ودمرت الغارات الجوية المنشآت النفطية التي يسيطر عليها التنظيم مما خفض من الإيرادات التي يحصل عليها إلا أنه استمر بجذب المقاتلين الأجانب والمحليين على حد سواء.
ونشره لقوافل الإنتحاريين الذين يقودون الشاحنات المحملة بـ 15 طنا من المتفجرات جعلت من الصمود على خطوط القتال أمرا عبثيا وها هو يتمدد في الأنبار التي تعتبر قلب العراق السني، المنطقة الخصبة للتنظيم كي يحصل على مصادر بشرية، خاصة أن الكثير من السنة دعموا التنظيم خوفا من الحكومة التي يتسيدها الشيعة في بغداد.

أكبر من العبادي
ولا يحقق التنظيم مكاسب في العراق فقط بل وفي سوريا يتوسع بعد دخوله في 20 أيار/مايو وهناك مخاوف من قيام التنظيم بتدمير المشاهد التاريخية كما فعلت مع المشاهد التاريخية لما قبل الإسلام في مناطق أخرى.
وتقول المجلة إنه من السهل توجيه اللوم للعبادي على سقوط الرمادي ولكن مشاكل الحكومة العراقية أكبر من اختيار رئيس الوزراء. فجيشها نمر على الورق يقوم فيها القادة بتضخيم قواتهم من خلال ما يعرف بالجنود الوهميين حتى يحصلوا على رواتبهم ولكنهم يكونون أول الهاربين عندما يواجهون التنظيم، ويلحق بهم الجنود الشيعة الخائفين من الأسر والقتل على يد الجهاديين.
ولم يكن العبادي قادرا والحالة هذه على الإعتماد على قواته ولهذا استعان بالحشد الشعبي المكون من 40 فصيلا وكلها شيعية وتلقى الدعم من إيران. وتقول المجلة إن نجاحات الحشد الشعبي العام الماضي لا تعني ان مشاركتها في الهجوم على الرمادي لن تكون بدون مشاكل بل هي سلاح ذو حدين. فلو خسر الحشد فستضعف حكومة بغداد وإن انتصرت هذه المليشيات فستمثل تحديا لحكومة بغداد وتحاول السيطرة على ما تريده من مناطق السنة. ومن أجل مواجهة تحديات الحشد الشعبي شجعت أمريكا وجيران العراق العبادي على تسليح العشائر السنية ولكن بدون أثر. وترى المجلة أنه من الصعب تكرار تجربة الصحوات 2007-2008 نظرا لضعف القبائل الـ13 الرئيسية وخلافاتها.
وتأتي التطورات في الأنبار وتدمر في وقت يرغب كل طرف من الأطراف الخارجية تحميل الآخر عبء المواجهة. فالأردن يساعد في تدريب أعداد من أبناء العشائر لكنه يريد من العراقيين دفع الكلفة. أما السعودية فهي مشغولة بحربها في اليمن. ويقوم الأمريكيون بتدريب أبناء العشائر في عين الأسد لكنهم رحبوا بالمتطوعين الشيعة على أمل نجاح هذه الوحدات حيث فشل الجيش العراقي.
وتخشى الولايات المتحدة من التورط في العراق حالة زادت عدد قواتها. كل هذا لا يعني عدم معاناة تنظيم الدولة الإسلامية من مشاكل، فقد عانى التنظيم مشاكل في إدارة «الدولة» أكثر من توسيعها. وفي الوقت الحالي يركز التنظيم على تحقيق منافع تكتيكية في الوقت الذي يعزز فيه من سيطرته على المناطق السنية والإنتصار في المعركة من خلال إثارة الرعب وتقديم الخدمات. وقد حقق التنظيم نجاحات من خلال تقديم الإدارة الفاعلة وتنظيف الشوارع ودفع الرواتب في وقتها وإعادة التيار الكهربائي جزئيا وقام بفتح فندق في الموصل وفتح قصور النظام السابق لمن يريد التنزه.
ويأمل الأردن في إبقاء تنظيم الدولة الحدود مفتوحة بينه والعراق. وتقول المجلة إن الخطر هو أن «خلافة» تنظيم الدولة الإسلامية أصبحت جزءا دائما من خريطة المنطقة، وعليه فستتغير الحدود في الأشهر المقبلة.
وفي ظل حكم الأكراد مناطقهم في شمال شرقي البلاد والشيعة في الجنوب، هناك من يتساءل عن قدرة الحكومة على استعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم في شمال غربي العراق. وهو ما دفع كثيرين للقول إن العراق بات مقسما بشكل فعلي وما يحتاجه هو خريطة جديدة.

qal

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية