تونس ـ «القدس العربي»:اتفق جل الخبراء والمحللين على أن إحدى أهم العوامل التي أنقذت تونس من الإنزلاق إلى مستنقع العنف، على غرار بعض البلدان العربية التي عرفت تغييرات جذرية في أنظمة حكمها في إطار ما يسميه البعض «ربيعا عربيا» هو وجود مجتمع مدني عريق وقوي رعى حوارا وطنيا تاريخيا بين مختلف الفرقاء السياسيين، وتوصل إلى وضع خريطة طريق التزم بها الجميع أوصلت البلاد إلى بر الأمان. وكان في طليعة المنظمات التي رعت هذا الحوار، الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية.
ويعتبر وجود هاتين المنظمتين العريقتين إلى جانب الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وغيرها من المنظمات صمام أمان للسلم الأهلي في تونس وعاملا لشعور التونسيين بالإطمئنان على المستقبل. حتى أن البعض دعا إلى الحفاظ على «الحوار الوطني» ومنظماته الراعية كمؤسسة هدفها تحقيق التوافق بين الفاعلين في المشهد السياسي التونسي عند الأزمات خلال السنوات المقبلة مادام مسار الانتقال الديمقراطي غير محصن من الهزات.
الزيادة في الأجور
لكن الأزمة الراهنة بين المنظمة الشغيلة (كما تسمى في تونس) ومنظمة الأعراف جعلت البعض يدق ناقوس الخطر ويحذر من مغبة الاستمرار في الاضطرابات الاجتماعية نظرا لتأثيراتها السلبية على الاقتصاد الوطني وعلى الأمن العام. فعمال القطاع الخاص المنضوون تحت راية الاتحاد العام التونسي للشغل وخصوصا سائقي شاحنات نقل المحروقات يطالبون بالزيادة في الأجور وقد أضربوا في وقت سابق وتسببوا في أزمة تزود بالوقود خلقت فوضى عارمة في البلاد قبيل عيد الأضحى، وقد أعلنوا عن اضراب مماثل في الخامس والسادس من هذا الشهر مع ما يعنيه ذلك من تعطل للمصالح وتوقف لعجلة الاقتصاد باعتبار أهمية الوقود في الدورة الاقتصادية.
في المقابل فإن الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية يرفض هذه الزيادات رفضا قاطعا والسبب في ذلك هو الظرف الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد والذي انعكس سلبا على المؤسسات الخاصة وعلى مداخيلها. ويؤكد القائمون على منظمة الأعراف (كما تسمى في تونس) وعلى رأسهم رئيسة المنظمة وداد بوشماوي، أنهم لا يرضخون إلى التهديدات ويرفضون مطلقا كل أشكال الترهيب والافتراء وتزييف الوقائع والزج بالحوار الاجتماعي في دائرة الحسابات الضيقة بحسب تعبير البيان الذي أصدره المكتب التنفيذي لاتحاد الصناعة والتجارة.
اتهامات متبادلة
ويتبادل حليفا الأمس القريب في الحوار الوطني الاتهامات الخطيرة ويسعى كل طرف منهما إلى التقليل من حجم الطرف المقابل وكأنهما حزبان سياسيان يتنافسان على حكم البلاد. فقد صرحت أطراف من منظمة الشغيلة (الاتحاد العام التونسي للشغل)، وعلى سبيل المثال، أن اتحادها هو صاحب فضل على منظمة الأعراف فهو الذي دعاها لتكون معه جنبا إلى جنب في رعاية الحوار الوطني مع منظمات وطنية أخرى، وأنه لولا المركزية النقابية العمالية لما كان اتحاد الصناعة والتجارة بهذا الوزن في الساحة التونسية.
وقد زادت هذه التصريحات في تأزم الأوضاع وتصلب المواقف الأمر الذي دفع البعض إلى دعوة من يعتبرونهم «العقلاء» في المنظمتين، من أمثال الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي ووداد بوشماوي رئيسة منظمة الاعراف، إلى إيجاد حل للخروج من هذا المأزق. لكن يبدو أن «العقلاء» أنفسهم مصرون على المضي قدما في الخلاف وتجلى ذلك بالخصوص من خلال غياب العباسي وبوشماوي عن ندوة دعيا إليها وكان الهدف منها تقريب وجهات النظر.
جهود وساطة
ويشار إلى أن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي تدخل شخصيا بين الجانبين والتقى حسين العباسي ووداد بوشماوي وذلك لإيجاد أرضية للتفاهم وتجاوز هذه الأزمة التي أرقت المضاجع، ومثله فعل رئيس الحكومة الحبيب الصيد. لكن ضغوط القواعد التي أوصلت العباسي وبوشماوي على رأس منظمتيهما من خلال انتخابات ديمقراطية ستكون لها كلمة الفصل خاصة وأن الاتحاد العام التونسي للشغل سينظم انتخاباته الداخلية خلال السنة المقبلة ما يجعل قياداته حريصة على الاستجابة لمطالب القواعد وترضيتها لأنها وحدها من سيقرر إما التجديد لهذه القيادة أو انتخاب قيادة جديدة.
وكان الاتحاد العام التونسي للشغل قد توصل في وقت سابق إلى اتفاق مع الدولة فيما يتعلق بالزيادات لمعلمي الابتدائي وأساتذة التعليم الثانوي وذلك بعد أزمة طالت نسبيا دفعت بوزير التربية إلى إلغاء الامتحانات نهاية السنة الدراسية الماضية بعد أن أضربت نقابات التعليم المنضوية تحت راية المنظمة الشغيلة. لذلك يرى البعض في هذه المنظمة العريقة قوة فاعلة ومؤثرة في المشهد السياسي تضاهي المؤسسات العسكرية القادرة قلب أنظمة الحكم في بعض الدول وستضطر منظمة الأعراف إلى الرضوخ لمطالبها في نهاية المطاف ومهما كابر المشرفون عليها.
الطرف المحايد
لقد جرى العرف في تونس أنه كلما عجزت المنظمتان عن إيجاد الحلول لخلافاتهما يتم الالتجاء إلى وزير الشؤون الاجتماعية الذي يسعى إلى التوفيق بين الطرفين، فقد كان فيما مضى المؤهل الوحيد (أو يكاد) للتحكيم بينهما من خلال البحث في جذور الخلاف وتطوره. وقد تمت بالفعل إحالة الملف إلى الوزير باعتباره طرفا محايدا وتأمل بعض الأطراف في اتحاد الشغل أن يكشف الوزير للرأي العام عن الجهة التي تعرقل الوصول إلى حل لهذه الأزمة ملمحين إلى أن منظمة أرباب الأعمال هي التي ترفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
ولعل السؤال الذي يطرح هو ذلك المتعلق بمدى قدرة الوزير المحايد على إيجاد حل للأزمة مع حالة الضعف والوهن التي تشهدها الدولة التونسية في الوقت الحاضر. ففي السابق كانت الدولة قوية وقراراتها ملزمة ومحترمة من الجميع وبالقوة وكان تدخل الوزير حاسما وناجعا. فهل سيحترم الاتحادان القرار الذي سيتخذه الوزير مع النفوذ الواسع الذي بات للعباسي وبوشماوي؟ أم أن اللقاء بين الطرفين بعد عودة العباسي من فرنــســا سيكون هو الحاسم دون حاجة لوساطة الوزير باعتبار أن رئيس الجمهورية نفسه عجز عن تقريب وجهات النظر.
ملفات أخرى
وتجدر الإشارة إلى ان أحمد عمار الينباعي وزير الشؤون الاجتماعية لا يحظى بثقة بعض الأطراف داخل الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية التي لم تكن راضية على تعيينه على رأس هذه الوزارة عند تشكيل حكومة الحبيب الصيد مع بداية هذه السنة. وسبب ذلك أن السيد الينباعي عرف عنه قربه من الاتحاد العام التونسي للشغل وأنه على علاقة وطيدة بقياداته، بل أن البعض يؤكد أن المنظمة الشغيلة هي التي اقترحته لتولي هذا المنصب.
كما ان أزمة الوساطة بين الاتحادين جاءت في وقت تهتم فيه وزارة الشؤون الاجتماعية بتعيين الملحقين الاجتماعيين في مختلف سفارات تونس لدى الدول التي يتواجد بها عدد معتبر من التونسيين، ويثير هذا الملف تحديدا مشاكل مع البعض في ديوان التونسيين في الخارج المعترضين على تعيين هؤلاء الملحقين من بين المتقاعدين من موظفي الوزارة السابقين. فهل ستتفرغ الوزارة إلى ملف المفاوضات الاجتماعية لانقاذ البلاد التي باتت لا تتحمل مزيدا من الصدام بين المنظمتين العريقتين وتقوم بوساطة جدية أم ستواصل تركيزها على ملفات أقل أهمية من هذا الموضوع الشائك الذي يثير القلق؟