لايزال الاتفاق النووي مع إيران يثير تساؤلات عدة تتعلق بالأهداف والاستراتيجيات والتكتيك السياسي وكلها تحاول أن تتلمس معرفة يقينية حول الدور الاقليمي لإيران وأبعاده المتعددة، وربط ذلك بسؤال آخر يتعلق بمدى توافق الدور الايراني مع الأجندة الأمريكية المعلنة وغير المعلنة.
ناهيك عن كون الاتفاق يثير مخاوف حقيقية لدى دول الخليج، انطلاقا من تفوق إيران العسكري وخرق مسألة التوازن التقليدية، مع أن الادارة الامريكية تحاول جاهدة اقناع دول الخليج بعدم التخوف من الاتفاق، وان هناك أوهاما كثيرة لا اساس لها في القوة العسكرية الايرانية ودورها السياسي، ومع ذلك تجدد أمريكا موقفها الداعم أمنيا وعسكريا للخليج، وهذا الموقف يراه كثير من المراقبين محاولة دبلوماسية من أمريكا للحفاظ على نمط من الروابط التقليدية مع دول الخليج تجاوز عمرها الخمسين عاما.
ولعل دول الخليج خاصة السعودية تتحسس من الحضور الإيراني في المنطقة العربية عامة، وخصوصا مناطق النفوذ السعودي تقليديا، وهنا تؤكد دول الخليج على أن الخطير في الامر ليس امتلاك إيران تفوقا عسكريا غير تقليدي، بل في دورها المتدخل بشؤون الجيران، ودعم جماعات على خلفية مذهبية. وهنا بيت القصيد، حيث الواقع المجتمعي في كل دول الخليج يعاني من اشكالات وتصدعات، وفقا لصراعات علنية تارة ومضمرة تارة اخرى، زد على ذلك دور جماعات حقوق الانسان وانكشاف هذا الملف على الاعلام والمنظمات الدولية، وهنا تكون إيران حاضرة في ملف الحقوق الدينية لجماعات تتبعها مذهبيا، خاصة ان حضورها القوي في لبنان وسوريا والعراق واليمن استفز دول الخليج، واستفز كثيرا السعودية التي تبرز فيها بين الحين والاخر اشكالات امنية تجاه الاقلية الشيعية، كما حدث مؤخرا في التفجيرات التي طالت الكويت ايضا.
والمسألة الاجتماعية والدينية غاية في الأهمية داخل المملكة، وكل دول الخليج، انطلاقا من وعي سياسي لأقليات واكثرية، ووفق منطق المحاصصة وما يرتبط بها من مزايا سياسية ومالية، ومن هنا يظهر تناقض كبير لا يتم ادراكه وفقا للمشاهدات الوصفية أو الانطباعية، بقدر ما يستلزم تحليلا لعمق البنى الاجتماعية المنغلقة على ذاتها في تراتبية على المستويين العمودي والافقي، وهي محل توافق نسبي لا يتم الخروج عليها. هنا تظهر تطلعات الشباب والمجموعات المدنية التي ترفع شعارات مغايرة للتقليدية اجتماعيا وسياسيا وهنا تخشى دول الخليج من انهيار البنى التقليدية التي تجعل من سياقها ومضمونها صفة للمجتمع ترعاها الدولة والحكومات. رغم أن الواقع المجتمعي يعكس مظاهر انفتاح ومرونة حيث تعدد المهاجرين بثقافاتهم وجنسياتهم ودياناتهم، وتعدد المولات واتساع مظاهر التغيير الاقتصادي والتوسع الايكولوجي للمدن وتزايد سكانها، الامر الذي يعكس نمطين من البنى والممارسات والعلاقات في آن.
ولعل تزايد القلق من الملف الايراني ناجم عن غياب رؤى متوافق عليها من جميع دول مجلس التعاون، وغياب استراتيجيات وسياسات تقدم اجابات وحلولا لهذا القلق السياسي والامني.. وهنا يتزايد قلق دول الخليج في حين لا تبدي أمريكا، وهي اكبر حليف سياسي وعسكري القلق نفسه، بل نجد اهتمام الاعلامي الامريكي في الترويج للاتفاق النووي كمنجز للرئيس اوباما، وهو في نهاية مدته الرئاسية، ناهيك عن أن اوباما نفسه يقلل من مخاطر إيران تجاه جيرانها، فهو يقول إن الاتفاق مع إيران سيمنعها من أن تحصل على السلاح النووي، لأنها ستكون محل مراقبة مباشرة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وضمنا مراقبة الاستخبارات الامريكية وهذا القول يغفل ويتجاهل عمدا الجوانب السياسية والاجتماعية، ويصور المسألة بأنها مسألة تقنية وقدرات صناعية تسعى نحوها إيران.. والواقع المعاش الذي تدعمه المؤشرات الامبيريقية، أن إيران في إجراءاتها العملانية تتدخل في شؤون جيرانها في الخليج، بل وفي كثير من دول المنطقة، خاصة مع غياب الايديولوجية الناظمة للسياسات العربية التي كانت تشكل سياجا ضد الحضور الاقليمي غير العربي، أو تقلل من ذلك الحضور، خاصة مع تزايد حالات ومظاهر الفوضى التي شملت المنطقة بأسرها خاصة عقب انتفاضات الربيع العربي.
ولعل أهم مظاهر القوة في الاتفاق النووي مع إيران يمكن ايجازه في نقاط محددة: الاعتراف بدخول إيران إلى النادي النووي في ظروف منطقة ملتهبة في الصراعات السياسية والمذهبية، التفوق غير التقليدي العسكري لإيران مع العرب، خاصة السعودية ومصر، أولوية الرعاية الامريكية لإيران انطلاقا من حاجة أمريكا للدور الايراني في سوريا والعراق واليمن ولبنان، ضمن مشروع امريكي لإعادة هندسة النظام السياسي في الشرق الاوسط، دعم إيران إلى جانب تركيا وتفعيل دورهما الاقليمي في منطقة الشرق الاوسط، لقطع الطريق على دور مصر والسعودية وعلى ظهور تيار سياسي وطني أو قومي، كما كان في ستينيات القرن الماضي مع ترحيب أمريكا بدور سياسي لجماعات اثنية ومذهبية واحزاب دينية حتى مع وصولها إلى السلطة، السباق الامريكي مع روسيا والصين اللتين ترتبطان بعلاقات اقتصادية وتعاون غير مسبوق مع ايران.
خلاصة ما سبق تبرز المخاوف الخليجية والعربية المعلن عنها وغير المعلن عنها باتجاه القول إن الاتفاق الامريكي مع إيران وتقويتها عسكريا يعني دعم المذهب الشيعي في صراعه مع السنة، وإن علاقة إيران بالدول الكبرى سيجعلها في موقف المتغاضي عن دور إيران في المنطقة وتدخلاتها غير المقبولة سياسيا ومذهبيا. مع أن بعض المراقبين يذهبون في القول إلى أن التغاضي الامريكي عن دور إيران في المنطقة مرده إلى رغبة أمريكا في تكثيف التعاون المشترك مع إيران لمجابهة نشاط التنظيمات الإرهابية، خصوصًا تنظيم «الدولة الإسلامية» و»القاعدة»، مع العلم أن دور إيران في خدمة المشروع الامريكي واضحا منذ سنوات عدة ومحل تقدير امريكي فلولا هذا الدور ما تمكنت أمريكا من الدخول إلى افغانستان والعراق، بكل سهولة ويسر .
الجدير بالذكر أن المتتبع للخطاب السياسي الخليجي وتعدد تعبيراته من الرياض إلى الكويت ودبي والدوحة كلها تتباين في المضمون واسلوب التعبير، ما يؤكد غياب توافق خليجي تجاه الملف الايراني، وهنا لم تنجح اتصالات الرئيس الامريكي وجولات وزرائه، وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر ووزير الخارجية جون كيري، ولقاءاتهما مع نظرائهما في دول مجلس التعاون الخليجي، والقلق الخليجي له اسسه الموضوعية وفقا للمقارنة ديموغرافيا وعسكريا، ووفقا لوحدة الموقف الايراني المنبـــــثق عن ايديولوجية ثورية مقابل ايديولوجية محافظة وجغرافيا مهــــمة تحتضن اقل عدد من السكان واكثر قدرة في الثروات الكامنة وعوائدها.
في هذا السياق تسعى الادارة الامريكية جاهدة لتقديم وعود وتأكيدات اربعة للخليجيين الاول: أن الاتفاق يضمن الرقابة على المشروع النووي لإيران، وهو بذلك يُساعد في ضمان الأمن والاستقرار ويعالج الهواجس الإقليمية بشأن برنامج إيران النووي. الثاني: يتضمن التأكيد على استعداد أمريكا للعمل مع شركائها الخليجيين لتحديد الرد المناسب بشكل عاجل، حال تهديدهم من إيران، بما في ذلك إمكانية استخدام القوة العسكرية. الثالث: وهو الأكثر أهمية، أن موقف أمريكا الداعم للخليج سيكون فاعلا بالتزامن مع الإسراع بعقد صفقات جديدة في التسلح، وهي صفقات تستهدف تمويل الكارتل العسكري الامريكي والأوروبي وهنا تحقق أمريكا مآربها في اطار تعميم الفوضى في الشرق الاوسط، من خلال إشعال سباق التسلح في المنطقة.. وتعويم المنطقة في قضايا وازمات تخدم الاجندة الامريكية، مثل قضية الارهاب، متناسية ومتجاهلة دور أمريكا واوروبا في تخليقه وصناعته، عبر منظمات وأفراد وأفكار وممارسات وتقديم كل التسهيلات اللازمة للإرهابيين بالتنسيق مع الحلفاء من المنطقة العربية، فـ»القاعدة» و»داعش» وغيرها كان لأمريكا والغرب دور في صناعتها، مستفيدة من متغيرات اجتماعية وسياسية وثقافية داخل البلدان العربية.
الرابع: وهو تأكيد ظني، احتمالي يرتبط بمتغيرات السلوك السياسي للنظام الايراني، انطلاقا من أن الاتفاق النووي قد يكون مجالا للتقارب مع دول الخليج بافتراض غياب المخاطر العسكرية وولوج المنطقة مرحلة تقارب وتنسيق ضد مخاطر الارهاب، وبالتالي تقارب الرؤى قد تدفع بكل الاطراف لنمط جديد من العلاقات والتفاعلات تتعزز اقتصاديا وثقافيا وتقترب دبلوماسيا وسياسيا، وهي افتراضات لا دليل امبيريقي يمكن البناء عليه باتجاه تعزيز خيارات التقارب والتغيير السياسي للدولة الايرانية. والاختبار الاول لهذا الافتراض يتمحور حول دور إيران في تحقيق الاستقرار بالمنطقة، من خلال دعم المفاوضات والحوارات السياسية في سوريا والعراق ولبنان واليمن والبحرين، ومن ثم يمكن القياس على هذا الدور وجعله مؤشرا لمقاربات اخرى متعددة، خاصة أن متغيرات الدور الإيراني مرتبطة بالدور السياسي الروسي، وبضرورة خروج القرار والسلوك السياسي الايراني من مرجعيته العقدية الايديولوجية إلى دوائر السياسة في مؤسسات الدولة التي يتعامل العالم معها كعضو في الاسرة الدولية ضمن محددات تقرها المواثيق الدولية والمصالح المتبادلة.
واذا كانت إيران قد تمت مكافأتها على توقيعها الاتفاق النووي برفع اسمها من قائمة الحظر، وتمكينها من اموالها المجمدة وحقها في شراء اسلحة متطورة، كما في صفقة الصواريخ مع روسيا، واعتبارها فاعلا رئيسيا في منطقة الشرق الاوسط، وهي طرف في الحوار لإقرار تسويات في اكثر من بلد، هنا تتزايد مخاوف السعودية، خاصة أن إيران تمكنت من محاصرة السعودية من حدودها الشرقية والشمالية والجنوبية، وأن موافقة السعودية على سياسة تخفيض أسعار النفط، وهو أمل أضر بمداخيلها كثيرا وعبرت عنه موازنتها المالية ذات العجز غير المسبوق في تاريخها، فإن تأكيدات الادارة الامريكية تجاه الخليج ليس الا بيعهم اوهاما واكاذيب لان المشروع الايراني متحرك نحو مزيد من التوسع في المنطقة والتفوق العسكري مع غياب المشروع العربي البديل القادر على المواجهة.
هنا تكون الخيارات الخليجية وفق ثنائية استمرار الأزمة مع إيران أو التقارب وفق متغيرات ملموسة في السياسة الايرانية، تخلق ثقة لدى جيرانها.. ولأن السعودية اصبحت في بؤرة العاصفة الايرانية، فإن دولا مثل الامارات والكويت وعمان لا تفصح بعداوتها لإيران، بل تعلن تقاربها ومزيدا من التنسيق، وهو أمر لا يعكس نمطا تقليديا في العلاقة، بل مخاوف كبيرة تندفع معها بعض دول الخليج للاقتراب من إيران لدرء شرورها المستقبلية، ومعنى ذلك أن مقترح السعودية ومصر بقوات عربية مشتركة ليس سوى حبر على ورق، وأنه مجرد خطاب إعلامي للتغطية على فعل عسكري تم التخطيط له مسبقا، تبلور في عاصفة رملية استهدفت اليمن، بدون أن تتحرك بفعل الرياح أو بفعل السياسة نحو الضفة الاخرى من الخليج .
٭ استاذ علم الاجتماع السياسي ـ اليمن
د. فــــؤاد الصــلاحي