الخليل خالية والحواجز تزداد

حجم الخط
0

الجنود الذين تجولوا بين البيوت واشجار الزيتون طلبوا رؤية بطاقة هوية خالد أبو شخيدم (20 سنة) من الخليل. خالد أخرج بطاقة الهوية من جيبه. الجنود قاموا بفحص الرقم المكتوب بخط اليد على غطاء الهوية باللون الاخضر، والذي يناسب القائمة الموجودة لديهم. فتركوه. خالد عاد إلى بيته الذي يبعد ثلاثة امتار عن المكان الذي أوقفوه فيه.
عمل الجنود حسب الاوامر في يوم السبت ذاك، الذي سبق عيد الفصح. ومنذ سنة ونصف يمنع الجيش الإسرائيلي دخول الفلسطينيين الذين لا يسكنون في غرب الخليل القديمة، التي يبلغ عدد سكانها 1200 شخص: في أعلى تل الرميدة وحتى شارع الشهداء في الاسفل. أبو شخيدم مثل جيرانه، يعرف أن بطاقة الهوية يجب أن تكون في الجيب دائما، حتى لو خرج لالقاء القمامة أو لارشاد الزوار الإسرائيليين على الطريق.
لقد مرت عشرون سنة منذ التوقيع على اتفاق «واي» الذي يقضي بنقل 80 في المئة من الخليل للسلطة الفلسطينية. وكل عائلة فلسطينية بقيت من اجل السكن في الـ 20 في المئة الباقية. المنطقة التي تسمى «اتش 2» هي مثال على قدرة التحمل الكبيرة.
عائلة أبو شخيدم تعيش في تل الرميدة قرب موقع الحفريات الأثرية التي تقوم بها الادارة المدنية وجامعة اريئيل، والتي تم تجميدها. وقد قال الأب مجد في مكالمة هاتفية أمس مع الصحيفة إنه خلال عيد الفصح تجول في الحي كثير من الزوار اليهود. ايضا القناة 7 تحدثت عن «الاعداد الكبيرة التي تقوم بالتجول في المواقع المقدسة في الحاضرة اليهودية… وألف مقاتل من الجيش الإسرائيلي والشرطة وحرس الحدود»، الذين تم تخصيصهم للحراسة. وحسب تقرير «ضابط الدفاع التابع لكتيبة يهودا، ايتان دانا، قال إنه ليس هناك موعد أفضل لأخذ العائلة لتطبيق كلمات اغنية «قم وتجول في البلاد مع حقيبة على الظهر وعصا». ولكن في الاعياد وفي ايام السبت وفي الصيف والشتاء محظور دخول الفلسطينيين من جنين ورام الله إلى المنطقة، حتى لو كان لهم أقارب يعيشون فيها، أو ولدوا فيها وغادروها إلى خلف الحواجز.
أعلن الجيش الإسرائيلي منع الدخول إلى تل الرميدة وشارع الشهداء في نهاية تشرين الاول/أكتوبر 2015. ورغم رفض الخضوع لطلب الادارة المدنية، والتسجيل من قبل «السكان الدائمين»، فإن ميزان القوى والاقتحامات الليلية للجنود وممثلي الادارة المدنية، أجبرت الفلسطينيين على الخضوع. وقد مر18 شهرا وما زال المنع قائما. الاعلان في تشرين الاول 2015 عن اعلان المنطقة تم الغاؤه في أيار/مايو 2016، لكن هذا الالغاء يُمكن الاجانب والإسرائيليين الذين ليسوا مستوطنين من دخول المنطقة ـ وليس الفلسطينيين الذين يعيشون على مسافة قصيرة من المنطقة المعزولة. ومن اجل عدم التورط مع الاسماء العربية، سجل الجنود الرقم المتسلسل في القائمة التي لديهم على غطاء بطاقات الهوية لكل من يعيش في تل الرميدة ـ إن حق الدخول إلى البيت يتعلق بعدة ارقام. ومنع الدخول لا يسري على الاولاد تحت سن 16 سنة، ورغم ذلك فإن الجيش الإسرائيلي يمنع دخول الفلسطينيين الذين تبلغ اعمارهم 16 ـ 30 سنة منذ تموز/يوليو 2016 إلى مناطق اخرى في «اتش 2».

منقطعون عن العائلة

هذا المنع أضيف إلى قيود كثيرة على الحركة التي فرضتها إسرائيل بالتدريج على الفلسطينيين في منطقة «اتش 2» في الخليل منذ العام 1994، بعد أن قتل باروخ غولدشتاين 29 مصليا في الحرم الابراهيمي. حركة السيارات الفلسطينية ممنوعة في جزء كبير من البلدة القديمة، مركز الخليل، التي يوجد فيه كثير من المستوطنات. جزء كبير من شارع الشهداء في الشرق مغلق تماما أمام عبور الفلسطينيين، بما في ذلك الذين ما زالوا يعيشون هناك. وهم يخرجون عن طريق الاسطح أو الادراج الخلفية. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» قام باحصاء 18 حاجزا فيها جنود. 14 حاجزا منها يكون فيها احيانا جنود، اضافة إلى 70 عائقا دائم ا(جدار اسمنتي، مكعبات اسمنتية وبوابات يتم اغلاقها)، تفصل مركز البلدة القديمة عن باقي اجزاء المدينة.
في نهاية شهر آذار/مارس الماضي تم تعليق أمرين عسكريين في تل الرميدة حول السيطرة على عدة اراضي، حيث ينوي الجيش الإسرائيلي اقامة المزيد من الحواجز الكبيرة في قلب الحي من اجل وضع بوابات للفحص وبوابات دائرية وكاميرات وفواصل بين الجنود وبين المارة. أحد الحواجز سيقام بدل حاجز غلبرت قرب مسجد جبل الرحمن، والآخر قرب بيت قفيشة. ومعروف أنه لم يتم تقديم أي اعتراض على السيطرة على الارض. وهذا الامر تم توقيعه باسم قائد المنطقة الوسطى، الجنرال روني نوما، وهو ساري المفعول حتى نهاية آذار/مارس 2020. في السنة الماضي قدمت لجنة تطوير الخليل وعدد من السكان دعاوى لمحكمة العدل العليا ضد مصادرة الاراضي من اجل توسيع ثلاثة حواجز اخرى. وقد رفضت المحكمة هذه الدعاوى. وحسب السكان، ليس هناك من يحاول اقناع القضاة من جديد، لأن كل شيء متعلق بالأمن. يعتقدون في الخليل أن الحواجز الجديدة ستعزز الفصل، لكن المتحدث بلسان الجيش قال «هذا يعتبر جزءا من تطوير القدرة العملياتية والبنى التحتية في المستوطنة اليهودية في الخليل، حيث تم اعمار مواقع رقابة وتطوير معابر ومنها المعابر التي يُتحدث عنها، والتي صدر أمر السيطرة عليها في الاسبوع الماضي.
حسب الجيش الإسرائيلي، تمت اقامة المعابر كـ «جزء من استخلاص الدروس في اعقاب العمليات الإرهابية في السنة الماضية التي أدت إلى تغيير نظرية الدفاع. هذه المعابر ستزيد مستوى الأمن من جهة، وتحسن نسيج الحياة من جهة اخرى، أي حركة السيارات والسير على الاقدام، سواء لليهود أو الفلسطينيين».
إن وجود حاجز عليه جنود مسلحون، من اجل الفصل بين السكان وبين الحانوت أو العيادة لا يعتبر بالنسبة للفلسطينيين تحسينا، بل قيودا اخرى واهانة. جميلة الشلالدة التي تعيش في بيتها القديم والجميل في شارع الشهداء قالت إنها لا تخرج إلى المدينة التي توجد خلف الحاجز سوى مرة واحدة كل عشرة ايام. العبور صعب جدا بالنسبة لها. «لا يمكن التعود على المنع، رغم أننا قررنا البقاء هنا»، قالت للصحيفة. بعض الجيران الذين نزلوا من الطابق الاعلى إلى الساحة الداخلية للبيت للتحدث، الاخوان زيدان ومفيد الشرباتي، الاول فقد عينه بسبب حجر رشقه عليه المستوطنون قبل بضع سنوات. والثاني ضربه الجنود، واحتاج إلى اجراء عملية جراحية في الاردن. الثلاثة يعتقدون أنه في السنة ونصف الاخيرين كان هناك ثماني عائلات لم تتحمل العزلة الاجتماعية والعائلية فقررت ترك تل الرميدة. ولماذا لا يغادرون؟ خاصة بسبب معرفة أن المستوطنين قد يسيطرون على البيت، كما قالت الشلالدة والأخوان الشرباتي. يقولون إنه على مدى سنين، وخاصة في الاشهر الاخيرة، توجه اليهم المستوطنون واقترحوا عليهم المال الكثير مقابل البيوت التي يعيشون فيها. وفي الثمانينيات اقترحوا على الأخوين الشرباتي الهجرة إلى افريقيا مقابل البيت، لكنهم رفضوا. مفيد الشرباتي قام باضافة غرفة على السطح للعائلة التي كبرت. وقال إن القائد العسكري قد سمح له، لكن المستوطنين قاموا بتقديم شكوى وتم وقف البناء. اكياس الاسمنت تتلف مع الوقت وهي على السطح وقضبان الحديد تصدأ.

بيوت فارغة

عشية نقل الصلاحيات للسلطة الفلسطينية في الخليل في 1990 كان يعيش في المنطقة التي اصبحت «اتش 2»، 35- 40 ألف فلسطيني. 12 ألف منهم كانوا قرب المستوطنات التي ما زالت معيقات الحركة فيها صعبة، والحياة فيها مشلولة بالكامل. بعض الفلسطينيين غادروا بسبب هذا الضغط. ومن بقي هم فقراء وعنيدون. في العام 2006 فحصت «بتسيلم» ووجدت أن سكان 1040 شقة غادروا (41 في المئة من اجمالي عدد الشقق) منذ 1994. في استطلاع لجنة تطوير الخليل من العام 2015 زاد العدد إلى 1105 من الشقق التي تمت مغادرتها. حوالي 1800 مصلحة تم اغلاقها بشكل دائم بسبب 500 أمر عسكري والبعض بسبب عدم وجود الزبائن أو النقل أو اعتداءات المستوطنين والتشديد العسكري.
عندما تزوجت شلالدة وانتقلت إلى السكن في الشارع قبل ثلاثين سنة كان يعج بالحياة والمحلات والسيارات وضحك الاولاد واحاديث الجيران. الشلالدة قامت بذكر المحلات الواحد تلو الآخر: مخيطة السلايمة، وهي عائلة انفصل عنها الزوج بعد أن قرر ترك الحي، وصالونات الحلاقة ليغمور وأبو ماهر دعيس، وحانوت الزجاج لزلوم، ومخيطة اخرى للهشلمون، ومحل النرجيلة لسعدي الآغا، ودكان الجعبة، منجرة أبو عويضة، المركز الطبي، نادي رياضي، مقر صحيفة الشعب. ولم يبق أي شيء من هذا العمل الاقتصادي والاجتماعي، الغني والمتواصل، فقط أبواب حديدية قام الجيش باغلاقها بشكل دائم في العام 2000. وفوق هذه المحلات المغلقة توجد شقق سكنية، ومن خلف القضبان الحديدية اطفال ينظرون إلى الخارج بفضول. «عندما يكون هناك حماية على النافذة من اجل منع دخول حجارة المستوطنين فهذا يدل على وجود أناس في البيت، وعندما لا تكون الحماية فهذا يعني ان السكان تركوا منذ زمن»، قال عماد أبو شمسية من تل الرميدة، الذي قام بتوثيق الجندي اليئور ازاريا وهو يطلق النار على عبد الفتاح المصاب، بعد عدة دقائق من محاولة طعن جندي. ومنذ ذلك الحين أحاط الجيش الإسرائيلي بيت أبو شمسية بالجدران الاسمنتية وتم وضع كاميرا على البيت المقابل من اجل متابعة تحركاته. صديق أبو شمسية، بديع دويك، قال لضيفة نرويجية إسرائيلية انضمت للجولة، إنه يحظر عليه مواصلة السير في شارع الشهداء. «أنت مسموح لك»، قال. فبدأت بالبكاء. «لم أتوقع أمرا كهذا»، قالت. وقد قصدت كل ما شاهدته وسمعته في جولتها في المنطقة: «البيوت الفارغة، الدرج في الشارع الذي تسير عليه امرأة عجوز، الاصلاح البطيء لبيت المعاق الذي لا يحصل على تصاريح ادخال العمال ومواد البناء. عربات المحلات التجارية التي ينقل بها السكان البضائع والطعام، طفل من عائلة العزة الذي مرض ومات في الشتاء بسبب تأخر سيارة الاسعاف، وقد تم سماع جنود الجيش في حاجز غلبرت وهم يقولون: «لو كانوا إسرائيليين لكان سمح لهم بالعبور».
الضيفة النرويجية الإسرائيلية سمعت من شلالدة وعائلتها أن العزلة والانقطاع عن المجتمع هي امور صعبة جدا، وأن هذا يؤثر على الاطفال. والبالغون في حالة اكتئاب دائم. صحيح أن هناك مبادرات فلسطينية اجتماعية تحت شعار «تفكيك غيتو الخليل»: في البيت الذي غادره اصحابه، اقاموا روضة للاطفال، وأجروا مسابقة دينية باشراف وزارة الاديان من اجل تشجيع الناس على المجيء. وهم يقومون بنشاطات تصويرية للاولاد ويوزعون كاميرات الفيديو على بعض المدارس، واحيانا يتظاهرون، مع اصدقاء إسرائيليين، ضد اغلاق الخليل. وعندما يتم تفريقهم بالغاز المسيل للدموع والضرب والاعتقال. قبل شهر بادروا إلى زرع اشجار الزيتون في حي وادي نصارة شرق «اتش 2». وقد كان ثمنا لهذا النشاط: اربعة نشطاء تم اعتقالهم بعد أن قال المستوطنون للجيش إن هناك اعمالا محظورة. وقد تم عرضهم على المحكمة العسكرية في عوفر وتم اطلاق سراحهم بعد ثلاثة ايام بكفالة بلغت 3.500 شيكل، وحظر عليهم الدخول إلى ساحة الجريمة مدة عشرة ايام. وتم تقديم لائحة اتهام ضد النسيط عيسى عمر، أحد مؤسسي «شباب ضد المستوطنات». وقد جاء في لائحة الاتهام 18 بندا شملت المشاركة في مظاهرة غير قانونية واهانة جندي. وسيتم استئناف محاكمته في عوفر في الصيف.

العيش في المجاري

المشكلة الاكبر بالنسبة لعائلة أبو شخيدم و20 بيتا آخر في أعلى التلة، هي المجاري. فلم يتم ربط الحي مع شبكة الصرف الصحي البلدية. وحفر الامتصاص تحتاج إلى التفريغ مرة كل بضعة اشهر، لكن لا يتم السماح لسيارات النضح بالدخول إلا بعد التنسيق مع الادارة المدنية. وقد طلب السكان خلال سنوات من البلدية ارسال سيارة تفريغ حفر الامتصاص. والموظفون في البلدية يقولون إن التنسيق مع الجانب الإسرائيلي لم ينجح. فتقوم العائلة بتفريغ الحفر بنفسها بواسطة مضخات منزلية يتم ربطها مع الموتور الصغير، ويتم تفريغ مياه الصرف الصحي قريبا من البيت. عملية التفريغ تستمر ايام بدل ساعات في حال لو كانت هناك سيارة مخصصة لذلك. مجد أبو شخيدم لا يدخل سكان آخرين إلى الشقة في الاعلى كي لا يزيد الضغط على المجاري. وقد قام باخلاء الشقة الارضية بسبب ذلك. ولكن المتحدث بلسان منسق شؤون المناطق قال «الادارة المدنية لم يصلها أي طلب لادخال سيارات المجاري، وعندما يتم تقديم الطلبات ستتم الموافقة عليها».
قبل ثلاث سنوات بدأت بلدية الخليل بالتحدث عن ربط البيوت بشبكة المجاري بعد الحصول على التمويل المناسب، قال أبو شخيدم. وقبل شهرين جاء موظفون من البلدية والجرافات وبدأوا الحفر مدة يوم كامل. وحسب التنسيق مع الادارة المدنية كان من المفروض أن يعودوا بعد اسبوع، لكنهم منعوا من الدخول في حاجز قفيشة، فتوقف العمل. القنوات التي تم حفرها قرب بيته لا تسمح بدخول سيارة المجاري. وقال عمر إن البلدية فحصت مياه النبع القريب ووجدت أنه قد تلوث.
وجاء من مكتب منسق شؤون المناطق: «العمل من اجل ربط البيوت بشبكة المجاري تمت المصادقة عليه من الادارة المدنية، وقد بدأ قبل بضعة اشهر. ولكن بسبب مخالفات البناء لبلدية الخليل تم وقف العمل. وبعد تقديم خطة مفصلة سيتم استئناف العمل». وقالت البلدية لأبو شخيدم إن العمل ينتظر موافقة المسؤول عن الحفريات الأثرية في الادارة المدنية. وقد قامت سيارات البلدية الفلسطينية باخلاء الفطير الذي تراكم قبل الفصح قرب منازل المستوطنين. وحسب اتفاق «واي» فإن اخلاء قمامة المستوطنين والخدمات البلدية الاخرى المقدمة لهم، هي من مسؤولية الفلسطينيين.

عميره هاس
هآرتس 18/4/2017

الخليل خالية والحواجز تزداد

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية