الخوف الذي كبر وتناسل

حجم الخط
0

دعد ديب: حمص مدينتي، واسطة العقد السوري، موطن الضحكة والفرحة، أرض الفكاهة والنوادر. المزحة والنكتة الحاضرة في أفواه أبنائها كيف استحالت لغصة في الحلق لمن بقي ولمن رحل، وأنت ترى حجم الخراب والدمار الذي اجتاح البشر والحجر. ما هو حصادنا ونحن ندخل السنة السابعة بالجحيم غير الموت والرعب؟ والتهجير والاقتلاع من المكان والأمن المفقود، والشرخ الكبير في النسيج المجتمعي، وأنت ترى في شريكك بالوطن عدواً محتملاً لم يعد مهما كيف ولماذا، المهم ما وصلنا إليه لأن الأمور تقاس بخواتمها كما يقال.
لم يبق سوري لم تصبه نائبة أو كارثة، ولم يسلم أحد من الأذى، ولم يخلُ بيت من طريد أو فقيد، حيث بورصة الموت مظلة مفتوحة لتتوالد تحتها كل قصص السمسرة والنصب والاحتيال والخروج عن القانون والخطف والسلب. هذا ولم أتحدث عن نزيف جيل كامل من الشباب الذي قتل أو هاجر مع أن أغلبهم مازال يحلم بالعودة بعد أن أرهقهم استجداء موائد الآخرين وأذلتهم الحاجة وأمضهم الحنين، ولكن الخوف يشل حركتهم، الخوف من كل شيء، الخوف الذي كبر وتناسل حتى بات الفرد يخاف من نفسه.
كل سنة نقول إنها الأخيرة في هذه المقتلة المستمرة نسترد بعدها أنفاسنا، وتنقذ البقية الباقية من أشلاء الوطن الممزق لتتبدد آمالنا ونبوء بالخيبة المرة ونتجرع الغم والهم وتتجدد الكارثة. نريد الخلاص ولا خلاص بعد أن صرنا لعبة الأمم ورهانا للصراعات الإقليمية لنردد مع الجواهري:

يا بردى الخير قد هانت مطامحُنا ** حتى لأدنى طِماح غيرُ مضمونِ

أن أمشي بالشارع دون أن أخشى من قذيفة عابرة أو صاروخ مجهول، أو عصابة خطف تلك أقصى أمنياتي. أن يمر الشهر دون أن أحتاج أو أستدين من أحد، أن يبقى فوقي سقف يظللني وأن آمن برد الشتاء كلها باتت أحلاما باهظة. أن تعود سوريا كما كانت حلما بعيد المنال. أن تكون السنة السابعة نهاية السنوات العجاف التي طالت البلد من أقصاه إلى أقصاه ذاك غاية ما أستطيع بلوغه من منى، وآخر ما تصل إليه رجائي وآمالي.
العودة التي يحلم بها الملايين، لن تكون في بقايا وطن ممزق بين تيارات كلها يدعي أنه سوريا وكلهم ليسوا سوريا، نحن – أيضا – سكان سوريا نحلم بالعودة. لكن متى؟

الخوف الذي كبر وتناسل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية