ما الذي حول الولايات المتحدة إلى نجاح اقتصادي مدهش، إن لم يكن التنوع الاثني الذي فيها؟ عندما كتب آدم سميث في منتصف القرن الثامن عشر أن الولايات المتحدة من المتوقع أن تكون غنية أكثر من بريطانيا العظمى كان ذلك يبدو غير واقع ولكن ليس لمن عيناه في رأسه. عندما حاربت اوروبا من أجل النقاوة العرقية، فانهم ما وراء المحيط بلوروا طرق للعيش المشترك من خلال التأكيد على حرية الاختيار للمواطنين لحياتهم الجماعية والشخصية.
حاول بن غوريون أن يضع طابعا لدولة إسرائيل، ولكن مع القليل من التسامح للحياة الطائفية وللتعبير الشخصي للمواطنين. منذ ذلك الحين وحتى اليوم وبدرجات مختلفة فنحن نحاول ان نفرض خطوط هيكلية للحياة المشتركة، بدون ان نحترم حياة مختلفة. حريديين، متدينين، علمانيين، عرب، شرقيين، اشكناز، روس، اثيوبيين وغيرهم، لا يحصلون على الحق في ان يعيشوا حياتهم ومضطرون أن يطالبوا بمكانهم على حساب الاخر.
الحرية الدينية، حرية العبادة، حرية العمل والحق بالتملك يتم سحقها بفظاظة بإسم حقوق الاقليات. ولكن ليس بالامكان تحقيق حرية بالاكراه، وطالما أن الحرية لم يُعترف بها كقيمة، فان الحياة بالنسبة للاقليات في البلاد ستكون غير محتملة. «حقوق الانسان» هكذا يبدو، هو الاسم السري الذي بواسطته يلتفون على حقوق المواطن.
وكما يمكن أن نتعلم من تاريخ الولايات المتحدة وليس فقط منها وحدها، فان التنوع ليس مشكلة ـ بل هو الحل. مجتمع متجانس متسامح جدا مع الاضطهاد والفساد، ولكن كلما كان المجتمع اكثر تنوعا الحرية تصبح أمرا ضروريا. المحسوبية وحتى فسادا اكثر في مجتمع متجانس مقبولة اكثر على من يشعر أن هؤلاء يفيدونهم. لهذا فان الطوائف تتقبل بتسامح فساد قادتها.
ولكن محاولات خلق بوتقة صهر إسرائيلية، يخرج منها إسرائيلي جديد، معياري فشلت. الان من الواضح أنه ليس بالامكان فرض التجنيد للجيش على كل الإسرائيليين. ليس بالامكان فرض العلمانية على المتدينين أو فرض التدين على العلمانيين. ليس بالامكان تهويد العرب، وليس بالامكان قمع المبادرين او اغلاق الاسواق. التنوعات المباركة ستقودنا لان نفهم ان حياة الاكراه لم تعد ممكنة. الصناعيون سيضطرون إلى التنافس مع العالم. الكارتيلات ستضطر إلى التفكك وعلى الحكومة ان تسحب يدها من ادارة الشركات. الحكومة التي تدير شركات عامة يتوجب عليها الحفاظ على طابع الدولة كدولة يهودية وديمقراطية. عندما كانت شركة «العال» شركة حكومية كان من الواضح انها ممنوعة من الطيران يوم السبت وكذلك الحافلة العامة ممنوعة من ذلك. هذا ليس إكراها، هذا هو واجب الحكومة.
الخطوات القادمة يجب أن تكون تحرير جهاز التعليم من فرض مضامين تعليمية، تحرير الدولة من المواصلات العامة، فتح السوق للمنافسة، حل احتقار العمال، احترام حرية التشغيل وحرية العبادة. تقليص المخصصات التي تملي نمط حياة معين على المواطنين ـ مخصصات تشجع البطالة، مخصصات تشجع عدم العمل للحريديين وغيرها.
المبدأ واضح ـ الاكراه يقود إلى العنف، وليس لحياة مشتركة. ان عدم شرعنة نمط الحياة الحريدي، الخوف من العرب، الهستيريا من التهويد ـ هذه جميعا لا تعبر عن التطلع إلى الحرية، بل محاولات لدفعنا ثانية والعودة بنا إلى بوتقة الصهر الفاشلة والخطيرة. اولئك الذين يتحدثون عن «حقوق الانسان» يجب عليهم النضال من أجل حق اليهودي للصلاة في جبل الهيكل، وعن حق الحريدي ليعيش حياته وعن حق العربي لان يكون جزء من دولة إسرائيل.
إسرائيل اليوم 19/9/2017
عيران بار ـ تال