الخوف ينشئ الاستقرار

حجم الخط
0

خلال سنوات قالت حكومة إسرائيل إن السلاح النووي في أيدي إيران هو مثل سلاح يوم الحساب في أيدي هتلر. هذه المبالغة تحولت إلى شيء متفق عليه، ومنه ينبع الاستنتاج أن من واجبنا فعل ما رفض روزفلت وتشرتشل فعله من اجلنا عندما تحول أبناء شعبنا إلى رماد. الآن كما في حينه، لا مبرر للتباطؤ. ألم نرفض التفسير القائل إن الجهد لكبح المانيا لا يسمح بتوجيه الطائرات لالحاق الضرر بالسكك الحديدية التي تؤدي إلى معسكرات الابادة؟.
لا أعرف ما الذي فكر فيه نتنياهو. لأنه لم يشركني في افكاره. إلا أن اهود باراك قال لي ولزميلي موطي كرشنباوم إن الأمريكيين يفضلون عدم معرفة ما ننوي فعله. قال ذلك بغمزة عين تعني «اذهبوا وراء ذلك، نحن معكم، ولكننا لن نقول هذا بصراحة». لذلك ما الغريب في التفسير الذي سربه كاتبو سيرته الذاتية: فرصة القضاء على المنشآت النووية في إيران ضاعت لأنه لم يتمكن هو ونتنياهو من التغلب على معارضة شتاينيتس ويعلون. هل يمكن أن يكون مصيرنا قد تقرر لأن ادعاءات رئيس الحكومة ووزير الدفاع لم تكفي لاقناع وزيرين؟.
الأمم تتصرف مثل الافراد الذين يصنعون صورة ماضيهم حسب حاجاتهم. ذاكرة الكارثة يمكن استغلالها للسياسة المطلوبة. فكلما كان الحدث التاريخي أكثر كارثية، فان استجابة النفس للتفسير الديماغوجي تكون أكبر.
مثال معروف هو الرواية التاريخية التي يقدمها الحريديون والتي تقول إن الكارثة قد حدثت بسبب حركة المعرفة واعمال الصهاينة، مثلما عوقبنا قبل آلاف السنين لأننا لم نستجب لتحذيرات أنبياء إسرائيل. مثال آخر هو الديالكتيك العكسي لتلاميذ الحاخام كوك الذين يزعمون أن الكارثة كانت مقدمة ضرورية للبعث، الامر المنقوش في وعد الله لاعادتنا إلى بلادنا بعد تلقي العقاب. ويرافق ذلك التحذير: إذا لم نستوطن من البحر حتى الصحراء، ونستعبد غير اليهود في البلاد، فسيحدث لنا بالضبط مثل ما حدث. هذان التشبيهان متداخلان ويخلقان حالة نفسية مرضية يتحرك المصابون فيها بين البعث الكامل والكارثة الثانية.
الآن، بعد هزيمتنا في المعركة الدبلوماسية، يقولون لنا إن الاتفاق مع إيران يضمن لنا أن انظمة الرقابة الدولية لن تستطيع تمييز تجاوز الخط النووي. هذا سيحدث بعد عقد، وهو مرحلة زمنية قصيرة، وسنعيش بعدها في ظل التدمير الذي قد يصل في لحظة. هل الحالة المعنوية الوطنية هي مثال واضح على قوة الانكار، الخلل الذي تسبب بتجاهل نوايا النازيين؟.
من شأن توسيع زاوية النظر الوصول إلى تشبيه معاكس: في الثلاثين سنة من بداية الحرب العالمية الاولى وحتى نهاية الحرب الثانية، قتل في الحروب 120 مليون انسان، أما خلال السبعين سنة الماضية منذ هيروشيما، لم تحدث حرب عالمية أو حرب محلية واحدة بالحجم الذي يشبه حرب اليابان ـ الصين في الثلاثينيات من القرن الماضي.
العالم المهدد بالتدمير المتبادل أقل عنفا وغني بشكل كبير. الخوف يجعل العالم مستقرا، والعولمة تحوله إلى متشابه. الزوبعة التي تجتاح منطقتنا ستتلاشى مثلما تلاشت الزوابع في البلقان دون أن تتسبب بحرب عالمية. من يلعب بالتشبيهات التاريخية يمكنه الاستنتاج أن التوازن النووي في الشرق الاوسط سيهديء النفوس، وقد يتسبب في صنع السلام.

يديعوت 9/9/2015

يارون لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية