يقال انه توجد الان فرصة لتحقيق تسوية سلمية. منذ نشر استنتاجات لجنة بيل في 1937، كل أفكار التسوية تقوم على أساس فكرة واحدة: تقسيم البلاد الصغيرة بين البحر والنهر إلى دولتين. في المستشفيات، في الحالات التي يجد فيها الطبيب صعوبة بأخذ قرار حول العلاج، يتوجه إلى طبيب آخر للحصول منه على وجهة نظر ثانية، وكذلك إذا كانت طريقة العلاج تتبين على مدى فترة ما كغير ناجعة فانه تتخذ طريقة اخرى. وبالفعل، لماذا لا تفحص ايضا طريقة اخرى في مسألة تسوية الرحاب الذي نسعى نحن إلى العيش فيه.
ليس فقط بسبب مشروع الاستيطان يصعب تقسيم رحاب بلاد إسرائيل. فالصعوبة كامنة في اجمالي الظروف الجغرافية ـ الطبيعية، بمعنى، البيئية، المواصلاتية، الاقتصادية والاجتماعية ـ مثلما ايضا في الابعاد الأمنية لفكرة تقسيم الرحاب. رئيس الوزراء نتنياهو يعدنا بانه إذا قامت دولة فلسطينية، فانها ستكون مجردة من السلاح ـ ولكن هذا قول عديم الاساس. يمكن التوقيع على اتفاق يعرف هذه الدولة كمجردة، ولكن في الحروب الحديثة هناك فقط طريقة واحدة لمنع تسلح منظمة تآمرية: التواجد على الارض.
فكرة التجريد والاساليب للرقابة والاشراف على تحققها تعود لعصر عسكري مضى. هناك اساليب عديدة للرقابة على التسلح بالوسائل القتالية التقليدية، كالدبابات، المدافع والطائرات القتالية، وتوجد اساليب للمتابعة الثابتة لحركة ومكان مثل هذه القوات. ولكن في العصر الجديد، في المنطق الحربي الذي طوره حزب الله في لبنان وحماس في غزة، نشأت قدرة عسكرية من نوع جديد تتجاوز الحاجة إلى التزود التقليدي بالادوات الحربية القابلة للمتابعة.
صعوبتان تقفان في وجه تطلع التجريد. الاولى تنطوي على الصعوبة في منع تهريب السلاح الرسمي من الخارج: فمن يمكنه أن يضمن ألا يكون في شاحنة بطابا تمر في جسور الاردن صاروخ جراد او قاذف آر.بي.جي؟ واصعب بكثير ضمان النجاح في هذا الجهد إذا لم تكن الرقابة على الجسور في اياد إسرائيلية. الجيش المصري هو الاخر مع كامل نيته الطيبة، يجد صعوبة في أن يمنع في سيناء تهريب السلاح الهام لحماس، مثلما يجد صعوبة في تصفية محافل الجهاد العاملة في شبه جزيرة سيناء. الصعوبة الثانية تكمن في قدرة الانتاج المحلي. ففي عصر المعلومات الشبكية، والتي تطور امكانيات الانتاج لوسائل القتال من مواد خام مدنية، من يمكنه ان يبرر على مدى السنين خطوة تمنع عن دولة ما استيراد مواد خام مثل الفوسفات، والتي يمكن فيها انتاج مواد متفجرة، انابيب معدنية، مخارط وما شابه؟
متفق عليه جدا إذن ـ ولا سيما في ضوء دروس فك الارتباط عن قطاع غزة ـ ان تجريد الدولة الفلسطينية يتطلب سيطرة إسرائيلية كاملة في غور الاردن، حتى لو كانت الاراء مختلفة في مسألة ما الذي سيعتبر لغرض هذه الغاية غور الاردن. وفي كل سبيل لخلق رحاب عزل ناجع فان الحديث يدور عن مساحة تقع على 10 ـ 20 في المئة من اجمالي مساحة يهودا والسامرة، مع تواجد دائم لقوات الجيش والمستوطنين. ماذا يتبقى لدولة فلسطين؟ وأين ستمر طرق وصول الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في طريقهم إلى قاطع غور الاردن، ان لم يكن طريق محور 5، في خط ارئيل ـ تفوح، او طريق القدس في خط معاليه ادوميم ـ البحر الميت؟ غير أن احتمال الموافقة الفلسطينية على ذلك متدن، وكذا في الساحة الدولية لن يتحقق تأييد لمثل هذه الخطوة.
وهنا نقترح النهج الاخر. نقطة المنطلق تبدأ في الفرضية الاساس التي تقول انه بين النهر والبحر، دون ان يتضمن ذلك قطاع غزة الذي تحول منذ زمن بعيد إلى دولة، يمكن ان تقوم دولة واحدة فقط. من هنا كل شيء مفتوح للاستيضاح والبحث. لقد درج هنري كيسنجر على اقتباس قول صيني: الحل لمشكلتنا الحالية يؤدي بنا إلى المشكلة الجديدة للغد. في كل طريق ينتظرنا صراع. ويتبقى لنا ان نختار الصراع المفضل. وفي الخيار بين الصراع الذي سيفرض علينا بناء على اقامة دولة فلسطينية في حدود 67 وبين الصراع على هوية دولة اليهود بين البحر والنهر، بعموم سكانها، توجد في الظروف الجديدة اسباب عديدة لان نفضل بالذات الصراع الثاني.
يديعوت 9/6/2016