الخيال الفينومينولوجي عند هوسرل

في بداية القرن الماضي سيظهر نمط جديد في التفكير الفلسفي حاول الاستفادة من مناهج العلوم الطبيعية. ومن بين هذه الفلسفات نذكر الفلسفة الظاهراتية، مؤسسها إدمون هوسرل. وتعنى الظاهراتية، كفلسفة، بدراسة الواقع كما يتجلى في وعي الإنسان. إن الفينومينولوجيا نمط أو أسلوب للتفكير في الظواهر، من خلال ربطها بالوعي الإنساني، ومن ثم يعتبر هوسرل الظاهراتية فلسفة القصد والوعي بامتياز.
ويشدّد هوسرل في تعريفه للفينومينولوجيا، على ضرورة التعامل مع موضوعاتها كظواهر أولا وباعتبارها كذلك طريقة منهجية موضوعية في سعيها للنفاذ إلى المعنى، يقول هوسرل في تعريفه للفينومينولوجيا : «الفينومينولوجيا : (لفظ) يدل على علم وعلى نظام من الميادين العلمية، غير أن (فينومينولوجيا) تدل كذلك وفي الأصل على منهج وعلى موقف الفكر: موقف الفكر الفلسفي خاصة، والمنهج الفلسفي». وعلى هذا الأساس فإن مضمون الفينومينولوجيا هو نقد العقل النظري.
إن مهمة النقد الفينومينولوجي هي تأسيس «فينومينولوجيا المعرفة، وموضوع المعرفة، بوصفها الجزء الأول والرئيس للفينومينولوجيا عامة». وبذلك فإن الظاهراتية، وهذه خاصيتها الأساس، تجمع بين أمرين: الأول علمي صرف، كونها تجمع بين مجموعة من الميادين العلمية، والثاني كونها تشكل منهجا فلسفيا. والمنهج الفينومينولوجي، يقول هوسرل، هو منهج «نقد المعرفة في الماهية التي يدخل فيها علم ماهية المعرفة»، وبالتالي فإن الفينومينولوجيا بشكل عام هي «نظرية في ماهية الظاهرات المعرفية المحضة» باعتبارها معيشات، أي محايثات بالمعنى القصدي.
ومن نافل القول إن المعيشات المعرفية عند هوسرل تنطوي بحسب طبيعتها، على قصد كبير أي «أنها تقصد شيئا ما، وتتعلق بهذا النحو أو ذاك بموضوع». وفعل التعلق (الإرجاء) هذا هو جزء منها، على عكس الموضوع. والحاصل إن هوسرل وهو يُؤسس لنظرية فينومينولوجية قادرة على الإمساك بالعالم في مفارقاته، ظل مسكونا بطموحه الكبير المتمثل في رغبته الملحة في أن يجعل من الفينومينولوجيا «علما دقيقاّ» ، يقول ميرلوبونتي في هذا السياق: «الظاهراتية هي دراسة الجواهر essences، وتعود كل المشاكل بحسبها إلى تحديد جواهر (معينة) جوهر الإدراك، جوهر الوعي، مثلا. لكن الظاهراتية،هي أيضا فلسفة تعيد وضع الجواهر في الوجود ولا تفكر في أننا نستطيع أن نفهم الإنسان والعالم بطريقة أخرى، إلا بالانطلاق من «واقعيتهما». إنها فلسفة متعالية تسعى لفهمهما بتعليق إثباتات (تأكيدات) الموقف الطبيعي، لكنها أيضا فلسفة تعتبر العالم دائما موجودا «هناك سلفا» قبل التأمل (التفكير)، كحضور غير قابل للسلب، وقصارى جهدها هو إعادة العثور (استعادة) علة الاتصال الساذج بالعالم لإعطائه في النهاية (آخر المطاف) وضعا اعتباريا فلسفيا. إنها طموح فلسفة في أن تصير «علما دقيقا»، لكنها كذلك تناول للفضاء والزمن أي العالم «المعيش». محاولة وصف مباشر لتجربتنا كما هي، دون أي اعتبار لتكوينهما النفساني (أي الفضاء والزمن) ولا لتفسيراتهما السببية التي يقوم بها العالم أو المؤرخ أو عالم الاجتماع، ومع ذلك فإن هوسرل، في أعماله الأخيرة، أشار إلى «ظاهراتية تكوينية» بل ظاهراتية بنائية».
وعن الخيال، موضوع مقالتنا، يقول هوسرل: «من المسموح به، إذن، إن كنا نحب المفارقات، بشرط أن نفهم كما يجب الدلالة الغامضة لهذه الجملة، أن نقول بحق إن الخيال هو العنصر الحيوي للظاهراتية شأنها شأن كل العلوم الجوهرانية».
إن كل فعل تمثيلي (تشبيه- تخييل)، هو معطى بديهي. وكل معطى بديهي إنما هو ظهور المنزل. فمن خلال المثال الذي يعطيه هوسرل عن إمكانية إنجاز توهم تخييلي يُظهر القديس جورج الفارس وهو يقتل تنينا، ينتهي إلى أن هذا الموضوع البديهي «إنما هو متصل بمعنى الظاهرة، وهو يتجلى على قدر الظهور (بوصفه معطى)»، هذا الأمر هو ما يسميه هوسرل بـ»الفكر الرمزي». فالفينومينولوجي قادر على وصف ظاهرة «فكرة المربع المستدير» من ناحية محتواها الفعلي، وبالتالي فهو قادر على التأمل في هذه الفكرة. والحاصل عند هوسرل، أن لكل ظاهرة فكرية تعلقها الموضوعي، أي محتواها الفعلي (معناها الحقيقي)، ولها أيضا وعطفا موضوعها القصدي، أي موضوع تقصده على نحو ما» بحسب ضرب الماهية الذي يخصه كل مرة. ها هنا يربط هوسرل الخيال (الصورة) بمفهومي القصدية والوعي باعتبار هذا الأخير فعلا نفسيا ومعيشا قصديا.
وجدير بالإشارة إلى أن هوسرل ينظر إلى التمثيلات التخييلية على نحو من الامتلاء العيني. والضامن لهذه التمثيلات هو الإدراك الخارجي: «كيف لصورة أن تكون موافقة لشيء، هو أمر نعتقد فهمه. أما كونها صورة، فذلك مما لا قبل لنا بمعرفته لولا أن بعض الحالات قد أعطيت لنا حيث الشيء والصورة قد كانا عندنا سواء بسواء مقارنين أحدهما بالآخر». ويبقى «الحدس العقلي» عند هوسرل (نقصد الحدس الفينومينولوجي)، هو وحده القادر على النظر للماهية والبنى الخالصة التي تنتظم موضوعات الخيال، من حيث هي أشكال وعي تنطوي على بداهة عقلية مطلقة. هذا الوعي يظل مشروطا بالمطابقة بينه وبين العبارة أي بالمعنى والمعقولية. وعلى غرار كانط وهيوم يقسم هوسرل الخيال إلى نوعين:
1- الخيال الذهني (إنتاج الصور)
2- الوعي بالصورة (الامتلاء العيني- الفيزيائي)
وأما جديد هوسرل في هذه المسألة هو فقط إدماجه لهذين النوعين فيما بينهما. هكذا تحدد «مانيلا سيرفيا» مستويات الخيال عند هوسرل في أربعة تحديدات هي:
الخيال بمعناه الأولي كما هو الأمر في التعبير عن الوعي الخيالي.
2) الفانتازيا أو الخيال الحر أو الخيال بحصر المعنى أو الخيال البسيط. فالفانتازيا تستعمل مرادفا لكل هذه الاستعمالات.
3) بصدد الخيال المعيد للإنتاج يستعمل الوعي بالصورة أو الوعي بالصور من خلال ممثل فيزيائي.
4) يميز في الوعي بين الوعــي الجمالي ووعي الهيئة.
وفي معرض انتقاداتها للنظرية الفينومينولوجية عند هوسرل، خصوصا في محاولة هوسرل بناء أنطولوجيا للخيال، تقرّ مانيلا سيرفيا بأنه لم يكن مقنعا، ولم يقدم جوابا كافيا تقول في هذا السياق: «تختزل الأشياء في مركبات، معقدة، اختباريا، من المعطيات النفسانية (الأحاسيس) وتصير هويتها ومعنى كينونتها مجرد خيال بسيط، إنه ليس مذهبا خاطئا وحسب وأعمى تماما أمام مجموعة الجواهر الظاهراتية، بل إنه كذلك عبثي لكونه لا يرى كيف تتوفر الخيالات على نمط من الكينونة البدهية، كيفية كينونتها كوحدات لها تعدداتها». وتستمر سيرفيا معلقة على نظرة هوسرل للخيال على نحو من الامتلاء العيني ذلك أنه يولي الاهتمام الأكبر «بالوعي الخيالي القائم على مماثل فيزيائي (لوحة مثلا)». الأمر هذا سيدفعه إلى رفض «النظرية الاختبارية للخيال التي تجعل محتويات الوعي هي الصورة الذهنية كمماثل مادي للموضوع الخارجي».

شاعر وكاتب مغربي

الخيال الفينومينولوجي عند هوسرل

محمد الديهاجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية