كنا في ما مضى من السنين نسمع بالبطالة المقنعة، وكنا نعجب كيف يمكن للبطالة أن تكون مقنعة ! فهل البطالة شخص لكي يرتدي قناعا ! وعلمنا بعدها أن البطالة قد تكون بالفعل شخصا، يبدو في الظاهر أنه يعمل وينتج ويكسب، ولكنه في واقع الأمر لا يعمل شيئا ولا ينتج، ولكنه يقبض أجرا في نهاية الشهر. فكم من موظف وظيفته أن يأتي يوميا لغرفة مكتبه لكي يفتح الباب ويجلس لمكتبه يتسلى بقراءة الصحف، او التقليب في صفحات الانترنت، او سماع الراديو، او التجول في أروقة دائرته كالدَّلاَّلات لنقل الأحاديث والأخبار بين اقسام الدائرة المختلفة، لينصرف مساء إلى بيته يتمطى ويتثاءب كسلا وبطرا. وبالتالي فهو عاطل غير منتج، ولكن ذلك لا يظهر للمراقب. فصورة غرفة المكتب، والباب الموصد، وطاولة المكتب، وجهاز الحاسوب تحجب البطالة، وتلبسها قناعا يخفيها تحته بين طياته وثناياه وتعرجاته.
ولكننا لم نكن ندري أننا سنشهد زمنا تكون الخيانة، لا البطالة، فيه مقنعة ! هذه الخيانة ليس بوسع الجميع أن يراها، لأنها ترتدي قناعا سميكا ملونا ومزوقا بزخرف الكلام المنمق المذهب والمبهرج، الحافل بالزينة الفاحشة، والبريق الذي يخطف الأبصار الناظرة فيغشاها ويحيدها ويعميها عن ادراك فعل الخيانة المخزي والقبيح، المختبئ تحت الأصباغ البراقة، وتحت الريش الناعم الباذخ الزاخر المبذول في ارجاء القناع، وزواياه المتناثرة ! ولكن هذه المخلوقة القبيحة البشعة التي خلقت من روح الغدر والشر، ومن نفوس صغيرة طامعة بامجاد دنيوية زائلة ومؤقتة، تبقى خيانة وسخة، رغم كل مساحيق التجميل التي تغطي القناع لتخفي تجاعيد الجريمة، وكلحة الخزي والعار، واخاديد الطمع والسواد !
الخيانة هي شرك الولاء، ولا شيء غير ذلك. أن تشرك في ولائك أو عهدك أو قلبك أو هواك أو حبك أو غرامك لوطنك هو نوع من أنواع الخيانة ! أن يغلب ولاؤك لوطنك ولاء آخر، هو شرك بهذا الولاء وخيانة له.
وهكذا ترى من يشركون في الولاء للوطن يخلقون دولة داخل الدولة الأم، وجيشا داخل جيشها، ولاؤهما ليس للدولة الأم، وهكذا تتآكل الدولة الأم من الداخل، وتصبح نسيا منسيا ! هذا زمن أصبحت الخيانة فيه تتشكل بصور متخفية خادعة لم نألفها من قبل ! فالولاء للوطن لابد أن يكون خالصا لوجهه، دون شركاء منافسين، من دين إلى قومية إلى طائفة او مذهب او منطقة او فئة. لابد ان يكون الوطن هو الأعلى، والأغلى من كل الشركاء الآخرين.
ولكن المصيبة أين ! المصيبة هي أن كثيرا من الناس يستعصي عليه أن يرى هذا الوجه الكالح السواد، وهذه النفس المعتمة المتخفية تحت هذا القناع، الذي يشع براءة ووطنية ودفاعا عن الارض والعرض والمقدس. وحدهم من يملكون عينا ثالثة يملكون رؤية هذه الخيانة المقنعة، المتلفعة بعباءة الدين، والطائفة، او القومية، او اية عقيدة اخرى، غير عقيدة الوطن الجامع لكل ابنائه من كل طيف ولون وملة ومنطقة. هؤلاء الذين يملكون هذه العين الثالثة، يميزون الخيانة المقنعة، ويبصرونها بعين القلب، قبل عين العقل !
العدو الذي لا يقدر على الحرب التقليدية، لأنها تكلفه الكثير، سيلجأ للحيلة وسيحاول أن يدمر الوطن من الداخل وبأيدي ابنائه. هل تعلمون ما هي الطامة الكبرى، الطامة الكبرى هي أن تحارب مع عدو خبيث، ماكر، يجعلك شريكا له في حرب يخوضها ضد وطنك وأنت جاهل، لا تدري. الحرب المكشوفة، الواضحة، التي لا لبس فيها، حرب امينة وشريفة، لأنك تخوضها ضد طرف تعرف أنه عدوك، تنازله وانت ترى وجهه، وتتطلع في عينيه، الدهاء كل الدهاء، أن يتمكن عدوك من أن يجعلك شريكا له ضد وطنك، بأن يجعلك خائنا لوطنك وأنت لا تدري أنك ترتكب هذه الخطيئة المخزية الدميمة، ذلك أنه سيقوم بتغليفها بأغلفة ملونة بأبهج الألوان واحلاها، تخطف بصرك ببريقها ولمعانها وتوهجها، وينسيك شذاها الزائف الجيفة المنبعثة من احشائها ودمها، و يملؤك حماسة ونشوة صوتها الملعلع بشعارات النضال، والمقاومة، والدفاع عن المقدسات، والشرف، والارض، والعرض. فاذا بك تتخدر، وتنحدر لتغدو خائنا لوطنك وانت مخدر، جاهل، لاتدري، كالظَّمْآن يحسب سراب البقيعة مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا !
يقول الكاتب والمؤرخ والنـاقد الامريكي وليـم بـلم «أن دين الدولة في أمريكا هو حب الوطن، وقد جعلت هذه الظاهرة كثيرا من المواطنين يقتنعون بأن الخيانة أَسْوَأ اخلاقيا من القتل او الاغتصاب». اعتقد أن هذا هو ما نحتاجه في العراق بالذات، وفي كل بلد آخر مثله، او مثل امريكا متعدد الملل والأديان والطوائف والقوميات والأعراق والألوان، أن يكون الدين السائد لجميع المواطنين هو حب الوطن، لا شريك له، وان يكون هذا الحب هو مقياس المواطنة الصالحة، ولا شـيء بديلا عنه.
كاتبة من العراق
شهباء شهاب